الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 399الرجوع إلى "الثقافة"

الملاحان الصغيران

Share

تجاوز نهرا " الرين" و "الميز " في ليلة من ليالي الزمن القديم ، الجسور التي أقامها أهل هولندة لحماية أراضيهم ، ولما تجاوزا الجسور بدا يزحفان على تلك المدينة الفتية ، مدينة دورت

وفي تلك الليلة كان الطفل " كورنيليس " أو" كيس " - كما كان يسميه أبواه تدليلا له - نائما في مهده الخشبى متدثرا غطاه كثيفا وكان المهد علي صورة زورق جمع إلي حد كبير بين الأنافة والمتانة ، فإن والد كيس لما كان دهانا للسفن ، صنع لابنه هذا المهد من خشب البلاط ودهنه جيدا بالقطران ، ثم جمله بعد ذلك بمظالة صغيرة الحجم كان ينام عليها كل ليلة صديق محبوب " لكيس " وهو قط جميل أنمر . وقامت أم " كيس "، بنصيبها في الزورق ، إذ سردت لمهد الصبي غطاء كثيفا ، وحشت بالريش فراشه ووسائده .

وهكذا كان " كيس " نائما تحت حماية قطه حين قهر الموج الجسور فجأة ، فهاجم أكثر ما يكون عنفا منازل المدينة الرادعة ، فاقتلع الاشجار من اصولها ، وقلب الجدران المتداعية راسا علي عقب ، ودفع في طريقه السفن الطليقة كما لو كانت هذه كتلا صماء من الخشب ، وساقها لترتطم بالدور الجميلة : دور صناع السفن ودور التجار

أما كوخ أسرة " كيس " ذلك الكوخ المسكين ، فقد كان أول منزل هاجمه الموج ، وسرعان ما قد بطنه وسرعان ما خرب ؛ وذلك أن موجة عظيمة خلعت بضربة واحدة الأبواب والنوافذ واطفأت الموقد ، وقلبت المعجرة والمائدة

ولنا انهضت الكارثة والدي " كيس " من مضجعهما ، ودفعتهما يرتطمان هنا وهناك اخذا يستغيثان وقد غمرها الماء حتى منتصفهما ، وطفقا يبحثان عن المهد في

الوقت الذي كان فيه هذا الأخير قد جرفه التيار حاملا معه راكبيه الصغيرين

وكم كان هذا الزورق ، أعني مهد الطفل ، محكم الصنع ! فقد ذهب يحبو ما تغيرا اتجاهه بين آونة وأخرى ، يطرده تيار ويدنيه تيار آخر ، ولكن الأمواج ، وقد هيجتها الريح ، بدأت ترقص رقصتها الجهنمية الكبرى ، وشرع مهد " كيس ، حينئذ يجري ويرقص ، كما تجري وترقص سفينة تناولتها ايدى بحر صاخب .

وفي هذه المحطة العصيبة أظهر القط الانمر ، والحارس الرفيق والصديق ذو الفراء ان قطط هولندة ملاحون ماهرون حينما يريدون وحين تريد ذلك السماء ايضا ؛ فقد هب قائما على كفوفه ، متمكنا من وقفته على مظلة الزورق ، وكلما أمالت المهد موجة مال القط نحو الجانب الآخر ليحفظ التوازن

وقد استيقظ " كيس " أول الأمر من نومه ، وردد وسط العاصفة صرخات ما كان لأذن ان تسمعها . ولكنه فهم ان هناك من يهز مهده بمهارة فائقة ، فارخي ، من غير عناء ، للكري جفنه

ولحسن الطالع هبت ريح من الغرب ، فصارت المظلة شراعا تدفع فيه الريح ، وغدا المهد ، بمقاومته للتيار ، ينتقل على غير هدى فوق سطح الماء دون ان يدع نفسه نهبة للأمواج

ولما بدا الصباح لم يبق من معالم نهيرات " الرين " و " الميز " العديدة أى أثر ولم تظل السماء سوي بحيرة من الوحل قد غرست فيه ، على غير نسق ، بقايا البيوت والسفن والأشجار

أما سكان مدينة دورت - الذين وجدوا ملجأ في بعض القوارب وتشبث آخرون منهم بسقوف المنازل العالية - فقد كانوا يتأملون تلك النكبة العظمي ، وينادي بعضهم بعضا بصوت كله أنين أما والدا " كيس " فقد كانا جاثمين

على قمة إحدي طواحين الهواء يرقبان ، دون أمل كبير تلك المياه الثائرة حنقا وتلك الأمواج التي اغتصبت منذ الأمس طفلهما المحبوب . وفجأة انفجرت من صدرهما صرخة عجب وفرح سرعان ما جاوبها الصدى الق صرخة من جميع الجهات .

فإن مهد "كيس" ، بدا يتهادي وسط الأمواج كمهد في العهد القديم ، وظهر على مظلة المهد قط صلب القوائم ، مقوس الظهر وقد رفع ذيله مرهقا لا اعوجاج فيه ، وعرض للريح شاربين ثائرين كما لو كان في معركة . وكان يقود ، وهو يميل ذات اليمين وذات اليسار ، ذات الإمام وذات الخلف ، سفينته الواهنة بنفس المهارة التي يستطيع

بها ملاح هرم حركه البحر ان يتقلب على اضطراب جوانب سفينته الكبيرة ، وان يتجنب هزات مقدمها ومؤخرها . ومع كل هذا فإن " كيس " ، كان غارقا في سباته وهو يمص إبهامه

وقد استقبل الملاحان استقبالا رائعا وكرما خير تكريم ، وعاش القط في مدينة " دورت " - التي عمرت من جديد - حياة جملها الشرف ، ورفق من حواشيها العطف ، حياة هي اقصى ما يتوق إليه قط في عالمنا هذا . أما " كيس " فقد أصبح ملاحا مقدما شديد اليقظة . وأما قصتهما فقد سطرت على إحدي لوحات زجاج كنيسة

اشترك في نشرتنا البريدية