مضي على طبيب العائلة حين طويل من الدهر كان يمعن خلاله فى استنزاف أنسجة مرضاه بما يصفه لهم من المسهلات فى كل مناسبة . وكان هذا المبدأ مقدسا عند العامة والخاصة ، حتى لقد اتبعه بعضهم بدقة وانتظام كل أسبوع أو أكثر من الزمان بحجة أن الملينات تطرد حموم الأمعاء فتنظف الآلة الجسمية ومحركاتها لتبدأ نشاطها من جديد وهى أتم ما تكون لينا وقوة . وأسىء فهم هذا المبدأ الذى لا يخلو من فائدة فى كثير من الأحيان سواء فى الصحة أو المرض ، ونتج عن هذا بعض المعاكسات التى أودت بحياة المريض فى بعض الحالات ، ففطن رجال الطب إلى تنبيه الجمهور إلى الظروف التى يسمح فيها والتى لا يسمح فيها بتعاطى الأدواء المسهلة . ولا بأس من سردها فى بدء المقال ليكون فيها إنذار وموعظة ، ويجب أن يعتبرها الطبيب وغير الطبيب أقوالا مأثورة يحفظها من ظهر قلب ولا يحيد عنها قيد أنملة . وتتلخص هذه القواعد العامة فى الآتى :
( أولا ) ليس هناك أى داع لإعطاء مسهل فى بداية الحميات الحادة كالالتهاب الرئوى أو الحمى القرمزية أو الدفتريا.
( ثانيا ) من الخطر إعطاء مسهل أو ملين أثناء الحميات الطويلة المدى كالتيفود مثلا ، ولا ضرر من الامساك الذى قد يصحبها ويكتفى فى مثل هذه الحالات بعمل حقنة شرجية كل يوم أو يومين .
( ثالثا ) لم يثبت حتى الآن أن لإعطاء مسهل حاد أى تأثير سريع فى علاج التهاب اللوزتين أو أى التهاب موضعى فى أجزاء الجسم المختلفة .
( رابعا ) من الإجرام إعطاء ملين أو مسهل فى حالات
ألم البطن الغامضة وخاصة إذا كانت مصحوبة بقئ . فقد يكون الألم مسببا عن التهاب المصران الأعور مثلا فيؤدى تعاطى المسهل إلى انثقاب المصران الأعور الملتهب وانتشار الالتهاب إلى الغشاء البريتونى ، وهذا هو الخطر المحقق .
( خامسا ) جرت العادة أن تغدق الملينات بسخاء على المريض المصاب بهبوط القلب الحاد أو المزمن . وحرام أن ترهق مريضا أنهكه ضيق التنفس وألم الصدر بارغامه على الحزق والتعنى بين آن وآخر . فلنترك الطبيعة تأخذ مجراها وإذا اقتضى الحال فلا بأس من تعاطى ملين خفيف أو عمل حقنة شرجية للمريض .
والفرق بين الملينات والمسهلات أن الأولى تسهل خروج البراز دون أن تؤثر على قوامه . أما الثانية فانها تطرد من الجسم مواد برازية تحوى كمية من السائل أكثر منها فى البراز العادى ، فتصير مائعة أو سائلة إذا كان التفاعل الموضعى شديدا ، والسر فى هذا أن الجسم يمتص كثيرا من محتويات البراز السائلة أثناء مروره بالمصران الغليظ ، فإذا قصرنا مدة رحلة هذه المواد البرازية فى الأمعاء - وهذا هو مفعول المسهل - تسرب البراز إلى خارج الجسم محملا بشحنة هائلة من المياه ، وذلك لأننا لانعطى المصران الفرصة الكافية لاقتناصها وردها إلى الجسم لتستفيد منها أنسجته وخلاياه . وهذا هو السر فى أن الذى ينتابه الإسهال لسبب ما ، يميل إلى تجرع كميات من الماء تعوض عليه ما فقده من برازه المتكرر من سائل . والمربط الذى تقف فيه المواد البرازية بعض الوقت ليستخلص منها الجسم ما تحويه من سوائل هو الأمعاء الغلاظ ، وكلما طالت مدة وقوفها زادت صلابة ويبوسة . وهذا يفسر شكل البراز وقوامه فى حالات الإمساك الشديد حيث قد تصلان إلى درجة من الجفاف يجرح معها الشرج ويقطر دما .
وتختلف المسهلات فى شدة مفعولها : فمنها اللطيفة التى تؤدى واجبها فى سهولة ويسر دون ألم أو إرهاق . ومنها الشديدة التى تفعل مفعولها فى ضجيح غير مستحب مصحوب بآلام فى البطن تسبق خروح براز قد يكون مائيا . وتكثر الآلام عند تعاطى الأدواء التى يتوقف مفعولها على تنبيه عضلات الامعاء تنبيها مباشرا كما هي الحال فى الكسكرة والراوند والصبر والسنامكة والحلبة ، وكلها أفراد من مجموعة المليات النباتية وهى أبطأ فى مفعولها من زيت الخروع والأملاح المسهلة كسلفات الصودا وسلفات المغنزيا وغيرها .
وتنقسم الملينات من حيث مفعولها إلى نوعين : الأول ينشط الانقباضات العضلية للأمعاء بتنبيهها مباشرة ، والثانى يؤدى هذا الغرض بطريق غير مباشر ؛ فالمعلوم أنه كلما زاد حجم محتويات الأمعاء لدرجة تتمدد فيها عضلاتها ، تهيجت هذه العضلات وزادت تقلصاتها محاولة طرد الذى أقلقها فى فترة راحة وخمول كان بودها أن تستغرق فيهما دون إزعاج . ولنسرد الآن بضعة أمثلة من كل من المجموعتين فان فى التفاصيل علما ومتعة .
المجموعة الأولى : وهى التى تؤدى عملها بتنبيه الغشاء المخاطى أو الطبقة العضلية فى الأمعاء . وهاك بعض أمثلة منها : ( أولا ) تحوى بعض الفواكه كالتين والأراسية نسبة من الأحماض العضوية كافية لتنشيط الأمعاء لدرجة معقولة . ( ثانيا ) مسحوق الكبريت ويتلخص مفعوله فى انبعاث غاز الهيدروجين المكبرت فى القولون ، ولهذا الغاز بالذات خواص ملينة . ( ثالثا ) زيت الخروع وهو مسهل شائع الاستعمال ، وسر مفعوله أنه يتحلل فى الأمعاء الدقاق فيخرج منه حامض اسمه حامض الرايسينوليك ، له خواص منبهة تهيج الغشاء المخاطى للأمعاء . وحتى زيت الخروع هذا كان موضع بحث وجدال طويلين ، فهناك مدرسة تقول إنه يؤثر فقط على الأمعاء الدقاق ، وأخرى أثبتت أن مفعوله يسرى على الأمعاء الدقاق والغلاظ سواء
بسواء . وسواء هذا أو ذاك فان زيت الخروع يبدأ مفعوله بعد ساعات قلائل من تعاطيه ، وهو معدود فى المرتبة الأولى بين المسهلات لولا رداءة طعمه . ولعل الإمساك الذى قد يعقب مفعوله الملين ناتج عن أنه يؤدى الغرض وافيا لدرجة أنه لا يترك بالأمعاء فضلات ، ولذا قد يمضى بعض الوقت قبل أن تتراكم مواد برازية تتطلب من الجسم طردها والتخلص منها . ويتراوح مقدار الجرعة بين خمسة جرامات وخمسة عشر جراما بحسب سن المريض ، أو بالتقريب من ملء ملعقة صغيرة إلى ملء ملعقة كبيرة . ( رابعا ) مجموعة الانتراسين ومن أفرادها الصبر والراوند والسنامكى والكسكرة . وهى بطيئة فى مفعولها لأن العناصر الملينة فيها تنبعث فى بطء زائد ولا يظهر مفعولها إلا عند وصولها إلى الأمعاء الغلاظ ، وهناك فقط يبدأ تأثيرها .
ولذا كانت هذه المجموعة أنسب ما تكون ليتعاطاها الشخص فى المساء فلا يظهر أثرها إلا فى الصباح . وخلاصة الكسكرة هى ألطف هذه المجموعة كملين ، أما السنامكى فانها كثيرا ما تحدث آلاما بطنية ، وقد يمتص جزء من عناصر الصبر فى الدورة الدموية فيؤثر تأثيرا سيئا على الكليتين ويسبب انقباضات رحمية قد تؤدى إلى الاجهاض ، ولذا يحسن الاحتياط فى استعمال أفراد هذه المجموعة فى حالات الحمل ( خامسا ) الفينولفثالين وهو الموجود فى ( الفينامنت ) الشائع الاستعمال كملين للأطفال وغيرهم ، وفى ملينات أخرى كثيرة كالأجارول والبترو لأجار . وهو يشبه فى مفعوله أفراد المجموعة السابقة . وله ضرران لا بأس من ذكرهما : الأول أنه قد يسبب طفحا جلديا ، والثانى أن جزءا منه يصل إلى الدورة الدموية ومنها إلى الكليتين حيث يحدث احتقانا أو التهابا ، وجزءا آخر تفرزه الصفرة وبوساطتها يصل إلى الأمعاء مرة ثانية ويبدأ مفعوله من جديد ، ولذا يلاحظ أن مفعوله قد يستمر ثلاثة أيام أو أربعة بعد تعاطية .
أما المجموعة الثانية وهى التى يتوقف مفعولها على زيادة حجم محتويات الأمعاء فمن أهم أفرادها المسهلات الملحية مثل سلفات الصودا وسلفات المغنيزيا ولعل الثانى أقواها مفعولا . وهذه الأملاح تقيد إليها السوائل الموجودة بالأمعاء وتمنعها من أن تمتص إلى الدورة الدموية ، ومتى تمددت الأمعاء نتيجة لذلك ، انقبضت عضلاتها وطردت محتوياتها . ومن أفراد هذه المجموعة أيضا زيت البرافين ، ويرجع مفعوله فى الغالب إلى أنه يكون طبقة زيتية على سطح البراز فيسهل خروجه من جهة ، ويمنع امتصاص المواد القابلة للامتصاص من جهة أخرى ، فيزيد هذا من حجم محتويات القولون وتتنبه الانقباضات العضلية نتيجة لذلك
وهناك اعتقاد سائد وهو أن مفعول زيت الخروع الملين يعقبه إمساك قد يستمر يومين أو ثلاثة . والواقع أن هذا يحدث عقب تعاطى أى ملين . والسر فى ذلك يرجع إلى عاملين : أولهما أنه يجب أن يمضى بعض الوقت حتى يشحن القولون بالمواد البرازية مرة أخرى بعد أن أفرغ تفريغا كاملا ، وثانيهما أن الأمعاء تمر فى دور من الخمول بعد نشاطها غير العادى الذى يعقب تعاطي المسهل ، وكأنها تريد أن تستجم بعد رحلة شاقة لتبدأ عملها من جديد .
ويصح أن نذكر كلمة أو كلمتين عن أكثر الملينات مناسبة فى مختلف الظروف . ففى حالات الإمساك الحاد المصحوب بألم فى البطن يفضل عمل حقنة شرجية إذا كان تشخيص الحالة غامضا لأنه قد يكون نذيرا بحدوث أزمة بطنية كالتهاب المصران الأعور أو الانسداد المعوى الحاد . وإذا لم يكن هناك بد من إعطاء ملين فليكن زيت البرافين فانه أكثرها أمانا . وفى حالة الحميات عموما يحسن الاقتصار على عمل الحقن الشرجية وتجنب المسهلات ما أمكن لأنها لا تخلو من خطورة . وزيت الخروع من أحسن الملينات وأسلمها لولا طعمه . أما الملينات النباتية كالراوند والكسكرة والصبر وغيرها فتفيد فى حالات الإمساك
المزمن . وقد سبق أن أسهبنا عن مفعولها البطىء ، ولذا يمكن تعاطها فى المساء لتبدأ عملها فى وقت مناسب فى الصباح . أما فى حالات الحمل فان زيت البرافين يؤدي الغرض . أما الملينات النباتية كالكسكرة وغيرها فتعطى بحيطة وحذر لسبب سبق أن ذكرناه ، وهو أن بعض عناصرها يصل إلى الرحم عن طريق الدورة الدموية ويسبب انقباضات قد تؤدى إلى الاجهاض . وليس هناك ضرر من تعاطى المسهلات الملحية كسلفات السودا أو المغنزيا بانتظام فى الشخص السليم ، فهى علاوة على مفعولها الأساسى ، تنشط الكبد وتساعد على افراز الصفراء فتولد فى الشخص نشاطا وحيوية يجعلانه يقبل على عمله بقية النهار بجد ونشاط
ومما لا شك فيه أن الإمساك الزمن يسبب مضايقة موضعية وعامة ، وهذه الأخيرة ناتجة عن امتصاص السموم المحتبسة فى الأمعاء ، فإذا ما طردناها بدا الشخص منتعشا وكان صمام الأمان من جسمه قد فتح بعد طول الأوان .
وهناك تحذير أخير من الإفراط فى استعمال المسهلات دون مبرر . فإن الذى يحدث فى حالات الإمساك الشديد أن محتويات الأمعاء الدقاق يتأخر وصولها إلى القولون فتبقى فى مكانها مدة أطول تمتص خلالها السموم الموجودة بها . ومهمة الملين فى هذه الحالة طرد المواد البرازية على طول الطريق فيقف امتصاص السموم . أما فى حالة الشخص السليم الذى يسىء استعمالها بلا مبرر ، فإن المسهل يدفع بمحتويات الأمعاء دفعا إلى القولون ، فيتصل إليه فى حالة سائلة هى أنسب ما تكون لتمتص منها السموم إلى الدورة الدموية ، حيث تحدث فى الجسم تأثيرها السىء المضنى والمعلوم أنه فى الشخص العادى يجب أن تبقى محتويات القولون فى حالة جافة متماسكة تحول دون نمو جراثيم التعفن ، وتقلل ما أمكن من امتصاص سمومها .
ليست الملينات باللعبة السهلة فى صيدلية المنزل . إن لها فلسفتها وأسرارها ، فلتحسن استعمالها تحسن عواقبها .

