الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 269الرجوع إلى "الثقافة"

الملاريا

Share

تسألني عن الملاريا ، ما خطبها ؟

فاعلم أن خطبها كبير ، ومجال الشرح فيها واسع يشترك في استجلائه عالم الحيوان ، وعالم الأمراض ، وعالم الكيمياء ؛ وحتي ذلك الفنان اليومي الذي نسميه الطبيب المعالج واعلم أنه لا علاقة البتة بين اسم هذه الحمى - الملاريا - وبين خطبها العظيم . فلو أني أردت التستر على آبائنا لقلت لك خذه اسماً كأسماء الأجناس ، كالحجر والحديد والماء ، لا معنى له أكثر من الاصطلاح على لفظة كائنة ما كانت لمسمى . ولو أني أردت تمجيد من نسلوا من الأبناء لذكرت أن لفظة " ملاريا " لفظة تسجل جهل الماضي وعلم الحاضر فلفظة ماريا لفظتان :

لفظاة "مال" ومعناها الشئ الفاسد وكل ما تضمن شراً ، ولفظة "آريا" ومعناها الهواء . واللفظتان تجد أصليهما في اللاتينية ، وفي الإيطالية والفرنسية . فمعنى الملاريا إذن هو الهواء الفاسد . وأنت لا شك تعلم أن الداء لا علاقة له بالهواء فاسداً أو صالحاً . ولكن اللفظة قائمة فينا ، ومن حقها أن تقوم ، لنذكرها ، فنشكر بذكرها الله أن هدانا

واعلم أن داء الملاريا داء في الناس قديم . فأبقراط الطبيب اليوناني الشهير ، عرفها ، وهو الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد . وفارو Varro، الكاتب العالم الروماني في عهد يوليوس قيصر، عرفها أيضاً ، واقترح أنه داء مصدره المستنقعات ، فهل كانت ياتري هذه رمية من غير رام ، أم كانت نتيجة ملاحظة واستقراء ؟ وفي القرون الوسطى ، في أوروبا ، طغت على أهلها حمى  متقطعة ، فيها الرعدة ، وفيها العرق ، وتأتي علي ميعاد

لا تخلفه ، هي هي الملاريا ؟

وقبل العصور الوسطى سجلها شاعر العرب ، المتنبي في قصيدته الميمية . فوصفها عن خبرة ، فما أخطأ وصفا . وأين أصابته ؟ في مصر العزيزة ، قال يصف الحمى :

وزائرتي كأن بها حياء

فليس تزور إلا في الظلام

بذلت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت في عظامي

بضيق الجلد عن نفسي وعنها

فتوسعه بأنواع السقام

إذا ما فارقتني غلتني

كأنا عاكفان علي حرام

كأن الصبح يطردها فتجري

مدامعها بأربعة سيجام

أراقب وقتها من غير شوق

مراقبة الشوق المستهام

ويصدق وعدها والصدق شر

إذا ألقاك في الكرب العظام

فأي داء هذا إن لم يكن الملاربا ؟

وحدث في النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي ، في أوروبا ، والداء يجتاحها ، أن رجع قساوسة الجزويت إليها من جنوب أمريكا ، بقشر شجرة " سنكونا " أو وما يسميه عامتنا اليوم بقشر السكينا ، فكان لأوربا فيه الخلاص من بلاء الداء .

وبهذا الدواء تمييزت هذه الحمى عن سائر الحميات ، ودرست وحدها . ولكن جرثومة هذا الداء لم تكتشف إلا عام ١٨٨٠ ، وكثير من أشياخنا الأحياء ولدوا في هذا العام أو حوله . وجاء عام 1894 فاقترح عالم ، معروف لأهل العلم ، أن هذه الجرثومة تنتقل إلى الإنسان بواسطة البعوض ، ولكنه اخطأ فظن أن البعوض بنقلها من ماء وبيء.

ولم يهل القرن العشرين حتى كانت دراسة هذه الجرثومة تمت ، وتمت دراسة أطوارها ، وأثبت العلماء أن الجرثومة  إنما تنتقل من دم إنسان إلي دم إنسان ، وأن ناقتها ضرب معين من البعوض

فما تلك الجرثومة ، وما أطوارها ؟

لمعرفة هذه الجرثومة يجب أن ترجع إلى أدنأ الحيوانات على ظهر هذه الأرض ، فعند هذا الرجوع تعلم أن أدنأ هذه الحيوانات ، وأدنأ أدناها ، هو الذي يغزو أرقي الحيوانات على هذه الأرض ، فيسبب له الأرق والأوجاع أياما ، وقد يقضي علي حياته

افتح أي كتاب في الحيوان ، واقرأ في أوائله الباب الذي يحدث عن تقسيم المملكة الحيوانية ، تجده يبدأ بوصف أدنى هذه الأقسام ، البيرو توزوا Protazoa! وهو يصفها بأنها أبسط الحيوانات وأصغرها . وأن أكثرها لا يري بالعين العارية . وأن كثيرا منها يحتاج إلي مجهر عظيم التكبير ليرينا إياها . وبعضها كبير جدا حتى ليبلغ حجم رأس الدبوس . وأكثر هذه الحيوانات شفاف فلا بد من صبغه ليري تحت المجهر

وليست البساطة كائنة في صغر حجم هذه الحيونات وحده ، ولكنها تتعداه إلى تركيبها . فهي من البساطة في التركيب حتى جرى الحديث بأنها خلايا فردية ؛ أى أن الحيوان الواحد منها يتألف من خلية واحدة ، ولو أنها خلية يغلب أن يتخصص اجزاؤها فتتنوع هذه الاجزاء وظيفة وتركيبا ، فهي خلية ، وإن تكن واحدة ، إلا أنها اكتملت في وحدانيتها .

وتظل تقرأ فتأتى على أن هذه الحيوانات البدائية تنقسم إلي اقسام ثلاثة كبري ، أولها حيوانات سريعة الحركة لها ذيول تنمو على اجسامها فتتحرك بها كما يتحرك السابح في الماء . وتسعى الإنغيروز وربا jalusoria أي

الفقاعيات، لأنها وجدت في فقاعة المواد العضوية لما  تعرضت لهواء زمنا . ومن أمثلتها جرثومة مرض النوم . وثاني الأقسام حيوانات متوسطة الحركة ، أكثرها يتحرك بنتوءات تنشأ في جدار خليته الواحدة ، وبهذه التنوءات  تأكل ومن هذا الاسم الأميبا ، وهي جرثومة الدوسنطاريا  الأميبية في مصر ، وهو الداء الذي صار في تقليد كثير من الأطباء في هذه الأيام أن يذكروه كلمة اطلعوا على اضطراب في الأمعاء جهلوا سره . ثم تأتي في قراءتك على ثالث الأقسام .

وهو يتضمن الحيوانات البذرية ، ويسمونها الأسيوروزوا  Spoeozoa ، لأنها تتكاثر بأن تتحول إلى أجسام كرية اشبه بالبذور ، وهذه أبطأ ما في هذه الحيوانات ، ولعلها من بطنها صارت طفيلية . والذي يعجز عن السعي في سبيل الرزق لابد أن يتطفل . ومنها جرثومة داء الملاريا ، وإسمها بلزمود Plasmodion ، فهي جرثومة حيوانية ذات خلية واحدة ، عجزت عن السعي فتطفلت على دم الإنسان ، على خلايا الحمراء وهي تظل في دم هذا الإنسان تنتظر بعوضة من النوع الذي يحملها بالبعض إلي دم إنسان ثان . ومن هذا الثاني إلي ثالث ، وهلم جرا .

من أجل هذا لا يوجد البلزمود من الأرض إلا حيث يوجد إنسان . ولا ينتقل المرض إلا حيث يكون بمرض. والبلزمود ، وهذا النوع من البعوض ، والإنسان ، ثلاثة من الحيوانات لا بد من اجتماعها ليتم إحداث هذه الظاهرة المرضية البديعة التي نسميها الملاريا.

ومن شواهد ذلك أن الملاريا لا توجد في بعض جزر المحيط الهادي لأنه لا يوجد فيها هذا النوع من البعوض . وهي ستظل خالية من الملاريا ولو نقل إليهما الوف من الناس تستمر الحمى في أجسامهم ، ويسبح البلزمود متكاثراً في دمائهم ، ما خلت هذه الجزر من هذا البعوض ، ومن شواهد ذلك أيضا أن الملاريا لا توجد على الأرض بعد خط العرض

الستيني شمالا لبرودة الجو ، كذلك هي لا توجد في الأغلب ودرجة الحرارة دون الخمسة عشر درجة مئوبة . والملاريا لا توجد في أوروبا ، في جبالها ، فوق ارتفاع ٣٠٠٠ قدم . وفي الهند وأفريقية لا توجد فوق ارتفاع ٦٠٠٠ قدم

على أن درجة انتشار الحمي ، مع اجتماع أسبابها ، تتوقف على أشياء كثيرة ؛ منها طريقة عيش الناس وطبيعة الأرض التي يعيشون عليها . فكلما طاب العيش ، وانتشرت الأساليب الصحية بانتشار المدنية قلت الملاريا  أو انعدمت . حدث هذا فى أوروبا الشمالية وأمريكا الشمالية في القرن الماضي ، ففيه تراجعت الملاريا تراجعا عجيبا عن هذه البقاع بعد أن استفحلت . ولا يزال في البقاع الأوروبية غير الشمالية بقاع تذكر إذا ذكرت الملاريا . ومن تلك البقاع صقلية ، ومقدونية ، واليونان .

ولكن أسوأ البقاع سمعة في هذا الصدد افريقية الاستوائية ، تليها أمريكا الوسطى . ولتقارب ما بين الشتاء والصيف عند خط الاستواء تقوم الملاريا في ترويع أهل هذه البقاع صيف شتاء . أما في غير خط الاستواء فللحمي أو أن تنزل به على الناس ضيقة لا أهلا بها ولا سهلا ، وقد تغير الطبيعة من طقوسها ، فتتخلف الوافدة بسبب ذلك ، أو هي تقدم شراً مما اعتادت . حدث هذا في جزيرة سيلان بالهند ، في الجائحة العظمي جائحة عام ١٩٣٤-١٩٣٥ ، إذ تخلفت رياح المنسون ، فتخلف بها المطر ، فجفت الأنهار ، وجفت البحيرات ، إلا من حضر استنقع فيها الماء فصار مرابي للبعوض . ويتخلف المطر تخلف الزرع ، وتخلفت المحاصيل ، وشاعت في الناس المجاعة . وقلت بشيوعها قدرة الأجسام على كفاح الحائحة ، ففتكت بهؤلاء المساكين شر فتك ، فذهبت في سبعة أشهر ب ٨٠٠٠٠ روح

لها بقية

اشترك في نشرتنا البريدية