الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 273 الرجوع إلى "الثقافة"

الملاريا، خاتمة

Share

لم يبق إلا الحديث عن هذا الداء كما يجده صاحبه

فاعلم أن الحمي لاتأتيك بعد قرصة البعوضة توا ، فلابد للجرثومة الطفيلية التي أطعمتك البعوضة إياها من التطور في دمك والتكاثر فيه ، حتى يحتشد منها حشد كبير يكون من الكثرة بحيث يستطيع إثارة الحمي في جسدك وهذا يحتاج إلي زمن . وهذا الزمن ندر ان يقل عن عشرة ايام .

ولا يمنع هذا أن يكون للحمى إرهاص من قبل إعجاز ، فتأتيك منها البشائر : تخاذلا في الجسم ، وتصلبا في عضلات العنق ، واوجاعا في العظام ، وقلة اشتهاء للطعام ، وأرقا في الليل ، حتى وقسطا أولا من اقساط الحمى يدفع لك مقدما ، قصيرا خفيفا ، عربون ولاء من ضيف نازل بساحتك قهرا وقسرا

على أن النوبة تأتي الناس في العادة بغتة من حيث  لا يحسبون . وتأتي في الأغلب ظهرا أو عصرا . وهي تنقسم إلي ادوار ثلاثة متباينة : دورة الرعدة ، ودور الحرارة ، ودور العرق

أما دور الرعدة فينزل علي المريض بإحساس من البرد شديد ، فينتفض جسمه ، وتصطك اسنانه . ونضع فوقه اللحاف فوق اللحاف ويقول هل مزيد .

وبينا تكون حرارة جلده واطئة ، تكون حرارة ما في باطن جسمه اخذة في الصعود . وهي تذهب إلي الأربعين صعدا ، فما فوقها . وبذهاب الرعدة وارتفاع الحرارة ، يقذف المريض بغطائه يستبرد من حماه . ويعتريه ما يعتري صاحب الحرارة المرتفعة في العادة من

أعراض . فيتصهد وجهه ؛ ويحس بالقئ ، وقد يقئ ؛ ويحس بالوجع في راسه ؟ وقد تبلغ به الحرارة حد الهذيان . وجلده ، في كل هذا جاف ساخن

ثم يأتيه الدور الثالث ، فيتصبب فيه عرقا كانما فتحت في جسمه الصنابير . وعندها تنفرج ازمته ، ويحس المريض بالراحة . وعندها تهبط درجة حرارته

والأزمة تستمر كلها بضع ساعات ، وقد تستمر أربع ساعات ، وقد تستمر خمسا ولكنها تعود .

وهي في حمي الربع تعود كل أربعة أيام ، فيكون بين النوبة واختها ٧٢ ساعة . هذا إذا عضت المريض بعوضة وبيئة واحدة . اما إذا عضته بعوضتان على فترة ، فدخل جسمه وباءان ، اختلت بذلك المواعيد واختلت الأزمان فعندها قد تأتيه الحمى يومان وتتخلف يوما . وهو إذا أصابته ثلاثة أؤبئة ، جاءته الحمى كل يوم .

والنوبة في حمى الثلث تأتي المريض كل ثلاثة أيام ، إذا عضته بعوضة واحدة فأصابه وباء واحد . فإذا اصابه وباءان أو أكثر من وباءين ، اتصلت الحمى ، وفسدت تلك الصورة العلمية الجميلة ، صورة المرض يأتي انتيابا وعلى ميعاد .

على أن أكثر المرضي يفضلون الصحة والسلامة علي الصورة العملية الجميلة ، فهم لا ينتظرون حتي يروا تلك النوبات يتلو بعضها بعضا في وثوق كالليل الذي هو لاحق النهار ، فيبسرعون إلي الدواء يتعاطونه ، وبه يقطعون ما بين النوبة والنوبة فلا تعود أي لا تتكرر

فهذه أعراض الملاريا الحميدة - الحميدة عقباها . أما النوع الثالث منها ، وهي الخبيثة ، فأعراضها تختلف بعض الشئ عن هذه فارتفاع درجة الحرارة فيها أكثر فجاءة ، والإحساس بالبرد فيها قليل ، وقد لا يكون . والرعدة لا تحصل . ودورة الحرارة منها تطول . فإذا جاء دور

العرق لم يكد يثبته صاحبه . فهي حمي في خبثها مبهمة غامضة ، لا كالحمي الحميدة واضحة سافرة . والشر الذي يأتيك مبهما خبيثا غير الشر الذي يأتيك سافرا عاريا ، جرثومة كان أو رجلا

ونوبة الحمى الخبيثة تستمر ١٢ ساعة ، وعشرين ساعة ، وما بينهما . وهي مبهمة غامضة حتى في انتيابها . وآلامها أوجع في الرأس ، وفي الظهر . وغثيان النفس فيها انكي ، وكذلك قيؤها . وفقر الدم فيها أشد .

وأخبث ما في هذه الخبيثة أن جرثومتها تزدحم بها شعريات الأوعية الدموية ، فتنسد بها ، فتتوقف الدورة الدموية في العضو بسببها . وقد يحدث هذا في الرأس ، في المخ ، فيصاب المريض بغيبوبة تسلمه إلى الموت ، وقد يظهر خبث هذه الحمي في الامعاء ، فيعتري المريض إسهال كالدوسنطاريا ، وقد ينزف دمه من امعائه ، فتتلوث به فضلاته . وقد يظهر خبثها صنوفا اخرى ، تفتح للموت أبوابا أخري ، والموت يدخل من كل باب . فقد يظهر خبثها بالنزيف من أنف المريض ، فيدخل الموت إلي المريض  من الأنف . وقد تصيب المريض ذات الصدر فيدخل الموت من صدره . وقد ينفجر طحاله ، فيدخل من باب الطحال . وقد تتغنغر رجله . وقد ينوء بالحمل قلبه .

وفي الملاريا قد تجهض الحامل ، وقد تتعقم .

ثم عن احتمال الموت والحياة

فاعلم أن المسألة مدارها علي قدرة الجسم علي التحمل ، فالجسم الضعيف المهلهل المتهشش ، اقل الأمراض يصدمه فيهدمه . وكذلك تفعل الملاريا ، حتى الحميدة . فالغذاء الغذاء ، واللباس اللباس ، للجائع والعاري . ومدار المسألة كذلك على العلاج . والملاريا عرض لايميت ، ولكنه مع الفقر مميت . والخبيثة مميتة ما تخلف العلاج .

والملاريا ، إذا اشتفي الإنسان منها ، قد تعود . ومن

العجب أن اكثر صنوفها احتمالا للعودة أحمدها . فحمي الثلث ، وحمي الربع قد تعودان ، وتعودان بعد طول الزمان . أما الخبيثة فقل أن تعود من بعد شفاء .

وتعود الملاريا بغير سبب ظاهر ، ولكنها تأتي غالبا بعد إجهاد شديد ، أو تعرض لبرد ، أو اكتواء بشمس أي في الحالة التي تهبط فيها قوة الإنسان ، فمقاومته .

ثم كلمة عن الدواء .

وأدوية الحمي ثلاثة ، وهي اليوم أشهر من ثلاث نيران على علم : وهي الكينين Quinie والأشيرين Aleinein والبلازموكين - plasmoquine

أما الكينين فهو الأصل الفعال في الكينا ، وهي قشر شجرة تنمو في امريكا الجنوبية ، وقد نقلوها اليوم إلي غيرها من بقاع الأرض . وأشهر تلك البقاع جاوه ، وفيها يزرع هذا الشجر في مساحات واسعة جعلت ذلك البلد المصدر الاكبر للكينا ، فاللكينين ، للعالم اجمع . واين جاوه الآن ؟ وفي يد من هي ؟ أجب واعرف  سبب قلة الكينين التي تعانيها مصر وغير مصر الآن .

والكينين يقتل الجرثومة وهي في الطور التي تتكاثر فيه داخل كرات الدم الحمراء ) راجع المقالات السابقة ( . وهو لا سبيل له على الجرثومة وهي في طورها الحلقي قبل ان تنقسم . وهو لا سبيل له على تلك الاطوار الجنسية التي تنتج الذكر والأنثي - تلك الأطوار التي تصبر حتي يأتيها البعوض لتتطور فيه تمهيدا لتطورها في الإنسان . والدواء النافع يكفي فيه ان يقطع الدورة في أي حلقة من حلقاتها ، فهي عندئذ لا تتم ، والجرثومة عندئذ لا تتكاثر والذي كان تكاثر فيها ، يتولى شأنه بوليس الجسم ، واعني به  كرات الدم البيضاء التي تدور في شوارع الجسم وحاراته  تتصيد فتبتلع كل ما تركب فيه من غريب .

وتعاطى الكينين لا يكون إلا بعد اخذ عينات من

الدم لامتحانه . فقطرات الدم بعد الكينين لا فائدة منها عند الامتحان . وما فائدة دم قتلت فيه جراثيمه .

وعلي عادة الكيمياء ، لا يظهر دواء طبيعي ، يأتي من  شجر او حيوان ، حتى يأخذ الكيماويون في بنائه من مواد اقرب موردا ، و كثر مقدارا ، كالتي تأتي من الفحم ومستحضراته ومشتقاته . وفي سبيل ذلك استخرجوا مركبا جديدا أسموه اثيرين . وقد جربوه في العقد الماضي . بعد عام ١٩٣٢ ، فوجدوه افعل من الكينين . وهو يهلك من أطوار الجرثومة ما يهلكه الكينين ، وهو كالكينين ، لا يؤثر في أطوار الجرثومة الجنسية من ذكر أو أنثي .

ولا يغيبن عن الفكر أن هذه الأدوية سموم ، تعطي بمقدار فتصلح الجسم ، وتعطي بمقدار آخر فتفسده . وهي ، حتى بالمقادير المقدرة يظهر في الجسم شئ من سوء طبعها .

فالكينين يحدث في الأذان طنينا ، وقد يحدث فيها بعض صمم ، ولكنهما يذهبان بعد ذهاب الكينين . ومن الناس ما لا تأتلف طبيعته وطبيعة الكينين ويظهر هذا التنافر علي صورة من اعراض شتى ، منها ما يكون في الجلد ، ومنها ما يكون في جفن العين ، ومنها ما يكون نزيفا في الأنف أو الفم أو الأمعاء ، أو في مسالك البول . ولهؤلاء الناس يعمد الطبيب إلي الاثيرين دواء بدل الكينين

والأثيرين ايضا قد ينضح اصله السمي في المعدة والأمعاء فيظهر في وظائفها اضطراب . والجلد يصفر لونه والأثيرين من اصل صبغي . وهو من نوع الأدوية التي تتراكم في الجسم فلا تفرز منه بمقدار ما تدخل فيه .

بقي البلازموكين . وهو ثالث الثلاثة . وهو مركب كذلك صناعي ، بناء الزجاج في المعمل لا أوعية الشجر في الحقول . وهو يقتل مالا يقتله الكينين والاتبرين . إنه يقتل أطوار الجرثومة الجنسية ، ذكرها وأنثاها .

فهو يعطي مع الكينين ، أو مع الاتبرين ، ليقطع دابر المرض في كل طور من اطواره . وهو يعطي على حذر ، لأنه أسوأ أثرا في الجسم من أخويه

إن الطبيعة تأبي للناس الخلود ، فتري الإنسان بجراثيمها . والإنسان يأبي إلا البقاء ، فهو يكافح . وهو يكافح بأسلحة يستنبطها من الطبيعة بعقله . فالطبيعة فيها  الداء وفيها الشفاء . والحياة من بعد ذلك عمليات جبرية ، لا حسابية ، حاصل بعضها سالب ، وحاصل بعضها موجب وحاصل كل العمليات يتأرجح عند رقم تحتمله هذه الأرض وتشاؤه إرادة وراء هذه الطبيعة . وفي هذا الرقم تتركز معاني البقاء والفناء ، لبني الإنسان جنسا ، او للجراثيم أجناسا . والغلبة في هذا علم محجب تطلبه عند علام الغيوب

اشترك في نشرتنا البريدية