الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 271الرجوع إلى "الثقافة"

الملاريا

Share

حدثتك عن جرثومة الملاريا ، كيف تدخل جسم الإنسان ، فتطلب خلايا دمه الحمراء لسكنها ، ثم وصفت لك كيف تتطور هذه الجرثومة في هذه الكرات أشكالا مختلفة تنتهي بفقئها هذه الكرات ، ثم خروجها عنها ، ذرية جديدة من الجراثم أضعاف تلك التي دخلت هذه الكرات أول مرة .

واليوم أحدثك عما تصنع هذا الجراثيم في جسم البعوضة بعد أن حدثتك عما تصنع في جسم الإنسان .

وقد يكفي أن أقول لك إن البعوضة تخرق جلد الإنسان بإبرتها ، ثم هي ترشف من دمه بقمعها ، فيدخل هذا الدم بالذي فيه من جراثم إلى جسم البعوضة ، ثم هي تعيد هذه الجراثيم إلي دم رجل آخر عندما يجوع مرة أخري فتطلب الطعام .

ولكني بهذا أكون قد ضيعت عليك صورة يقف عندها الفكر يتأملها في متعة غير يسيرة ولا ضئيلة ، وأكون في سبيل البساطة قد حجبت عنك وجه الحقيقة الجميل

فاعلم أن الجراثيم التي تدخل جسم البعوضة هي غير تلك التي وصفت لك في دم الإنسان . فتلك التي في دم الإنسان جراثيم من نوع واحد ، جرائم سواسية ، تتكاثر بالتشفق أنصافا وأرباعا واثمانا . وليس فيها ذكر أو أنثى ، فليس فيها تلقيح ، وليس فيها بيض ، وليس فيها حمل ، ولا شئ غير الانشقاق .

وهذه الجراثيم تعلم هذا من نفسها ، وتعلم انه لا فائدة من دخولها إلى جسم البعوضة على هذا الحال . فجسم البعوضة يجب ان يكون التكاثر فيه ، لا انشقاقا ، ولكن تلقحا . يجب أن يكون التكاثر فيه بين ذكر وأنثى ، وإذن وجب

على هذه الحراثيم ، وهي في دم الإنسان ، ان يخلق من نفسها هذا الذكر وهذه الأنثى .

وهي تفعل هذا عن طيب خاطر .

ففي طور من أطوار الحمي في دم الإنسان ، بينما أكثر الجراثيم يتوالد في الكرات الحمراء إنشاقاقا ، وبذلك يخلق حشدا عظيما ، وحيثا عن مريا ، يغزو تلك الكرات فيفقأها ألوفا من بعد ألوف ، تجد طائفة من هذه الجراثيم اشتغلت ، في سبيل حفظ النوع ، بتحويل نفسها إلى جراثيم جديدة ، بعضها ذكور وبعضها إناث . وهذه إذا تكونت ظلت في مكانها من دم الإنسان تنتظر البعوضة حتى تجيء في طلبها . ومن العجيب أن هذا الذكر وهذه الأنثى ، علي وحدة الدار وقرب المزار ، لا يتزاوجان في دم الإنسان أبدا . فإذا جاءت البعوضة فشربت من دم المريض ، حملت الزوجين فيما حملت من دماء.

وهذه الذكور وهذه الإناث إذ تنشأ في كرات الدم بجسم الإنسان أول ما تنشأ ، تنشأ صغيرة داخل هذه الكرات ، حتى لا يكاد الناظر يفرق بين ذكرها وأنثاها ، فانما هي عند ذاك أجنبية في أرحام ( شكل ١ حرف ا ) ثم يأخذ الذكر في الكبر ، وتأخذ الأنثى في الكبر حتى لتملأ  كل منهما كرته الحمراء أو يزيد عنها . ويتشكل الذكر غير تشكل الأنثى ( شكل ١ الحرف ب ) ويتشكل ذكران حمي الثلث الحميدة غير تشكل ذكران حمى الربع . وبتشكل ذكران حمى الربع غير تشكل ذكران الحمي الخبيثة . وكذلك مختلف الأشكال في إناث هذه عن إناث هذه وتلك ، وينتفع الفاحص المكرسكوبي من اختلاف هذه الأشكال تحت المجهر في تعرف نوع الحمي

وتدخل الذكور وتدخل الإناث في الدم المرشوف إلي جوف البعوضة ، فلا يلبث الذكر أن يفقع ذرية الحمراء ، ولا تلبث الأنثى .

أما الذكر فتنفع كرته من خيوط كأطراف الكرابيج

تأخذ تسبح في سائلها تبحث عن الآتي لتلقحها ( شكل ١ حرف جـ ) وأما الأنثى فتتفقع كرتها الحمراء فتخرج منها قوراء كالقمر (شكل ١ حرف د )

وبتزاوج الاثنان ( شكل ١ حرف ه ) فيتكون منهما جسم  ( شكل ١ حرف و )  بتشكل ويستطيل حتى يصير كالدودة الصغيرة ( شكل ١ حرف ز ) ، وهي دويدة سباحة ، فتأخذ هذه الدويدة تسبح تطلب جدار المعدة من البعوضة . فإذا وجدت هذا الجدار دخلته ، فاستوطنته وفي هذا الجدار تتكون ( شكل ١ حرف ح )، ثم هي تقضي فيه ستة أيام أو نحوها يزداد فيها حجمها زيادة عظمي حتى ليبلغ قطرها ما بين ٣٠ و ٤٠ مليمليمترا . وتظهر فيها لجوات فتتراءي كالإسفنج ( شكل ١ حرف ط ) ثم يتحول جوفها فينقسم إلى عصى ( شكل ١ حرف ي ) ثم ينفقع الغلاف عن هذه العصي ، فتخرج كالدود استطالة ( شكل ١ حرف ك ) . وهذه تغادر جدار المعدة من البعوضة فتدخل فجوة هذه المعدة . ثم من المعدة تذهب إلى الغدد اللعابية للبعوضة . وتعض البعوضة رجلا لتشرب من دمه ، فيتلوث دمه بلعابها ، فتدخل دمه تلك الجراثيم . وهي

إذا دخلت دمه تكورت كالبذور

وتنسي هذه البذور أنها تكونت من أب وأم ، فتأخذ تحشد حشودها ، وتجيش جيوشها ، لا بالتزاوج كما فعل آباؤها ، ولكن بالإنشاق على ما وصفنا في المقال السابق : والتكاثر بالتزاوج بطئ لا يسعف . والتكاثر بالتشقق سريع ، وهو حيلة الحيوانات الدنيا، والنباتات الدنيا في مغالبة الحياة ، وهي حياة لعمرك شديدة قاسية .

وكما أن الفاحص يستطيع تحت المجهر ان يتبين أطوار الجراثيم في دم الإنسان ، فكذلك يستطيع هو ان يتبين هذه الذكور وهذه الاناث وما ينتج عنهما ويتبينهما في معدة البعوضة وفي غددها اللعابية

جسم البعوضة - ١ : المريء - ب : جزء المعدة الأمامي - حـ : جوف المعدة - : الجراثيم في جدار المعدة - : الأمعاء - و : الاست - ز : المبيض وفيه البيض

وأعيذك أن تستصغر البعوضة ، فتكبر أن يكون لها معدة ، ولها غدد ، ولها لعاب فاعلم أن لها غير ذلك فم كفمك ، ومريء كمريئك يشك ، ومعدة كمعدتك ، وهضم كهضمك ؛ ولها مسمى كأمعائك ، ولها مخرج كمخرجك . وكل هذه يفصل بعضها عن بعض بإبرة التشريح تحت العدسات.

فهذه دورة حياة الجرثومة في دم الإنسان . وهذه دورة حياتها في جوف البعوضة فما بال حياة البعضة نفسها ، وما أطوارها ، وما صلة هذه الأطوار بحمى الملاريا ؟

ألا فاعلم أنه ليس كل البعوض ينقل هذه الحمي وان الذي ينقلها جلس من البعوض أطلقوا عليه إسم : أنوفاليس anophales وهذا الجنس صنوف عدة ، تبلغ نحو المئتين ، تختلف فيما بينها اختلافا يسيرا ، ولكنها تشترك في مقدار من الصفات تكفي لأن تندمح بها جميعا في جنس واحد .

وبعضة الأنوفاليس ، كسائر البعوض ، تتطور من البيضة ، إلى الدودة ، إلى العروص ، إلى البعوضة البالغة .

ولنبدأ بالبعوضة البالغة لأنها هي الطور المعروف المألوف . وأول شئ تستطيع أن تميز به هذه البعوضة إذا ظهرت في منزلك هو وضعها على الحائط فهي تميل برأسها إليه ، وتمد بذيلها عنه . وانت ترى جسمها كأنه في خط واحد يصنع زاوية مقدارها ٤٥ درجة أو نحوها مع الحائط ، فكأنها تريد أن تنطح الحائط أو تخرقه ( شكل 3 رقم ج ) . أما الأجناس الآخر من البعوض فلها أوضاع غير هذه ) شكل ٣ حرف ب ، ا ) وفي هذه الأوضاع الأخرى نجد الجسم كله ليس في خط مستقيم واحد .

وتجد البعوضة تميل إلى الحائط بذيلها وبطنها لا برأسها .

ومما تتميز به بعوضة الأنوفاليس ترقط أجنحتها فلو فحصتها من قرب وجدت بالجناح تسقطا قائمة على أرضية فاتحة . وهذه النقط القائمة ببينة ظاهرة لا سيما في ما يوجد في صنوف هذه البعوضة في مناطق الاستواء .

وبعوضة الأنوفاليس تتميز بغير هذا . ولكنها تفاصيل تخص الرجل الحشري أكثر مما تلذ القارئ العادي ، مهذه هي البعوضة البالغة .

أما البيضة . وأما الدودة . . وأما العروص . .

( شكل 3 )

اشترك في نشرتنا البريدية