وتضع البعضة بيضها فوق الماء ويستطيع الرجل الحشري أن يميز بيض بعوضة الملاريا ، الأنوفيليس Anopheles عن بيض غيرها من سائر البعوض فبعوضة الملاريا شكلها كالقارب ، وإلى جانبها عوامتان كبيرتان تطفو بهما فوق الماء ( شكل ١ حرف ا ) وهي تبيض بيضها علي الماء بيضة بيضة ، ولكنها ترتب بيضها أشكالا هندسية لا تحيد عنها . فهي إما ان ترص البيض صفا صفا (شكل ١ حرف ب ) أو وهي تشكله مثلثات منتظمة ومسدسات ( شكل ١ حرف ح ) أما سائر البعوض فيختلف شكل بيضه عن ذلك . مثال ذلك : بعوض يعرف بالكولكس Culex ، فهذا تبيض اثناء البيض لاصقا بعضه ببعض ( شكل ١ حرف ء) كما تضم عود الخشب إلي عود الخشب حتي تتكون من الأعواد عامة تطفو علي الماء كالتي يركبها الرجال علي الانهار . ويجتمع عدد كبير من من هذا البيض يبلغ نحو الخمسين والمائة لتأليف عامة واحدة . وبيضة الكولس تختلف مظهرا عن بيضة الأنوفيليس
( الشكل نفسه حرف و) . ومثال آخر لاختلاف البيض : بعوضة الأبيدس ، Abdes فهذه بيضتها ذات شكل يختلف غاية الاختلاف عن شكل بيضة الأنوفيليس ( شكل ١ حرف ه ) ، فهي ليست كالقارب ، ولا عوامات
لها على جانبيها . والبعوضة الأيبدس تبيض ببضها بيضة بيضة ، وترتبه أشكالا هندسية فوق الماء . فهي في هذا كبعوضة الملاريا .
وما ضربنا هذين المثلين ، لبعوض غير بعض الملاريا ، إلا إيضاحا لبعوضة الملاريا وتمييزا لها فبضدها تتبين الأشياء .
وأنت تلاحظ أننا نتحدث دائما عن البعوضة الأنثى ، دون الذكر ؛ وذلك لأن الأنثي هي وحدها التي تمتص الدماء والأنثى هي وحدها التى تبيض فتنشر جنسها في الأرض وتشر الفزع في الناس . أما الذكر فغذاؤه ، إن أكل ، فمن عصير الفاكهة وعصارة النبات .
فهذا عن البيض . ثم ينفقس البيض عن دودة lrva اصطلحوا علي تسمينها باليرقة . واليرقة طور من اطوار الحشر الحي ، فلابد لها من النفس ، ولابد لها من الهواء . ولليرقة عند ذيلها أنبوبة هوائية تتتعلق بواسطتها في سطح الماء ( شكل ٢ : حرف ب يرقة الكولكس ، وحرف ح يرقة الأبيدس ) ، وهي تقطع هذا السطح وتفتحه عند مساسها لتصل ما بينها وبين الهواء .
أما يرقة الملاريا ، يرقة الأنوفيليس ، فليس لها قصبة هوائية تتعلق بها ، وإنما لها شعرات علي بطنها تخرق بها سطح الماء فتلصق به أفقية من أسفل ( شكل ٢ حرف ا ) أما الخلايا التي تتنفس بواسطتها الهواء فتوجد في مؤخرة جسمها حيث يلتصق بالماء ، وعندها ينحسر بعض سطح هذا الماء ليصل بينها وبين الهواء
ويرقة الملاريا ، يرقة الانوفيليس ، تتغذي مما تجد علي سطح الماء من طعام ، ويرقة الكولكس ، ويرقة الأبيدس ، تتغذي كلتاهما مما تجدان في بطن الماء
شكل (١)
من طعام
وتتطور يرقة البعوض إلي طور العروس . وهو طور وسط في تخلق الأعضاء وتخصص المظهر ، بين اليرقة وبين البعوضة البالغة . وهو طور يتشابه فيه البعوض إلا في القليل الذي لا يعنينا .
وبهذا الاختلاف في صور البعوض البالغ ، وفي صور بيضه ، وصور يرقاته ، حتى وفي صور عرائسه ، يستطيع الباحث ان يتعرف أين تفرخ تلك الأجناس التي تنقل الأمراض ، من ملاريا وغير الملاريا ، وان يتتبع مخابئها ومهابطها ، وخطة سيرها عندما تعتزم السير . وهو يتتبعها تتبعه العدو ليعرف اين يلقاه وكيف يلقاه ، قبل أن ينشر المرض في الناس ، فينشر به الموت والفناء .
ومن مكافحة العدو أن تعرف عنه كيف يصبح وكيف
يمسي ، وكيف يتطبع عامة .
ألا فاعلم أن بعوضة الملاريا لا تفقس بيضها في أي ماء تلقاه ، من خبيث وطاهر . وانه إن اختار غيرها الوسخ القذر من الماء ، فهي تختار من الماء أنظفه وأروفه . فهي في هذا سيدة البعوض . وقد سموها من من أجل ذلك بالبعوضة الارستقراطية ، على ما في هذه التسمية من لمز للديمقراطية . وأحب الماء إليها الماء الطبيعى . وهي تحب من ساحات المياه أضيقها ، وأضحلها ، فإن عزها الماء الضيق الضحل طلبت حافات المياه الواسعة حيث ينبت النبات في القيعان فيجعل من تلك الحافات معازل هادئة
والبعوضة الانثى ، بعوضة الانوفيليس ، تطلب طعامها من الدم ، فان شبعت ، اخذت في هضمه . وهي تهضمه في يومين أو ثلاثة . وتزيد مبايض الانثيات اثناء الهضم وتكبر وتتضخم ، حتى إذا استوي البيض وضعته على الماء . وبعد بيضها تجوع الانثى فتطلب الطعام . وهي من بعد الطعام تبيض ، وهلم جرا وتستغرق هذه الدورة زمنا اقصر في بعوض المناطق الاستوائية من الأرض . وتستغرق الدورة الأولى ، أي والبعوضة بكر ، خمسة ايام ثم تصير من بعد ذلك ثلاثة . وفي قصر الدورة ، طول في انتشار البعوضة . وفي قلة ايام البيض ، كثرة في البعوض ، فكثرة في المرض .
وبعضة الانوفيليس إذا طعمت في مكان ، باضت في غيره فهي اكثر إدراكا لمعنى التأنق من كثير من الخلائق . وهي في سبيل طلبها المكان المختار لبيضها ترحل الرحلات الطويلة . وقد تطول رحلتها فتبلغ نصف الميل ونصف الميل للبعوض غيره للرجال وهي على الأغلب لا تعود في طلب طعامها إلي مكانه الأول ، فهي تحب التنقل ، فكأن العلا حدثتها ، وهي صادقة ،
كما حدثت الطغرائي ، " فيما تحدث أن العز في التنقل " . وفي الرحلات الطويلة لهذه البعضة ، وفي تنقلها تتهيأ الأسباب لامتداد المرض وتنقل الوباء
ومن صنوف الانوفيليس ما يستطيب دم الإنسان ، ومنه ما يستطيب دم البهائم . ومنه ما يستقي من هذا وهذا ما وجدهما . وكثيرا ما حمت القري انفسها من الملاريا بإقامة الحظائر والاسطبلات حائلا بينها وبين مرابي البعوض ، فشغلت البعوض بدم حيواناتها عن دمائها والبعوضة الوبيئة ، لا تضر إذا شربت من دم حصان أو بقرة ، فدورة الجرثومة لا تتم إلا في دم الإنسان
وبعوضة الجمييا ، تلك التي نالت شهرة نادرة في مصر في يوم وليلة ، وهي طبعا من صنوف الانوفيس ، وهي من بعوض المناطق الاستوائية ذات الإفراخ السريع ، قد حباها الله حب دم الإنسان . فهي لا ترضي منه عن دم الحيوان بديلا ، حتى ولا دم الغزلان ترشفه في المجاهل الأفريقية من دقاق تلك السيقان ، أو من محاجر تلك العيون الدعج التي طالما أصمت قلب الإنسان .
ويعرف الإنسان عادات البعوض ، فيستنبط منها الطرق لإبادته وكفاية نفسه شره .
ومن هذه الطرق التي استنبطها ما يختص بالبعوضة البالغة ، ومنه ما يختص بيرقتها ، ومنه ما يختص بمنازلها التي تبيض فيها .
أما البعوضة البالغة فيكافحها بالطرد أولا ، وهذا أضعف الإيمان . ثم يتتبعها في المنزل والدق علي رأسها . ثم بالنوم تحت حجاب يمنع البعوضة ولا يمنع الهواء ، كالناموسيات . وخير من كل هذه سد منافذ البيوت وأبوابها بشبائك من السلك ذات عيون صغيرة . ولكن هذه كلفة لا يستطيعها كل الناس . وتكافح البعوضة أيضا برش الحجر بسائل قتال كالسائل المعروف بالفلت ، وبالفتاك ، وبغيرهما . وكلها أسماء تجارية لشيء واحد ، هو خلاصة نبات اليبرينرم في بترول كبترول الوقود العادي ، يضاف إليه شئ من الطيب ليكون مقبولا في الانوف . وكل
الناس يستطيع صناعة هذا السائل بالنقع العادي ، وعندها يفلس اصحاب الاعلانات الضخمة ، او يهبطون بأسعارهم إلى الحد الذي يستطيعه أكثر الناس .
أما اليرقة فيكافحها الانسان في منازلها من المياه الرواكد . وهو يستخدم في ذلك شيئين رئيسيين : زيتا من زيوت البترول ، او مادة كيماوية سامة تقتل اليرقات . أما البترول فيرشه على سطح الماء فينبسط فوقه طبقة غاية في الرقة ، ولكنها تكفى لتحجب الهواء عن اليرقة فلا يدخل إلى قصبة هوائها او خلايا تنفسها . وهي بذلك تختنق فتموت .
وأما المادة الكيماوية فأكثر ما تكون تلك المادة المعروفة بأخضر باريس paris Green وهي مادة تحضر بأضافة محلول من حلات النحاس الى حامض الزرنيخ فيتألف منهما مركب يكون فيه النحاس وفيه الزرنيخ . فإذا طلبت اليرقة الطعام ، دخل في طعامها هذا السم فقتلها . وهو من القلة بحيث لا يضر انسانا او حيوانا ، وهو يخلط بشتى الأتربة لتخفيفه ، ثم هو يعقم فوق البرك . وقد تستخدم في ذلك الطيارات لتعقيم المساحات الواسعة أو لتعقيم مواضع المياه التي لا تنال في سهولة
ويستخدم كذلك نوع من السمك ، يربي في البرك ، فتكون اليرقات من طعامه
أما البرك فيكافح الإنسان المرض فيها بالطبع بردمها - بنفيها من الوجود . ولا يحسبن حاسب ان هذا سهل عين في بلد كمصر ، فيه الجهل وفيه الزراعة . فالزراعة تطلب الماء ، والماء يفيض ويغيض ويستنقع . وحتي الحفرة التي تخلقها قدم الفلاح في الأرض البليلة يملؤها الماء فتصير مربي للبعوض ، وهو لا يكاد يدرك هذا . حتي ولا يكاد يؤمن بأن البرك مصدر الشقاء . من أجل هذا سمعنا الكثير عن بركة يردمها القانون اليوم ، فتقوم إلى جانبها بركة اخري في الغد ، تحفرها الجهالة وقلة المبالاة .

