الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 256الرجوع إلى "الثقافة"

المنفى، للكاتب الروسى تولستوى

Share

كان أكسيونوف شابا رفيقا ، خفيف الظل ، محبا للحياة اللاهية وما فيها من لذائد ومتع ، ينظر إلى الدنيا من ناحيتها العابثة ، ولا يعرف منها شجونها وآلامها ...

وكانت له تجارة رائجة فى مدينة (( فلاديمير )) ثم تزوج من فتاة جميلة ، وأعقب هذا الزواج اعتدال فى حياته ، فقد ترك الإدمان على الخمر ، وكان من قبل لا يفيق منها إلا لماما ...

وفى إحدى ليالى الصيف فكر فى الذهاب إلى ((نيزنى)) لأعمال خاصة بتجارته . وحين أقبلت زوجه تودعه قالت له :

-يا زوجى الحبيب ، لا ترحل اليوم ، فقد رأيت حلما سيئا !!

فأغرق أكسيونوف فى الضحك وقال لها :

- أتخشين إذا ذهبت إلى السوق سكرت ؟

فأجابته قائلة : لا أدرى ماذا يروعنى ؟ ولكن الذى أخشاه هو حلمى السىء ، لقد رأيتك عدت من المدينة وقد اشتعل رأسك شيبا !

فضحك ، ثم أردف قائلا :

- هذا دليل على حسن حظى ، ولسوف أعود بعد تصفية تجارتى هناك ، وسيكون معى لك هدايا قيمة ...

بهذا ودع أكسيونوف أسرته .

وفى منتصف الطريق التقى بتاجر تربطه به أواصر الصداقة ... فنزلا فى إحدى الفنادق ليقضيا ليلتهما ... وبعد أن تناولا طعام العشاء ... استلقى كل فى فراشه ، ثم لم يلبث أن استغرق فى سبات عميق ...!

كان أكسيونوف قد تعود منذ زمن ، أن يستيقظ

فى وقت مبكر ، وود أن يتم رحلته فى جو جميل ، فأمر السائق أن يسرج الجياد ، ولم يكن نور الفجر قد ظهر حين مر بصاحب الفندق وسدد أجر ليلته ، ثم سار فى سبيله ...

وبعد أن قطع مرحلة كبيرة وجد فندقا ، فدلف إليه ، طمعا فى أخذ قسط من الراحة ، ولإطعام الجياد ، وطلب لنفسه كوبا من الشاى ليعيد إليه نشاطه ..

وبعد قليل أقبلت عربة ذات أجراس ، ونزل منها جنديان يصحبهما ضابط ؛ ودنا الضابط من أكسيونوف ، ووجه إليه أسئلة عدة : من هو ؟ وماذا يعمل ؟ ومن أين ؟ وإلى أى مكان يقصد . . ومتى وصل ؟ . .،

فأجابه أكسيونوف على أسئلته ، ثم دعاه لتناول الشاى معه، ولكن الضابط لم يعر دعوته اهتماما ، بل استمر فى إلقاء أسئلته . كيف قضى ليلته الماضية ؟ أكان منفردا أم مع زميل آخر ؟ وهل رأى زميله قبيل مغادرته الفندق ؟ ولماذا ترك الفندق قبيل الفجر ؟

فأخذت الدهشة أكسيونوف ، من هذه الأسئلة المتلاحقة المحرجة ، وأوضح للضابط كل ما حدث بالأمس . ثم أعقب ذلك بأن قال . لماذا توجه إلى كل هذه الأسئلة المريبة ، كما لو كنت لصا أو قاطع طريق ؟ إنى تاجر ، ومسافر لبعض أعمالى التجارية ، فلا حاجة بك لهذا الاستجواب !..

ولم يكد ينتهى من كلامه ، حتى أمر الضابط جنده بالقبض عليه .. وقال له : - أنا ضابط هذا المركز ، وأما سر هذا الاستجواب ، فهو أن زميلك التاجر وجد مذبوحا هذا الصباح . ولسوف نفتش أمتعتك !!

وبدأ الجنديان عملهما ، فحلوا أمتعته ، وأخذوا فى البحث ، وفجأة عثر أحدهما على مدية قاطعة فى إحدى الحقائب .. فصرخ الضابط .. مدية من هذه ؟ . . .

نظر أكسيونوف إليه ، وما كاد يرى المدية مخضبة

بالدماء ، حتى تملكه ذعر شديد . فسأله الضابط : ماذا تقول فى هذه الدماء على مديتك ؟

فحاول أكسيونوف أن يجيب ، ولكن الكلمات وقفت فى حلقه . وما استطاع أن يخرج جملة من فمه . وأصابه عى ... وتلجلج .. واستطاع بعد جهد أن يقول هذه الكلمات : أنا ... لا أدرى .. ليست لى ..

فقال الضابط : فى هذا الصباح وجد التاجر الذى قضى ليلته معك مذبوحا ، وأنت الوحيد الذى يمكنك أن تفعل هذا ... كان الفندق مغلقا من الداخل . ولم يكن هناك شخص آخر ... وهذه المدية وجدت فى حقيبتك مخضبة بالدماء ، ثم إن حركاتك المريبة تنم عليك ، فأخبرنى كيف قتلته ، وكم سرقت ؟

أقسم أكسيونوف بأغلظ الإيمان ، أنه لم يقتله ، وأنه لم يره منذ أن تناولا الطعام قبيل النوم . وأن المدية ليست له ، وأنه يملك ثلاثة آلاف روبل ... ولكن صوته كان مرتجفا ، ووجهه شاحبا ، وكان يرتعد من شدة الخوف .

أمر الضابط جنوده فوضعوا القيد فى رسغيه ، وساقوه إلى العربة .

وحين سارت العربة به بكى بحرقة وألم ، ودعا ربه أن ينجيه مما فيه من هول ... وسيق لسجن المركز ، وصودرت تجارته . . وبدأت التحريات عن أخلاقه وسلوكه وسيره ، فقرر أهل بلدته أنه كان فى أيامه الأولى مولعا باللهو ، مدمنا على الخمر ، ولكنه اليوم خير الناس خلقا ، وأصفاهم نفسا .

وبدأ التحقيق ، ونظرت القضية أمام المحكمة ، فحكمت عليه بالجلد ، ثم النفى المؤبد فى سيبريا لقتله تاجرا ، ثم سرقة أمواله !!

ما كادت الزوج تسمع هذا النبأ الأليم حتى استولى عليها يأس مرير . . ماذا تفعل ؟ ولها منه أبناء صغار .. لا يزال أحدهم رضيعا .

فجمعت أسرها ، وسارت بهم جميعا حيث سجن

زوجها ، وطلبت رؤيته ، فحالوا دون ذلك . . وبعد أن ألحت وتوسلت وصلت إلى بغيتها ، فقد سمحوا لها بلقائه !

وما كادت ترى زوجها الشاب فى أردية السجن ، بين اللصوص والآثمين والمجرمين . . حتى أصابها إعياء شديد ، فسقطت فاقدة الرشد ، ولم تعد إلى صوابها إلا بعد وقت طويل . وضمت صغارها واقتربت منه ، وحدثته بأنباء البلدة والبيت . . وسألته عما حدث .

فقص عليها جلية الخبر ، وما انتهى من قصته ، حتى سألته باكية : والآن ماذا نصنع ؟

أجابها فى يأس قاتل : ليس أمامنا إلا القيصر ، فلنتوسل إليه ، ويجب ألا يموت برىء !

فأخبرته ، أنها أرسلت شكاتها إلى القيصر ، ولكنها لم تقبل . .

فأخلد أكسيونوف للصمت ، وأطرق فى حزن وألم . فقالت الزوج ؛ إذن لم يكن حلمى عبثا ألا تذكر أنى أخبرتك بأنى رأيتك فى حلمى قد ابيض شعر رأسك ؟ أما كان من الأوفق ألا تسافر فى ذلك اليوم المشئوم !!

فصمت ، ولم يجب بشىء . ونظرت إليه ، ثم أخذت رأسه إلى صدرها ، وأمرت يدها على شعره ، وسألته : زوجى العزيز ! قل الحق لزوجك . أصدقنى بربك ، ألست الجانى ؟

فنظر إليها وقال : حتى أنت تشكين فى أمرى .. أخفى وجهه بين يديه وراح فى بكاء عميق .

وحينذاك أقبل أحد الجنود ليخرج الزوج مع صغارها . وودع أكسيونوف أسرته الحبيبة للمرة الأخيرة . لقد كان هذا اللقاء هو الأخير !!

وحين خلا أكسيونوف لنفسه ؛ استعاد ما دار بينهما من حديث ؛ ولما ذكر أن زوجته تشك فيه مثلهم ، تطلع نحو السماء وقال مناجيا نفسه المحزونة . .

إن الله وحده يعرف الحقيقة ، ويعلم أنى برىء . فإليه وحده يجب أن نتوجه ، ومنه نتطلب الرحمة التى عزت فى الأرض . .

استكانت نفس أكسيونوف ورضى بما نزل به ، ولم يكتب شكاة . وفقد الأمل فى نجاته وبراءة ساحته ، وتوجه إلى الله بقلب سليم يتعبد ويصلى .

ونفذ حكم الجلد عليه ، وترك عليه جروحا ، ولما اندملت هذه الجروح أرسل إلى منفاه فى سيبيريا مع رفاقه المحكوم عليهم مثله .

عاش أكسيونوف فى منفاه السحيق بسيبيريا ستة وعشرين ربيعا ، وعلا رأسه الشيب وطالت لحيته ، وماتت ابتسامته ، وذهبت بشاشته ، وفنى مرحه ، وانحنى ظهره ، وأصبح إنسانا آخر لا يستطيع السير إلا فى هوادة ، وبطؤت حركته ، وغدا نادر الكلام ، ودائما يصلى ويتعبد .

وتعلم فى سجنه صناعة الأحذية ، وتمكن من كسب قليل من المال فاشترى بجزء منه كتاب (( حياة القديسين )) وراح يطيل القراءة كلما وجد نورا يستطيع على ضوئه أن يتبين الحروف ، وكان يتردد على الكنيسة فى أيام الآحاد ، ويشترك فى إنشاد الأغانى الدينية ، وكان لصوته طلاوة

اشتهر أمره فى السجن لوداعته وتواضعه ، فأحبه القائمون بأمر السجن ، واحترمه زملاؤه وأطلقوا عليه اسم (( الأب الكبير )) و (( القديس )) وأصبح لسانهم المعبر لدى أصحاب السلطة ، وأصبح الحكم فيما ينشأ بينهم من شجار ؛ وكان حكمه فوق كل اعتبار

أما صلته بأسرته الحبيبة إلى قلبه وبلدته فقد انقطعت ، ولم تصله عنها أخبار ، فلم يعرف أبقوا فى قيد الحياة ، أم انتقلوا إلى مكان آخر . .

وذات يوم أقبل فريق جديد من المسجونين ، فاجتمع القدماء برفاقهم المحدثين فى المساء يسألونهم من أين أتوا ؟ وما سبب مجيئهم ؟ وماذا فعلوا ؟

وجلس أكسيونوف فى ركن ، يستمع لأحاديثهم بنفس حزينة وقلب كسير ! !

وكان بين الرفاق الجدد سجين طويل القامة ، فى العقد السادس من عمره ، ولكن تبدو عليه أمارات القوة . وكان يقص على زملائه سبب مجيئه ، وكان مما قاله :

بلى أيها الزملاء لم آخذ إلا جوادا واحدا ، كان مسرجا إلى عربة ، فالقوا على القبض وحوكمت على جريمة السرقة ، والحق أنى لم آخذه إلا لأعود إلى دارى سريعا ، ثم تركته بعدها ، هذا إلى أن صاحبها كان صديقا لى ، فقلت لهم : ماذا فى الأمر . . . ولكنهم لم يصغوا لقولى . واتهمونى بالسرقة . . .

حقيقة لقد اقترفت مرة إثما - وكان من العدل أن أكون هنا منذ زمن بعيد - ولكن الظروف أبت أن يجدونى فى ذلك الوقت .. أما اليوم فيأتون بى لسبب تافه ولست أكتمكم أنى أتيت إلى هذا المكان مرة قبل اليوم . . ولكنى لم أمكث به طويلا . . .

فسأله أحدهم : من أى بلد أنت ؟

- من فلاديمير وأسرتى تقيم هناك ، أما اسمى ،  (( سيمونتش )) ، حينذاك رفع أكسيونوف رأسه وسأله : أتعرف شيئا عن أسرة أكسيونوف التاجر فى فلاديمير .. أما زالوا أحياء ؟

- لاشك أنى أعرفهم جيدا ، هم الآن فى يسر   ورخاء ، ولو أن أباهم سجين مثلنا فى مجاهل سيبيريا ، وأما أنت فكيف جاءوا بك هنا ؟

لم يجب أكسيونوف للتو ، بل تنهد طويلا ، ثم قال : جئت لأ كفر عن سيئاتى بهذه الأعوام الستة والعشرين التى قضيتها هنا . فسأله سيمونتش :

-عن أى سيئات تتحدث ؟

فأجابه أكسيونوف . . نعم ، لا ريب أنى أستحق كل هذا العقاب الصارم ، وصمت .

أما رفاقه فقد قصوا على القادمين سبب مجىء أكسيونوف ، وكيف أن مجهولا قتل تاجرا ، ثم وضع المدية فى حقيبة أكسيونوف ، وهكذا جىء به لجريمة لم يقترفها .

ولما سمع سيمونتش هذه القصة نظر إلى أكسيونوف ، وقد أخذته الدهشة ، وقال :

- إن هذا لغريب حقا . لشد ما تغيرت أيها الأب ؟! فسأله الرفاق . لم الدهشة والعجب . وهل رأى أكسيونوف قبل الآن ؟

ولكنه لم يجبهم بشىء وإنما قال : إنه لمن العجيب حقا أن نلتقى هنا معا .

حيرت هذه الكلمات أكسيونوف ، وجعلته يتساءل هل يعرف هذا الرجل القاتل الحقيقى . ثم قال لسيمونتش . هل سمعت بالجريمة ، وهل رأيتنى من قبل ؟

- كيف لا أسمع والدنيا مليئة بالإشاعات والأخبار ، ولكن طول المدة أنسانى ما سمعته ! فسأله أكسيونوف مرة ثانية : لعلك سمعت عن القاتل الحقيقى ؟

فضحك سيمونتش وأجابه - القاتل هو الذى وجدت المدية فى متاعه ، وإذا كان ثمة إنسان خبأها هنالك فليس بآثم حتى يضبط ، كما هو معروف ، ولكن كيف يمكن لإنسان أن يضع مدية فى أمتعتك وهى قريبة منك ، لا شك أنه كان يوقظك .

وما سمع أكسيونوف هذه العبارة الأخيرة . حتى أيقن أن هذا هو القاتل الحقيقى ، فقام وذهب بعيدا ولم ينم طول ليله ، وأحس بالتعاسة والبؤس ، وشعر بالآلام تحز فى قلبه ، وأخذت الصور تنهال فى ذهنه ، وهى مختلفة .. رأى بعين الخيال زوجه وهى تودعه محذرة ، إنه رغم هذه السنين لا يزال يذكر تقاطيع وجهها . ورأى أطفاله ، وذكر الرضيع تعلو وجهه براءة الطفولة ؛ واستعاد أيامه الماضية ، أيام أن كان مرحا محبا للحياة واللهو ، لا يفكر فى شئ .. كيف كان وكيف الآن . . وتواردت على ذهنه الخواطر سراعا .. المكان الذى جلد فيه ، هذا هو الجلاد القاسى وهؤلاء الناس يحيطون به . ذكر الستة والعشرين سنة التى قضاها فى العذاب الأليم .. وكانت هذه الخواطر مؤلمة له ، وهانت عليه نفسه .. وذكر أن

كل هذا من يد هذا الشقى الآثم ، إنه فكر وأطال التفكير ، وامتلأ قلبه حقدا وغضبا ، وود أن ينتقم لنفسه ولو هلك فى هذا السبيل . وأخذ يصلى ، ويردد الدعوات . . ولكن السلام والأمن كانا بعيدين عن نفسه . كان فى النهار يبتعد عن الشقى لكى لا ينظر إليه . وأما الليل فكان يحجبهما بظلامه الكثيف الموحش . .

قضى أكسيونوف أسبوعين لم ينم خلالهما ، واشتد به اليأس ، وعصف الألم ، واشتد الحزن وأصبح حائرا لايدرى ماذا يفعل !

وذات ليلة كان يمر فى السجن ، فرأى بعض الأتربة تنهار من بين أحد الجدران ، فانتظر ليرى ما الخبر ، وفجأة ظهر سيمونتش ، ونظر إليه باضطراب شديد .. فرغب أكسيونوف أن يواصل مسيره من غير أن ينظر إليه ، ولكن سيمونتش وقف فى طريقه ، وأمسك بساعده ، وأخبره بأنه حفر حفرة تحت الجدار ، وكان فى النهار ينقل التراب فى حذائه ويفرغها أثناء العمل ، ثم همس فى أذنه ، انتظر ، فلسوف تخرج معى ، وإذا تكلمت قتلت نفسى ، ولكن بعد أن أجهز عليك .

غضب أكسيونوف حين نظر إلى خصمه الألد ، ثم سحب يده منه بغضب وأنفة وقال : لارغبة لى فى الهرب ولست بحاجة إلى سفك دمى ، فقد قتلتنى منذ زمن بعيد ؛ وأما أن أفشى سرك أو لا أفشيه ، فهذه متعلقة بإرادة الله .

بينما كان المسجونون يقادون للعمل فى اليوم التالى . لاحظ الحراس أن أحدهم ينقل ترابا ففتشوا أرجاء السجن وعثروا على الحفرة .. وجاء الحاكم وسأل المسجونين عمن حفر الحفرة . ولكنهم أنكروا ، لأن الذين يعرفون لم يريدوا أن يدفعوا بزميلهم إلى الهلاك ، لعلمهم بأنه سيجلد حتى تقبض روحه . وأخيرا نظر الحاكم إلى أكسيونوف  و كان يعرف عنه الصدق وقال له : أنت رجل صادق ! أخبرنى أمام الله ، من الذى حفر الحفرة ؟ . . . وكان سيمونتش واقفا غير مبال بالأمر ، وكأنه لا يعنيه من الأمر

شىء وهو ينقل بصره بين الحاكم وأكسيونوف .. ارتعد أكسيونوف واضطربت يده وظل صامتا لا يستطيع الكلام ، واضطرمت فى أعماقه ثورة جارفة . لماذا أكتم سره ، وذلك الذى هد كيانى وهدم حياتى ، لماذا لا أدعه للجلاد ليقاسى ما قاسيت ، ويعانى ما عانيت ؟ لماذا لا يكفر عن خطيئته ، ويقاسى جزاء مافعل . ولكن إذا أعلنت أمره قتلوه وقد أكون مخطئا فى اتهامه . ثم أى فائدة تعود على ؟ وماذا أجنى من وراء ذلك ؟

فقال له الحاكم مرة ثانية ، أيها القديس أخبرنى بالحقيقة من حفر هذه الحفرة .. فنظر أكسيونوف إلى سيمونتش بطرف عينه ثم أجاب لا أستطيع أن أتحدث .  ياصاحب السعادة هذه إرادة الله ، وإنى أمامك ، فافعل بى ما تريد ! وألح الحاكم فى معرفه الفاعل . ولكن أكسيونوف كان يزداد إصرارا على رأيه ... وهكذا انتهت هذه الحادثة ..

فى تلك الليلة ، بينما كان أكسيونوف بين اليقظة والنوم جاء إنسان وجلس بجواره فى هدوء وسكون ، فحدق فيه ، ورغم الظلمة عرف فيه سيموننش فقال له : ماذا تريد منى أكثر مما فعلت ..

لم يجب ، فقام أكسيونوف وقال : ماذا تريد ، اذهب بعيدا ولا تقترب منى وإلا دعوت الحارس . فاقترب سيمونتش منه وهمس فى أذنه : أكسيونوف ! سامحنى واصفح عنى .

- أنا الذى قتلت التاجر ، وخبأت المدية فى حقيبتك ، وكنت أود أن أقتلك أيضا ولكن صوتا فى الخارج قطع على تدبيرى فخبأت المدية ، ثم فررت ... فصمت أكسيونوف ، ولم يدر ماذا يقول . . وركع سيمونتش على الأرض أمام أكسيونوف . وأخذ يتوسل إليه : اصفح عنى لله . . فى الصباح سأعترف بجرمى فتخرج من السجن ، وتعود لأهلك .

فأجابه أكسيونوف : نعم من السهل أن تتحدث الآن

بعد أن قاسيت فى سبيلك أهوال هذه الأعوام الستة والعشرين . إلى أين أذهب . . زوجى قد ماتت ، وأولادى قد أسدلوا على ستار النسيان ، لم يعد لى مكان أتوجه إليه . . . لم يذهب سيمونتش ، بل قال بصوت مختنق :

-اصفح عنى . . لم أقاس مثلما أقاسيه الآن ، وحين جلدونى لم أتألم كما أتألم الآن . وأنا أراك تشفق على فلا تفشى سرى ، بعد أن سببت لك هذه المتاعب وهذا الشقاء . فإ كراما للقديس ولوجه لله اصفح عنى . لشد ما أنا بائس الآن .

ثم أخذ يبكى طويلا . . . وبكى معه أكسيونوف وقال له : ليسامحك الله ، وليغفر لك خطاياك .

حل السلام فى قلب أكسيونوف . وعادت إليه الطمأنينة ، وعاوده حنينه إلى بلدته ، وشوقه لأولاده . ولم تعد به رغبة لمغادرة السجن . وأحب أن تدنو ساعته الأخيرة .

وأما سيمونتش فقد اعترف بجريمته . وحين ظهرت براءة أكسيونوف وجاء أمر الإفراج عنه . .كان قد فارق الحياة ! وودع الدنيا . . وذهب ليلقى ربه !!

استانبول

اشترك في نشرتنا البريدية