الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 677 الرجوع إلى "الثقافة"

المناقشات البيزنطية

Share

سألنى سائل عما يراد بالضبط بقولهم " مناقشات بيزنطية " وعن الأصل التاريخى لهذه العبارة التى توالت عليها القرون وما زالت تحتفظ بمعناها ومغزاها المحزن . فقلت لسائل : إن المناقشات البيزنطية لا تعنى فقط المناقشات المقيمة التى لا تجدى ، بل هى تعنى فى نفس الوقت المناقشات الخطيرة التى قد تفضى إلى الكوارث والمحن .

وأما الأصل التاريخى لهذه العبارة ، فهو مستمد من صفتها البيزنطية ، وهو يتعلق بتاريخ الدولة البيزنطية وبسقوط قسطنطينية فى يد الترك العثمانيين فى سنة ١٤٥٣ م . ففى خلال فترات ومواطن عديدة من التاريخ البيزنطى ، كان الجدل الدينى يضطرم بين أنصار الكنيسة البيزنطية ( الكنيسة الشرقية ) والكنيسة الرومانية ، أحياناً حول عبادة الصور والأيقونات المقدسة ، وأحياناً حول الاتحاد من الكنيستين ، وإعلان ولاء الكنيسة الشرقية لرومة ، وكانت هذه المناقشات والخصومات الدينية تفضى أحياناً إلى متاعب كثيرة وأحياناً إلى ثورات وانقلابات خطيرة بيد أنها اتخذت أدق وأخطر مظاهرها أثناء حصار الترك العثمانيين لقسطنطينية فى شهرى إبريل ومايو سنة ١٤٥٣ .

ففى هذه اللحظة الدقيقة الحاسمة من تاريخ الشرق والعرب ، والإسلام والنصرانية ، كانت عاصمة الدولة الرومانية الشرقية بالرغم من تعرضها الواضح لخطر السقوط فى يد الغزاة تموج داخل أسوارها المنيعة بفتنة دينية مستمرة ! وكان الشعب " البيزنطى " بالرغم مما يبديه فى الدفاع عن حاضرته من البطولة والتفانى ، والرغم من تصحيحه على الدفاع عنها إلى آخر لحظة ، ينساق كل يوم إلى هذه المناقشات القديمة الخطرة ، ولا يثنيه عنها قصف المدافع التركية خارج الأسوار ، وكان الإمبراطور قسطنطين باليولوجوس - الذى كتب القدر أن يكون آخر القياصرة - قد فكر حينما شعر بالخطر الداهم على حاضرته فى تجديد الاتحاد القديم مع الكنيسة الرومانية اكتساباً لعطف البابوية والكتلكة واغتناماً لمؤازرة الأمم الغربية ،

التى طالما وجه القياصرة إليها الصريخ كلما دهمتهم فورة الخطر الإسلامى ؛ فأرسل إلى البابا يعلن إليه خضوع الكنيسة الشرقية ، ويطلب إليه أن يبعث بمندوب من قبله ، فأجيب إلى طلبه ، وفى يوم ١٢ ديسمبر سنة ١٤٥٢ ، أعنى قبيل وقوع الحصار التركى بنحو أربعة أشهر ، أقيم فى كنيسة أياسوقيا الشهيرة قداس مشترك من الطائفتين ، كرست فيه الوحدة المنشودة ، ولكن هذا الاتحاد كان أمراً ظاهرياً فقط ، وبدلا من أن يعاون فى جمع الكلمة وتهدئة الخواطر ،

كان بالعكس عاملاً فى إذكاء الفتنة . وكان معظم الشعب ساخطاً على الإمبراطور لاعتناقه الدعوة والطقوس اللاتينية ، وكان الجدل يضطرم وراء الأسوار المغلقة حول هذا الاتحاد الذى لم يقصد به فى الواقع سوى استثارة عطف البابوية والأمم الغربية ، وفى كل يوم يتجدد الجدل والخصام بين الطائفتين . وكما انقسم الشعب بين مؤيد وساخط ، فكذلك انقسم الأحبار ، وانقسم البلاط واشتدت الفتنة ، وكان الغلاة من أولياء الكنيسة الشرقية يقولون إن الترك أفضل من اللاتين . ( أتباع رومة ) ويقول المعتدلون إن اللاتين أفضل من الترك لأنهم نصارى على الأقل ؛ وهكذا تفاقم الخلاف بين الطائفتين ، وتفرقت كلمة الشعب ، وهجر الناس الكنائس ، وغلب التعصب على الحكمة ؛ ولم يأبه الناس بخطر الغزو الداهم يحيط بمدينتهم ، وسيطرت هذه المحنة الكلامية على عقول المدافعين وراء الأسوار ، فزادت قواهم المادية والمعنوية ضعفاً على ضعف ، واستمرت على اضطرامها حتى سقطت قسطنطينة فى أيدى الغزاة العثمانيين .

تلك هى قصة المناقشات البيزنطية ، التى مازالت حتى يومنا مضرب الأمثال للجدل العقيم الذى يضطرم وقت الجد والخطر الداهم ولا ينتهى إلا فى غمر المحنة ، تعصف بالمتجادلين وتسحقهم ؛ ومن بواعث الأسف أن يكون تاريخ الأمم الشرقية والإسلامية حافلا بمواطن الخصومات والخلافات التى تضطرم حولها " المناقشات البيزنطية " ويقدم لنا تاريخ الأندلس ومحنتها العامرة أسطع مثل لهذا

الداء الوبيل الذى أودى بكثير من الدول الإسلامية وهى فى ذروة قوتها . ومن يستعرض بالأخص تاريخ دول الطوائف الأندلسية ، ثم تاريخ مملكة غرناطة آخر الدول الاسلامية فى أسبانيا ، يرى كيف كانت " المناقشات البيزنطية " أو بعبارة أخرى كيف كانت " المناقشات الأندلسية " وقت الخطر الداهم ، أعظم عضد لأسبانيا النصرانية فى تغلبها تباعاً على الإمارات والقواعد الأندلسية ، وكيف أن هذه الخلافات الأندلسية لم تنته إلا بانتهاء دولة الإسلام فى أسبانيا .

ثم ألا يدل حاضرنا على أن " المناقشات البيزنطية " مازالت تحصف بوحدة الأمم الشرقية والإسلامية ، وأنها مازالت فى مصر بنوع خاص ، من أبرز خواص حياتنا العامة ؟ إن

هذه الظاهرة المحزنة مازالت جرحاً لا يندمل فى كياننا ، وما زالت الثغرة الخطيرة التى ينفذ منها الغرب المستعمر إلى صفوفنا ، فيصرعها تباعاً ، ويصل إلى غاياته المدمرة بفضل هذا الشقاق الأبدى .

كم فى التاريخ ، وكم فى تاريخنا من عبر ، تتكرر على مر الأيام ، فلا تذكرها ولا تعتبر بها ، أفلا تكون هذه الساعات الحرجة الفاصلة فى مصادرنا مذكرة لنا بعبر الماضى ومواعظه ، فنذكر قصة المناقشات البيزنطية ، وقصة المناقشات الأندلسية الوبيلة مرة اخرى فنحذرها ، ونحاول اجتنابها ما استطعنا ، وترسم بذلك لمستقبلنا ومصيرنا تاريخاً مشرفاً مجيداً ؛

اشترك في نشرتنا البريدية