الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 325 الرجوع إلى "الثقافة"

المنطق العملي

Share

كثير من الناس يخطئون فيظنون أن مجال المنطق هو الدراسة النظرية والبحوث الجامعية والبيئات العلمية ، ولكن الواقع غير ذلك فأعمال الحياة كلها خاضعة للمنطق . الفلاح في زراعته والتاجر في بيعه وشرائه والإنسان في اسرته وفي وظيفته وفي جمعياته كل اولئك خاضعون في كل تصرفاتهم المنطق العملي

غاية الفرق أن ما يدرس في معاهد العلم هو علم المنطق وما يستخدم في الحياة اليومية هو فن المنطق ، وذلك كعلم الموسيقى الذي يدرس النظريات وفن الموسيقى الذي يعلم التوقيع على الآلات ، وعلم الهندسة وفن الهندسة ، وعلم البلاغة وفن البلاغة وهكذا . العلم يقرر القواعد النظرية والفن يمارس الناحية العملية

وأعتقد أن من أهم الفروق بين تاجر راق وتاجر منحط وفلاح راق وفلاح منحط واسرة راقية واسرة منحطة وأمة راقية وأمة منحطة هو استخدام الطائفة الاولى لفن المنطق وإهمال الثانية له ، وان من اهم وجوه الإصلاح في الافراد والجماعات نشر فن المنطق بينهم

الخصام بين الناس ، والمنازعات بين الأحزاب ، وسوء المعاملة بين الملاك والزراع وبين الباعة والمشترين وبين الرؤساء والمرءوسين وبين اصحاب الحجاجات والموظفين يرجع في الأعم الأغلب إلي سوء التفكير وانعدام فن المنطق أو ضعفه . فرق التفكير في آية طائفة من الطوائف واجعلهم يؤسسون تفكيرهم على المنطق ويصدرون في اعمالهم حسب فن المنطق ترتق المعاملة وترتق الطائفة

استعرض ما شئت من التصرفات تجد أن صواب التصرف راجع إلي انطباقه على فن المنطق ، وخطأ ، وما ينتج عنه من اضرار راجع إلي الانحراف عن فن المنطق . هب ان الأسرة قررت شراء سيارة ، ففن المنطق يقضي بحساب ميزانية البيت ودرس ثمن السيارة وما تتكلفه كل شهر

ومنافعها ومضارها ودرس ما تحتاجه الأسرة من ضروريات وكماليات ومنزلة السيارة من هذه الأشياء الضرورية والكمالية ومنزلة ثمن السيارة من ميزانية الاسرة ، فان درس ذلك كله درسا صحيحا ورؤي من المستحسن شراء السيارة فهذا فن المنطق . ولكن إن اشتريت السيارة من غير درس وموازنة ومقارنة فقد اهمل فن المنطق وتعرض رب الأسرة لأضرار كثيرة . وهي هذا القياس كل ما يحصل من المتاعب في الاسرة من جهة الميزانية سببه إهمال فن المنطق

خذ - مثلا آخر في الأسرة ، أم مرض طفلها فارتفعت حرارته واستمرت مرتفعة ، فسألت الجيران ماذا تفعل ! فكل اشار عليها بعمل ، فعملت بالإشارة الاولى فلم تنجح ، فعملت بالإشارة الثانية ثم بالثالثة فمات الطفل إن الطفل إنما مات من إهمال المنطق ، فالمنطن الصحيح عرض الطفل على الطبيب ليعرف نوع المرض وما يناسبه من علاج

هذه أمثلة صغيرة جدا واضحة جدا ، ولكن استعرض على ضوئها كل ما يشقي الا سرة تجد انه راجع إلي إهمال المنطق من رب الأسرة او من ربة الاسرة أو من أولاد الأسرة ، وان الأخطاء راجعة إلي أن أعمالا تعمل قبل ان تدرس ويفكر فيها تفكيرا صحيحا ، أو انها درست ولكن اتخذ لتحقيقها وسائل غير صحيحة او قومت فيها اعتبارات سخيفة لاسباب سخيفة غمرت الاعتبارات الصحيحة وهكذا . كذلك الشأن إن نحن وسعنا نظرنا من الأسرة إلى علاقاتنا الاجتماعية والسياسية فهي تحسن بالمنطق وتسوء بعدم المنطق

إن التاجر الناجح في الحياة هو التاجر الذي طبق فن المنطق من عرضه لسلعه وضبطه خرجه ودخله وراس ماله وربحه ومعرفته لنفسية الجمهور وطريقة ارضائهم وهكذا . فان هو سار علي البركة لم ينجح إلا إذا وقع مصادفة على فن المنطق ، وضحايا التجار وارباب الأعمال هم في الواقع ضحايا المنطق الفاسد .

انتقل بعد هذا إلى الجو السياسي ، تر ان البرلمان الصالح هو السائر في محسونه وكلام اعضائه ومناقشتهم  وجدهم وضبط عواطفهم على فن المنطق ، فإن هم انحرفوا عنه فيعنه غير لسن فاسد . والبلد الناضج في السياسة هو الذي بسيط عليه رأي عام يعرف فن المنطق فيحكم على الأشياء والحوادث والاشخاص حكما صحيحا ، يقدر الكلام مما فيه من حقائق لاما فيه من تهويش ، وبقدر المسائل بحواهرها لا بأشكالها . والبلد البدائي في السياسة هو الذي لا يدرك فن المنطق ؛ فيقدر السياسي بمطلقة له . ويقدر الشئ للنفته الحاضرة القريبة وان استئتيت اضرارا بعيدة ، ويخدعه التهويش وهكذا

كل الناس صالحون لأن يتقدموا في فن المنطق على اختلاف استعدادهم ، ومن الناس من منحوا استعدادا قطريا جيدا فساروا في الحياة علي فن المنطق وإن تم يعلموا انه منطق ولم يسمعوا باسم المنطق ، ولكن مهما كان الاستمداد فالتربية المنطقية تسفله وتزيده قوة وصفاء .

إن العمل الصحيح هو وليد التفكير الصحيح ، والتفكير الصحيح وليد شيئين : تثقيف واسع بقدر الامكان وبيئة صالحة بقدر الامكان ، فإذا اردنا ان نرقي الشعب من ناحية تفكيره وعمله في الحياة حسب فن المنطق وجب ان نثقفه يا رسمنا تثقيفة ، فالجهل عدو التفكير الصحيح ثم يجب أن تصلح ما حوله بالأمثلة والنماذج الصالحة للتفكير الصحيح ثم تفتح عينه للتجارب ؛ فهذا العمل جرب فحسنت نتائجه فيجب ان يكرر ، وهذا العمل جرب فسائت نتائجه فيحب أن يتجنب او ان تعاد تجربته على نمط آخر .

بل ان فن المنطق لا يستفاد من التعلم النظري بقدر ما يستفاد مما نسمية التربية الاجتماعية ، ونعني ذلك ان الجمعية

التي يعيش فيها الفرد هي معهد تربية ، فإذا كان هذا المعهد فكر تفكيرا منطفيا ويعمل وفق تفكيره كان هذا أكبر رب للفرد ؛ وكل محل تجاري منظم يجري علي فن

المنطق هو اكبر معلم لافراده فن المنطق ، وكذلك الأسرة والمصنع والحزب ؛ فالبيئة التي يعيش فيها كل فرد هي مدرسته التي تعلمه حسن المنطق او سوء المنطق ؛ وهذه البيئة قابلة للتغير المستعرف من سيئ إلي حسن او من حسن إلي سئ ، فالفلاح يسوء تفكيره لان بيئته سيئة التفكير خاصية للاعتقدات الخرافية والتقاليد البعيدة عن فن المنطق ، والمصنع الفوضى والمتجر الفوضى أسوأ مدرسة لفن المنطق . فأصلح هذا كله يصلح التفكير فيصلح العمل .

والمدرسة النظامية تقوم بنوعين من التربية عن طريق العلوم النظرية وهي قليلة الاهمية هنا ، والتربية الاجتماعية وهي تربية السلوك والناحية العملية في الحياة ومما يؤسف له ان هذه التربية الثانية إلي الآن ضعيفة وهي التي عليها عماد التفكير الصحيح والعمل على وفق هذا التفكير

كذلك من أهم معاهد التفكير الصحيح السينما والتمثيل والصحافة فهي دائما تعرض نماذج من التفكير ومن الحوار ومن العمل وفق التفكير ، فإذا اصلحت خدمت فن المنطق في الأمة ورقته وإلا افسدته ووضعته .

إن عهود الظلام السابقة خلقت لنا ديونا ثقيلة من تقاليد وأوضاع لاتتفق وفن المنطق ؛ فعاداتنا في الزواج والطلاق والأفراح والاثم واعتقاداتنا في الأضرحة والمشايخ وطب الركة والرقي والتعاويذ ونحو ذلك كلها ضربات سامة في صميم فن المنطق ، تميت الفكر الصحيح وتخدره ويجعل الاهمال الصادرة عنه اشبه بأعمال الخولين والمتوهين ، فإذا في الفكر بالوسائل التي ذكرنا حل محلها تدريحا تقاليد مبنية على المنطق .

وعلى الجملة فالحياة ليست إلا سلسلة تفكير تتبعها سلسلة اعمال فان ساء التفكير ساء العمل فسائت الحياة وان حسن التفكير حسن العمل فحسنت الحياة .

فان نحن قلنا إن شقاء الناس من سوء المنطق لم نبعد

اشترك في نشرتنا البريدية