لم يبق إلا الحديث عن هذا الداء كما يجده صاحبه
فاعلم أن الحمي لاتأتيك بعد قرصة البعوضة توا ، فلابد للجرثومة الطفيلية التي أطعمتك البعوضة إياها من التطور في دمك والتكاثر فيه ، حتى يحتشد منها حشد كبير يكون من الكثرة بحيث يستطيع إثارة الحمي في جسدك وهذا يحتاج إلي زمن . وهذا الزمن ندر ان يقل عن عشرة ايام .
ولا يمنع هذا أن يكون للحمى إرهاص من قبل إعجاز ، فتأتيك منها البشائر : تخاذلا في الجسم ، وتصلبا في عضلات العنق ، واوجاعا في العظام ، وقلة اشتهاء للطعام ، وأرقا في الليل ، حتى وقسطا أولا من اقساط الحمى يدفع لك مقدما ، قصيرا خفيفا ، عربون ولاء من ضيف نازل بساحتك قهرا وقسرا
على أن النوبة تأتي الناس في العادة بغتة من حيث لا يحسبون . وتأتي في الأغلب ظهرا أو عصرا . وهي تنقسم إلي ادوار ثلاثة متباينة : دورة الرعدة ، ودور الحرارة ، ودور العرق
أما دور الرعدة فينزل علي المريض بإحساس من البرد شديد ، فينتفض جسمه ، وتصطك اسنانه . ونضع فوقه اللحاف فوق اللحاف ويقول هل مزيد .
وبينا تكون حرارة جلده واطئة ، تكون حرارة ما في باطن جسمه اخذة في الصعود . وهي تذهب إلي الأربعين صعدا ، فما فوقها . وبذهاب الرعدة وارتفاع الحرارة ، يقذف المريض بغطائه يستبرد من حماه . ويعتريه ما يعتري صاحب الحرارة المرتفعة في العادة من
أعراض . فيتصهد وجهه ؛ ويحس بالقئ ، وقد يقئ ؛ ويحس بالوجع في راسه ؟ وقد تبلغ به الحرارة حد الهذيان . وجلده ، في كل هذا جاف ساخن
ثم يأتيه الدور الثالث ، فيتصبب فيه عرقا كانما فتحت في جسمه الصنابير . وعندها تنفرج ازمته ، ويحس المريض بالراحة . وعندها تهبط درجة حرارته
والأزمة تستمر كلها بضع ساعات ، وقد تستمر أربع ساعات ، وقد تستمر خمسا ولكنها تعود .
وهي في حمي الربع تعود كل أربعة أيام ، فيكون بين النوبة واختها ٧٢ ساعة . هذا إذا عضت المريض بعوضة وبيئة واحدة . اما إذا عضته بعوضتان على فترة ، فدخل جسمه وباءان ، اختلت بذلك المواعيد واختلت الأزمان فعندها قد تأتيه الحمى يومان وتتخلف يوما . وهو إذا أصابته ثلاثة أؤبئة ، جاءته الحمى كل يوم .
والنوبة في حمى الثلث تأتي المريض كل ثلاثة أيام ، إذا عضته بعوضة واحدة فأصابه وباء واحد . فإذا اصابه وباءان أو أكثر من وباءين ، اتصلت الحمى ، وفسدت تلك الصورة العلمية الجميلة ، صورة المرض يأتي انتيابا وعلى ميعاد .
على أن أكثر المرضي يفضلون الصحة والسلامة علي الصورة العملية الجميلة ، فهم لا ينتظرون حتي يروا تلك النوبات يتلو بعضها بعضا في وثوق كالليل الذي هو لاحق النهار ، فيبسرعون إلي الدواء يتعاطونه ، وبه يقطعون ما بين النوبة والنوبة فلا تعود أي لا تتكرر
فهذه أعراض الملاريا الحميدة - الحميدة عقباها . أما النوع الثالث منها ، وهي الخبيثة ، فأعراضها تختلف بعض الشئ عن هذه فارتفاع درجة الحرارة فيها أكثر فجاءة ، والإحساس بالبرد فيها قليل ، وقد لا يكون . والرعدة لا تحصل . ودورة الحرارة منها تطول . فإذا جاء دور
العرق لم يكد يثبته صاحبه . فهي حمي في خبثها مبهمة غامضة ، لا كالحمي الحميدة واضحة سافرة . والشر الذي يأتيك مبهما خبيثا غير الشر الذي يأتيك سافرا عاريا ، جرثومة كان أو رجلا
ونوبة الحمى الخبيثة تستمر ١٢ ساعة ، وعشرين ساعة ، وما بينهما . وهي مبهمة غامضة حتى في انتيابها . وآلامها أوجع في الرأس ، وفي الظهر . وغثيان النفس فيها انكي ، وكذلك قيؤها . وفقر الدم فيها أشد .
وأخبث ما في هذه الخبيثة أن جرثومتها تزدحم بها شعريات الأوعية الدموية ، فتنسد بها ، فتتوقف الدورة الدموية في العضو بسببها . وقد يحدث هذا في الرأس ، في المخ ، فيصاب المريض بغيبوبة تسلمه إلى الموت ، وقد يظهر خبث هذه الحمي في الامعاء ، فيعتري المريض إسهال كالدوسنطاريا ، وقد ينزف دمه من امعائه ، فتتلوث به فضلاته . وقد يظهر خبثها صنوفا اخرى ، تفتح للموت أبوابا أخري ، والموت يدخل من كل باب . فقد يظهر خبثها بالنزيف من أنف المريض ، فيدخل الموت إلي المريض من الأنف . وقد تصيب المريض ذات الصدر فيدخل الموت من صدره . وقد ينفجر طحاله ، فيدخل من باب الطحال . وقد تتغنغر رجله . وقد ينوء بالحمل قلبه .
وفي الملاريا قد تجهض الحامل ، وقد تتعقم .
ثم عن احتمال الموت والحياة
فاعلم أن المسألة مدارها علي قدرة الجسم علي التحمل ، فالجسم الضعيف المهلهل المتهشش ، اقل الأمراض يصدمه فيهدمه . وكذلك تفعل الملاريا ، حتى الحميدة . فالغذاء الغذاء ، واللباس اللباس ، للجائع والعاري . ومدار المسألة كذلك على العلاج . والملاريا عرض لايميت ، ولكنه مع الفقر مميت . والخبيثة مميتة ما تخلف العلاج .
والملاريا ، إذا اشتفي الإنسان منها ، قد تعود . ومن
العجب أن اكثر صنوفها احتمالا للعودة أحمدها . فحمي الثلث ، وحمي الربع قد تعودان ، وتعودان بعد طول الزمان . أما الخبيثة فقل أن تعود من بعد شفاء .
وتعود الملاريا بغير سبب ظاهر ، ولكنها تأتي غالبا بعد إجهاد شديد ، أو تعرض لبرد ، أو اكتواء بشمس أي في الحالة التي تهبط فيها قوة الإنسان ، فمقاومته .
ثم كلمة عن الدواء .
وأدوية الحمي ثلاثة ، وهي اليوم أشهر من ثلاث نيران على علم : وهي الكينين Quinie والأشيرين Aleinein والبلازموكين - plasmoquine
أما الكينين فهو الأصل الفعال في الكينا ، وهي قشر شجرة تنمو في امريكا الجنوبية ، وقد نقلوها اليوم إلي غيرها من بقاع الأرض . وأشهر تلك البقاع جاوه ، وفيها يزرع هذا الشجر في مساحات واسعة جعلت ذلك البلد المصدر الاكبر للكينا ، فاللكينين ، للعالم اجمع . واين جاوه الآن ؟ وفي يد من هي ؟ أجب واعرف سبب قلة الكينين التي تعانيها مصر وغير مصر الآن .
والكينين يقتل الجرثومة وهي في الطور التي تتكاثر فيه داخل كرات الدم الحمراء ) راجع المقالات السابقة ( . وهو لا سبيل له على الجرثومة وهي في طورها الحلقي قبل ان تنقسم . وهو لا سبيل له على تلك الاطوار الجنسية التي تنتج الذكر والأنثي - تلك الأطوار التي تصبر حتي يأتيها البعوض لتتطور فيه تمهيدا لتطورها في الإنسان . والدواء النافع يكفي فيه ان يقطع الدورة في أي حلقة من حلقاتها ، فهي عندئذ لا تتم ، والجرثومة عندئذ لا تتكاثر والذي كان تكاثر فيها ، يتولى شأنه بوليس الجسم ، واعني به كرات الدم البيضاء التي تدور في شوارع الجسم وحاراته تتصيد فتبتلع كل ما تركب فيه من غريب .
وتعاطى الكينين لا يكون إلا بعد اخذ عينات من
الدم لامتحانه . فقطرات الدم بعد الكينين لا فائدة منها عند الامتحان . وما فائدة دم قتلت فيه جراثيمه .
وعلي عادة الكيمياء ، لا يظهر دواء طبيعي ، يأتي من شجر او حيوان ، حتى يأخذ الكيماويون في بنائه من مواد اقرب موردا ، و كثر مقدارا ، كالتي تأتي من الفحم ومستحضراته ومشتقاته . وفي سبيل ذلك استخرجوا مركبا جديدا أسموه اثيرين . وقد جربوه في العقد الماضي . بعد عام ١٩٣٢ ، فوجدوه افعل من الكينين . وهو يهلك من أطوار الجرثومة ما يهلكه الكينين ، وهو كالكينين ، لا يؤثر في أطوار الجرثومة الجنسية من ذكر أو أنثي .
ولا يغيبن عن الفكر أن هذه الأدوية سموم ، تعطي بمقدار فتصلح الجسم ، وتعطي بمقدار آخر فتفسده . وهي ، حتى بالمقادير المقدرة يظهر في الجسم شئ من سوء طبعها .
فالكينين يحدث في الأذان طنينا ، وقد يحدث فيها بعض صمم ، ولكنهما يذهبان بعد ذهاب الكينين . ومن الناس ما لا تأتلف طبيعته وطبيعة الكينين ويظهر هذا التنافر علي صورة من اعراض شتى ، منها ما يكون في الجلد ، ومنها ما يكون في جفن العين ، ومنها ما يكون نزيفا في الأنف أو الفم أو الأمعاء ، أو في مسالك البول . ولهؤلاء الناس يعمد الطبيب إلي الاثيرين دواء بدل الكينين
والأثيرين ايضا قد ينضح اصله السمي في المعدة والأمعاء فيظهر في وظائفها اضطراب . والجلد يصفر لونه والأثيرين من اصل صبغي . وهو من نوع الأدوية التي تتراكم في الجسم فلا تفرز منه بمقدار ما تدخل فيه .
بقي البلازموكين . وهو ثالث الثلاثة . وهو مركب كذلك صناعي ، بناء الزجاج في المعمل لا أوعية الشجر في الحقول . وهو يقتل مالا يقتله الكينين والاتبرين . إنه يقتل أطوار الجرثومة الجنسية ، ذكرها وأنثاها .
فهو يعطي مع الكينين ، أو مع الاتبرين ، ليقطع دابر المرض في كل طور من اطواره . وهو يعطي على حذر ، لأنه أسوأ أثرا في الجسم من أخويه
إن الطبيعة تأبي للناس الخلود ، فتري الإنسان بجراثيمها . والإنسان يأبي إلا البقاء ، فهو يكافح . وهو يكافح بأسلحة يستنبطها من الطبيعة بعقله . فالطبيعة فيها الداء وفيها الشفاء . والحياة من بعد ذلك عمليات جبرية ، لا حسابية ، حاصل بعضها سالب ، وحاصل بعضها موجب وحاصل كل العمليات يتأرجح عند رقم تحتمله هذه الأرض وتشاؤه إرادة وراء هذه الطبيعة . وفي هذا الرقم تتركز معاني البقاء والفناء ، لبني الإنسان جنسا ، او للجراثيم أجناسا . والغلبة في هذا علم محجب تطلبه عند علام الغيوب
