الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 293 الرجوع إلى "الثقافة"

الملاك العصرى

Share

. . قرأت في إحدي الصحف حديثا مع فتاة مصرية صغيرة السن جميله الصورة ، حصلت بين زميلاتها المصريات على أكبر شهادة في الطيران . وقد جرى حديث الفتاة مع مندوب الصحيفة على الأسلوب الصحفى المعروف في مثل هذه المناسبات . وأحببت أن أسجل بدوري حديثا في هذا الموضوع على أسلوب آخر ؛ فتمثلت فتاة اخري في نفس الموقف ، جري الحديث المتخيل بيني وبينها على النحو الآتي :

أنا : ما الذي حبب إليك هذه " الهواية " العجيبة ؟ هي : رغبتي في أن اعلو حتى أري الرجال أقزاما ، أو نقطا سوداء صغيرة .

أنا : شيء مطمئن ! هذا يوحى لنا بأننا نبدو في  اعينكن كالعمالقة ، وانكن غير قادرات على التخلص من هذه الصورة إلا بمثل هذه الوسائل البهلوانية .

هي : أو تحسب أننا نكره أن تكونوا عمالقة ! إن الفائز في المعركة يزهيه دائما ان يكون غريمه على شئ من القوة !

أنا : ولكن هلا جعلت في حسبانك أن الرجال لا يرونك ايضا وانت في هذا العلو وعلى هذا البعد ؟

هي : إن أزيز الطائرة كصوت المرأة أبدا ! ولقد أفلح المهندسون في إدخال كل تطور محتمل على الطائرة إلا فيما يتعلق بهذا الأزيز الفاضح ! إنه ليكفي وحده أن يجذب رؤوسكم الكبيرة نحونا .

أنا : ليس كل ما يلفت الأنظار مهما . وقد يراك الرجال وانت محلقة فيحسبونك غرابا ضالا أو صقرا يبحث عن قطعة من اللحم ملقاة في عرض الطريق !

هي : إننا نفضل لحومكم على اللحوم التي تباع عند الجزارين .

أنا : بل قولي " الجزارات " ! فانكن أولى بهذا الوصف .

هي : حقا ! ؟ ) تنظر إلى يديها ( إن يدي اصبحتا خشنتين من عجلة القيادة وإصلاح الأجهزة .

أنا : إن إصلاح أجهزة ألف طائرة لا يعدل خلل جهاز قلبك .

هي : وما الذي ادخل القلوب في خشونة الأيدي ! أنا : بل المسألة هي إدخال الخشونة في القلوب ! هي : وهل أخطئ حين ازاول عملا يدويا كإحدي القرويات أو إحدي العاملات ؟

أنا : لا تقولي ذلك ! إن العاملة قد تفقد جمال يديها ، ولكنها لا تفقد قلبها . وقد تتشقق يد القروية وقدمها ولكن في سبيل التئام نفسها وكبح ما ركب فيها من طمع . .

هي : هل تحب القرويات ؟ أنا : إنك تغيرين مجري الحديث للمرة الثانية ! حدثيني عن شعورك وما تحسين عند قيادة الطائرة وهيمنتك على الأجواء واعتلائك فوق الأرضين .

 هي : أحس بأنني امرأة . أحس بأنني سيدة كبيرة تسيطر على ملايين البشر ، ثم افقد هذه السيطرة حين أهبط ثانية إليهم .

أنا : لو انك منصفة في حق نفسك لما هبطت أبدا ؟ هي : هي تضحية كما تراها ! فلعلك تقدرها وتقدر صاحبتها .

أنا : ) ساخرا بدوري ( إنك ملاك حقا . . ولكن من نمط عصري يختلف عن تلك الانماط العتيقة التي صورتها الكتب المقدسة

هي : إنك لا تبالغ كثيرا في هذا الوصف . وآية صورة اخرى يمكن ان توحي إليك عند ما تراني اهبط إليك من السماء ؟

أنا : إن السماء ترسل أيضا الرعد والصواعق ! هي : تلك من خطط القيادة العليا ! ! أنا : العفو ما هذا التواضع ؟ ! هي : إنني حقا متواضعة . . أنا : هل أحسست يوما وأنت في هذا الفضاء لملائكة إحساسا إنسانيا خاصا ؟

هي : إنني كثيرا ما استشعر اللذة كلما تمثلت نفسي وأنا في شاهق املأ حفنتي بالذهب وانثره على الناس .

أنا : هذا شيء خليق بتفكيرك . هي : أظنك لا تهزأ بي في هذه المرة ؟ أنا : مطلقا . وكيف تتخيلين الناس بعد مفاجأتهم بالذهب الذي أمطرتهم به من السماء ؟

هي : ) ضاحكة مغتبطة ( اتخيلهم وقد اندفعوا في جنون وشهوة يتلمسون القطع الذهبية من تحت الجثث التي أهلكتها شدة الزحام .

أنا : كان سؤالي عن الإحساس الإنساني الخاص . هي : ) غير منتبهة ( ماذا تقترح لأختيار الصورة التي يجب أن تصك على وجه القطع الذهبية ؟

أنا : صورة " الشيطان " هي التي أفضلها . . هي : وكيف تحصل على صورة الشيطان ؟ أنا : اسألي عنها أي رجل ، يصفها لك سريعا وانت واقفة بجانبه

هي : ) لا تزال في نشوتها ( ألا تحسب أنه أيسر علي وأهون من احتفان الذهب ثم إلقائه ، وما يقتضي ذلك من تعطيل إحدي يدي عن القيادة ، ان اركب زرا في عجلة القيادة نفسها كلما ضغطت عليه انفتح باب تدافع منه المال وانتثر ؟

أنا : ألا ترين أن عاطفتك قد أخضعها " عداد " الطائرة ؟

هي : لماذا تحنق يا عزيزي علي الطيارات ؟ أنا : إنني أقصر حنقي على الطيارين ، أما أنتن فإني أخصكن بما هو أبشع

هي : ولكني أجرب أحد أعمال الرجل ، وأقلده  واترسم خطاه !

أنا ، خير لك أن تقلدي القردة . هي : إنني مازلت أفضل الرجال على القردة . أنا : لأنهم أشد غباوة هي : بل لأنهم أشد ضعفا

أنا : ثم تمارين وترائين ، أنت ولداتك ، وتدعين  بأنكن الجنس الأضعف ؟

هي : إننا نفعل ذلك لإثارة الغرور في نفوسكم . أنا : أي غرور ؟ إن الهلع ليغمر قلوبكن ، وتطير أفئدتكن شعاعا للتافه من الحادثات . .

هي : ليس هذا خوف الضعيف ، بل هي أنانية القوي أنا : وما الذي يلجئك إذن ، مع هذا الاعتداد ، إلي ركوب الصعب من الأمور ؟

هي . وكيف يسمي الاعتداد باسمه إذا لم يطل من  فوق قمم الصعاب ؟ !

أنا : وانتن بالرغم من هذا الأدعاء فاشلات متخلفات . هي : متخلفات في أي شيء ؟ أنا : في ميدان الرجل . هي : إن البقرة الحلوب توجد دائما في المرعي ، أما المهزولة الجافة فتستخدم في أعمال الحقل !

أنا : نحن لا نريد الخروج من أعمال الجو . فسري لي أولا كيف تناقضين طبيعتك بركوب هذا الطير الميكانيكي المشئوم ، الذي يدل على الخراب والدمار اكثر من دلالته على الخير ؟

هي : إنه لا يدل على الدمار إلا بكم ، فدعوه لما تحسن استعماله ، وتجعل الفضاء ميادين غزل لا ميادين حرب .

أنا : لعن الله الميدانين . ففي كليهما مصارع الرجال هي : أتظن ذلك ؟ ! أنا : . . . . . . ووجدت الخبيثة قد لوت عنقها ، وبدت كمن جرحت ، فكسرت الحدة التي في عينيها وهيأتهما مسكنة ولينا ، وصعدتني رموشها الخاطفة وهي تشبك يديها مستكينة مستضعفة . . فوقفت قبل ان يهبط الضعف بيراشوت على قلبي . . واستأذنتها في إنهاء الحديث على هذه الصورة . وقبل ان اسمع إجابتها موافقة او معترضة ، لمست يدها في سرعة ، وسلمت هاربا .

اشترك في نشرتنا البريدية