وأخيراً تناول الأستاذ توفيق الحكيم بأسلوبه البارع في القصة والحوار مسرحية الملك أوديب، بعد أن تناولها قبله تسعة وعشرون مؤلفاً، من سنة ١٦١٤م إلى سنة ١٩٣٩ هـ، وهي مسرحية قديمة ألفها سوفوكليس اليوناني، ليصور فيها الصراع بين الإنسان والقدر، على نحو ما كان يذهب إليه اليونان من عقيدة المحتوم.
وتتلخص هذه المسرحية في أن لايوس ملك طيبة تزوج فتاة تسمى جوكاستا، وقد رزق منها طفلاً هو أوديب، فجاء إليه ترسياس العراف الذي كان يدعي الوحي من السماء، فأخبره بأن هذا الطفل إذا كبر يقتله ويستولي على ملكه، وأشار عليه بقتله وهو في المهد، فأعطاه هو وجوكاستا راعياً لهما ليقتله. فلما ذهب به ليقتله لم يطاوعه قلبه على قتل طفل بريء، فأعطاه راعياً آخر ليذهب به إلى بلده ويتخذه ولداً، فذهب به ذلك الراعي إلى بوليت ملك كورنت وزوجته ميروب، فتبنياه وربياه في قصرهما إلى أن كبر، ولكنه علم أنه لقيط، فلم تقبل نفسه أن يقيم مهما بعد علمه بذلك، ففر من قصرهما ليبحث عن حقيقة أصله فألقى به القدر إلى طيبة، وكان لايوس قد خرج من طيبة في حاشية له، فزحم أوديب مركبة لايوس عند مفترق الطرق بين دلف ودوليا، وقام شجار بينه وبين الحراس من الحاشية، فتغلب عليهم وقتلهم، وأصابت ضربة منه رأس لايوس فقتلته وكان في الحاشية ذلك الراعي الذي أعطاه لايوس أوديب ليقتله، ولم ينج غيره من الحاشية. فأشيع أن جماعة من اللصوص خرجوا على لايوس فقتلوه، وكانت جوكاستا لا تزال في عنفوان شبابها، وكان لها أخ يسمى كريون، فجعلوه وصياً على العرش، وهنا ظهر وحش خارج أسوار طيبة له وجه امرأة وأجنحة نسر سماه أهلها أبا الهول، وكان كل من تخلف منهم خارج الأسوار بعد الغروب يلقي عليه لغزاً ليحله فيعجز عنه ويقتله، حتى أهلك عدداً كبيراً منهم، فاتفقوا على أن يمنحوا عرش طيبة لمن ينقذهم منه، ويزوجوه جوكاستا، وكان أوديب هو الذي أنقذهم من ذلك
الوحش لأنه قدم عليه فسأله عن لغزه: ما هو الحيوان الذي يمشي في الصباح على أربع، وفي الظهر على اثنتين، وفي المساء على ثلاث؟ فأجابه بأنه الإنسان، لانه يحبو في صغره على يديه ورجليه، وفي الكبر يستوي ماشياً على قدميه ، وفي الشيخوخة يدب على قدميه وعصاه، فأعطوا أوديب عرش طيبة وزوجوه جوكاستا وهو لا يعلم أنها أمه، كما قتل لايوس وهو لا يعلم أنه أبوه وقد قضى معها عيشة طيبة ورزق منها بأولاد ولكن هما كان يثقله من جهة أصله الذي خرج من كورنت يبحث عنه، فكان يهمه أن يصل إلى معرفة حقيقة أصله، وفي معرفته القضاء على هناءة عيشه هو وزوجته لأنها أمه وأولادها إخوته،
وهنا شاء القدر في قسوته أن يوصله إلى حقيقة أصله فيسلط طاعوناً على أهل طيبة، ويعجز أوديب عن إنقاذهم منه كما أنقذهم من ذلك الوحش ، فيرسل كبير الكهان كريون أخا جوكاستا إلى معبد دلف ليسأل الآلهة عما يفعلونه ليرفع غضبه عنهم فيجيبه الإله بأن سبب هذا الغضب إثم يدنس طيبة بدم الملك لايوس ولا مفر من غسل الدم بالدم، ويخبره بأن قاتله هو أوديب، ثم يسوق القدر القاسي الحوادث بعضها إثر بعض، إلى أن يبين لأوديب الحقيقة التي سعى وراءها فإذا هو قاتل أبيه لايوس وإذا هو زوج أمه جاكوستا، وإذا هو أخو أولاده منها، ويثقل وقع الحقيقة على جاكوستا فتذهب إلى حجرتها هرباً منها، ثم يجدونها تتدلى في هوائها معلقة بحبل في عنقها، وقد ماتت مختنقة به، ويراها أوديب كذلك فيبلغ مصابه غايته، ويتنزع مشابك ثوبها الذهبية فيطعن بها عينيه ليبكيها بدموع من دم، ويزال الدم يسيل من عينيه إلى أن يذهبا وتنتهي بهذه الفجيعة تلك المسرحية،
وقد تصرف الأستاذ توفيق الحكيم في نقلها إلى العربية ليجعل منها مسرحية توافق البيئة العربية الإسلامية، فلا تكون محض جبرية كما كانت في أصلها اليوناني بل لسعي أوديب في الوصول إلى الحقيقة أثر في مصيرها ليكون القدر فيها وسطاً بين الجبر والاختيار، كما قال أبو حنيفة: إني أقول قولاً متوسطاً، لا جبر ولا تفويض ولا تسليط، والله لا يكلف العباد بما يطيقون، ولا أراد منهم ما لا يعلمون ولا عاقبهم بما لم يعلموا ولا سألهم عما لم يعلموا ولا رضى لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم والله يعلم بما نحن فيه وقد أصاب الأستاذ الحكيم في توجيه مسرحية أوديب هذا التوجيه ولكني أخالفه في أن أوديب سوفو كل بلغت الكمال
الفني أوجه بعد مفخرة للذهن فهي ألاعيب كهان وثنيين لا يسمون إلى حقيقة القدر، لانه أسمى من أن يقدر هذه الألاعيب من أولها إلى آخرها ليلهو بها أولئك الكهان وينصبوا ويعزلوا بها ملوكهم ويوقعوا المصائب على شعوبهم وما كان أحرى الأستاذ الحكيم أن يوجه المسرحية إلى مشف هذه الألاعيب لتوافق البيئة الإسلامية موافقة كاملة ولتنتهي إلى تلك الفجيعة التي لا تستسيغها عقليتنا ولا ترى في قتل أوديب لأبيه من غير عمد ولا في زواجه بأمه من غير علم شيئاً يوجب هذا المصير المؤلم، كما لا يوجب ذلك الطاعون الذي أصاب أهل طيبة وهذا إلى أنهم لم يكن لهم يد في ذلك القتل.
وأين القدر في هذه المسرحية من القدر في أمر موسى وفرعون؟ ولعل هذه المسرحية مأخوذة من قصتهما مع الفارق الكبير بينهما فقد أراد القدر أن يربي فرعون موسى ليقتله من أجل غاية سامية، فلما أخبر فرعون كهنته بأنه سيقتل بيد مولود إسرائيلي عمد إلى قتل كل مولود يولد لبني إسرائيل ولكن القدر الإلهي غلبه على أمره وجعله يربي ذلك الطفل الذي سيكون هلاكه على يديه ومع هذا لم يجعل هلاكه على يديه إلا بعد أن أعذر إليه ليكون هلاكه عقاباً له يستحقه، ولاشيء من هذا كله في مسرحية أوديب وإنما هي ألاعيب كهان جهلة يستغلون جهل الشعوب ويلعبون كما يشاء لهم جهلهم بمصيرهم.

