الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 274 الرجوع إلى "الثقافة"

الملك الضليل

Share

اخرج الأديب الباحث الاستاذ محمد فريد أبو حديد كتابا عن امرئ القيس بن حجر امام الشعر العربي ؛ فكان الأول في طريقته ومنهاجه ، وإن لم يكن الأول في موضوعه

وقراء الأستاذ يعرفون له البحث العلمي كما يعرفون الاتجاه القصصي . وكتابه الجديد يمثل النزعتين معا . فقد قصد إلي كتابة قصة ابن حجر على نحو تام يمثل صباه وهواه وجهاده الطويل للثأر لأبيه ، ولم يعتمد في هذه الكتابة على الخيال وحده ، وإنما اعتمد على حياة امرئ القيس وعلي حياة العرب كما يمثلهما الشعر ، وكما تصورهما الروايات المختلفة ، وبذل في ذلك من الجهد ما يعبر عنه الكتاب من بدايته إلي نهابته أتم تعبير .

لقد أقبل على حفل فسيح من الروايات المضطربة المبعثرة ، وعلى ميدان واسع من الشعر العربي ، فكشف عن الغامض ، ونقي الشوائب ، والف من الاضطراب

نظاما ، ومن التفرق وحدة ، وادي ذلك كله في اسلوب ميسر بديع يطالعه القارئ العام فيعجب بمتانة القص وجمال الآداء وحسن البيان ، ويطالعه المثقف فيتلمس جهد الباحث وإطلاع العالم وثقافة الأديب .

صور حياة امرئ القيس والشخصيات المعاصرة له والأحداث التاريخية المحيطة ، مذ نشأ صبيا ماجنا فغضب عليه أبوه ، وأبعده من مقر سلطانه خشية الفتنة وثورة الرعية إلي أن أتاه نبأ اغتيال ابيه فنبذ اللهو والشراب ، وأقبل يتقلب بين القبائل والبلاد الدانية والقاصية طلبا للثأر حتى مات بأنقرة غريبا عن أهله وذويه .

وقد ألقى المؤلف البارع كثيرا من الأضواء الكشافة على حياة الشاعر الغامضة ، فصورها على نحو واضح جلى يقرب منا هذه الحياة التي فصل بيننا وبينها خمسة عشر قرنا ، فتبدو فيها نوازع الحياة الحديثة بمقوماتها الأساسية ، وتثبت بهذا ان عصور البشرية جميعا تتفق في الأسس العامة وإن اختلفت ففي الجزئيات والتفاصيل وطرائق التطبيق.

وكان عنصر القص لازما في معالجة هذا الموضوع

القديم الذي نسجت حوله الروايات كثيرا من الخرافات ولفته في عديد من لفافات الاضطراب والغموض . وبه استطاع الكاتب القدير أن يرضي الذوق كما ارضي العقل ، وان يكفل لكتابه أسباب التعلق فلا يبدؤه القارئ حتى يشد إليه ولا بنى دون بلوغ غايته مفتونا بما فيه من صور للحياة العربية وللحياة الرومانية .

لكن الباحث والناقد لا يكاد يطالع موضوعا ، مهما بلغ من الفتنة والروعة والدقة ، بغير ان يبدي عليه بعض الملاحظات ، وان تثير مطالعته في نفسه بعض المعاني ، وبخاصة إذا كان الموضوع غامضا قديما كموضوع امرئ القيس وحياته .

وأول هذه أن المؤلف المجيد ، في سبيل تقريب البعيد وتيسير المعقد ، صور الشاعر العربي تصويرا قد يتفق مع حاله في العصور المتأخرة اكبر مما يتفق مع حاله في عصر امرئ القيس الذي يعتبر فجر الشعر العربي . ولا يعدم المطالع في الكتاب ذاته ما يدل على هذا . فضعف امرئ القيس منشؤه الشعر ، وأحلامه الشعرية يزدريها قومه ، وعامر صديقه وصديق ابيه يعظه مقدما للوعظ بحديث الأصابع وتعاونها في العمل كأنما يتحدث إلي فتي تافه لا إلى شاعر يعتبر في عصره زعيم القبيلة او كزعيمها . لكن الكتاب يقرر ، مع هذا ، أن امرأ القيس كان على صغره أحق أخوته بميراث أبيه ، وانه كان اقواهم نفسا وأربطهم جأشا ، وعبيد الشاعر منافق متلون يتكسب بشعره على نحو زرى ، ليس بالسيد المتبوع او المطاع .

لكن عبيدا ، على ذلك ، كان يوجه قومه في ادق المواقف ويدفعهم للثورة على ملوكهم ، ويجد فيهم اذنا واعية لآرائه وشعره .

فلعل الإنصاف كان يقتضي أن يصور الشاعر في مكان الزعامة ، أو ما يشبهه ، من قومه ، وان يفسر او يلغي ما عدا ذلك من الروايات التي تنال من الشعراء بسبب انحطاط الشعر فيما بعد من ناحية التأثير العملي ، وحلول الخطباء محل الشعراء في التوجيه القبلي.

وثانيها الإبهام في تصوير فاطمة حبيبة امرئ القيس ، ومدى استجابتها لحبه . فقد صورها المؤلف مرة قاسية عليه لامهتان حرمتها يوم دارة جلجل ، لا تأبه له ولا تحفل باعتذاره . ثم صورها مرة أخري تذهل للقائه فيغمي عليها ولم يزد ، مع أن حب امرئ القيس لفاطمة كان من المواد الأولى للكتاب .

وثالثها ترك التصور لطفولة الشاعر مع وجود مادتها المغرية في تاريخ الأدب وشعر الشاعر نفسه .

ورابعها تصوير العصبية القبلية على نحو يجعل الكندي القائم بخدمة الملك يحتقر ربيعة بن عمرو ، ويخاطبه بلهجة جافة مع أن ملك الكنديين كان يعتمد على رأي ربيعة كل الاعتماد ويتخذه عونا ومشيرا . الم تكن هذه المكانة كافية لأن يغير الكندي من نظرته إلى الأجنبي من قبيلته ، ولأن يكون تصوير العصبية القبلية علي نحو أخف ؟

لكن هذه الملاحظات ليست شيئا بالقياس إلي قيمة الكتاب الكبيرة وفتنته البالغة . ولعل لها تفسيرا عند المؤلف الكبير.

اشترك في نشرتنا البريدية