الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الرسالة"

الملك:،

Share

قال لي صديق أمريكي وفد على مصر في غضون هذه الحرب:  (إن المُلك قد أصبح على يد ملككم الشاب فناً جميلا، فقد  جمع بين القدوة والمثال)

ذكرت هذه العبارة يقولها رجل تذكى الغربة مع نفسه كوامن  التطلع وأنا أكاد أفرغ من دراسة ديوان الشاعر المصري محمود  حسن إسماعيل     (الملك)

وما نستطيع أن نضع هذا الديوان مع دواوين شعراء المديح،  وهي في العربية أكثر من الكثير، فلم تتغن شاعرية محمود في  جلالة الفاروق لأنه   (ملك) ، ولكنها تغنت بها لأنه (الملك) أي    (القدوة والمثال) ، وأغلب الظن أنه فطن إلى هذا ساعة  هدته فطرته إلى عنوان ديوانه. . .

وما نستطيع كذلك أن نسلك هذا الشاعر المصري وهو  يسجل آيات المصري الأول مع شعراء المناسبات، وهو إنما كان  المصري الشاعر الذي استطاع أن يقول ما يريد أن يقوله كل  مصر فلا يستطيع!

ألم يخفق قلبك وقلبي لهذا الملك يصعد إلى أسوان ويجوس  بين مصريين أضناهم المرض والإهمال فواساهم ونبه إلى العناية  بهم وبأمثالهم؟

ألم يخفق قلبك وقلبي لهذا الملك كالغيث في الصحراء على  الأعراب البائسين في مضارب خيامهم يسعد فقيرهم ويبرئ سقيمهم

ويحي فيهم كيان الأسرة، وهو يمنح الهبات للراغبين في الزواج؟

ألم يخفق قلبك وقلبي لهذا الملك يلتفت إلى هؤلاء الذين أدمى  الحفاء أقدامهم، فكانت نداء بالعدالة الاجتماعية ويقظة الشعور  الإنساني بهؤلاء المكدودين العاملين؟

ألم يخفق قلبك وقلبي لهذا الملك يمد جناحه على الناقهين  لا تستطيع المصحات إيواءهم فيعدمون الغذاء والمأوى؟

ألم يخفق قلبك وقلبي لهذا الملك يكرم النوابغ من شباب  المتعلمين، فيدعوهم إلى قصره ويحفزهم على إذكاء شعلة العلم النافع  والعمل الصالح؟

ألم يخفق قلبك وقلبي لهذا الملك يوم تداعت الحدود القديمة  وتهيأت الوطنية العربية للنهوض، فكان أول من حمل لواءها  وجاهد في سبيل تحريرها، فرأينا أرزة لبنان تغرس على ضفة وادي  النيل وتحت شرفة الفاروق؟

فإذا لم تتحرك شاعرية المصري العربي محمود حسن إسماعيل  بآيات المصري العربي الأول، ففيم تتحرك إذن وبمن تشيد؟!

ويقول بعض الأدباء الذين يغلب النقد على فطرتهم: ما لهذا  الشاعر يكثر من ذكر النبت من زهر وثمر، والأرض من نجاد  ووديان، والماء من نبع وغدير؟

بل ماله يسرف في ذكر الخمر وكئوسها وأكوابها؟ وماله  يسرف في ذكر النيل والهرم؟

حسب أولئك وهؤلاء أن يعلموا أن هذه الوحدات التعبيرية  لم تقصد لذاتها، وإنما قصدت للدلالة على وطن أو حالة نفس،  فهي رموز مشهورة ودلالات معروفة، وإليك مثالا واحداً: القصيدة التي عنوانها   (فاروق) ، فقد أورد فيها كثيراً من هذه  الرموز ووضعها في مواضعها الدالة عليها، ولا على الشاعر إذا وقع  على الرمز المشهور، وقد تجلت عبقريته في تأليف الصور وجمع  الأحاسيس وعرض المعاني، وفي ذلك تتفاوت عبقريات الشعراء،  بل وفيه تتفاوت آثار الشاعر الواحد بتفاوت موضوعه وانفعاله.

ومن الإنصاف أن نقول: إن شاعرنا كان شاعر الأمة  المصرية العربية بهذا الديوان، وإن هذا الديوان ليس من دواوين  المديح، كما يظن الأغرار، وإنما هو من دواوين الوطنية الصادقة

اشترك في نشرتنا البريدية