كان أكسيونوف شابا رفيقا ، خفيف الظل ، محبا للحياة اللاهية وما فيها من لذائد ومتع ، ينظر إلى الدنيا من ناحيتها العابثة ، ولا يعرف منها شجونها وآلامها ...
وكانت له تجارة رائجة فى مدينة (( فلاديمير )) ثم تزوج من فتاة جميلة ، وأعقب هذا الزواج اعتدال فى حياته ، فقد ترك الإدمان على الخمر ، وكان من قبل لا يفيق منها إلا لماما ...
وفى إحدى ليالى الصيف فكر فى الذهاب إلى ((نيزنى)) لأعمال خاصة بتجارته . وحين أقبلت زوجه تودعه قالت له :
-يا زوجى الحبيب ، لا ترحل اليوم ، فقد رأيت حلما سيئا !!
فأغرق أكسيونوف فى الضحك وقال لها :
- أتخشين إذا ذهبت إلى السوق سكرت ؟
فأجابته قائلة : لا أدرى ماذا يروعنى ؟ ولكن الذى أخشاه هو حلمى السىء ، لقد رأيتك عدت من المدينة وقد اشتعل رأسك شيبا !
فضحك ، ثم أردف قائلا :
- هذا دليل على حسن حظى ، ولسوف أعود بعد تصفية تجارتى هناك ، وسيكون معى لك هدايا قيمة ...
بهذا ودع أكسيونوف أسرته .
وفى منتصف الطريق التقى بتاجر تربطه به أواصر الصداقة ... فنزلا فى إحدى الفنادق ليقضيا ليلتهما ... وبعد أن تناولا طعام العشاء ... استلقى كل فى فراشه ، ثم لم يلبث أن استغرق فى سبات عميق ...!
كان أكسيونوف قد تعود منذ زمن ، أن يستيقظ
فى وقت مبكر ، وود أن يتم رحلته فى جو جميل ، فأمر السائق أن يسرج الجياد ، ولم يكن نور الفجر قد ظهر حين مر بصاحب الفندق وسدد أجر ليلته ، ثم سار فى سبيله ...
وبعد أن قطع مرحلة كبيرة وجد فندقا ، فدلف إليه ، طمعا فى أخذ قسط من الراحة ، ولإطعام الجياد ، وطلب لنفسه كوبا من الشاى ليعيد إليه نشاطه ..
وبعد قليل أقبلت عربة ذات أجراس ، ونزل منها جنديان يصحبهما ضابط ؛ ودنا الضابط من أكسيونوف ، ووجه إليه أسئلة عدة : من هو ؟ وماذا يعمل ؟ ومن أين ؟ وإلى أى مكان يقصد . . ومتى وصل ؟ . .،
فأجابه أكسيونوف على أسئلته ، ثم دعاه لتناول الشاى معه، ولكن الضابط لم يعر دعوته اهتماما ، بل استمر فى إلقاء أسئلته . كيف قضى ليلته الماضية ؟ أكان منفردا أم مع زميل آخر ؟ وهل رأى زميله قبيل مغادرته الفندق ؟ ولماذا ترك الفندق قبيل الفجر ؟
فأخذت الدهشة أكسيونوف ، من هذه الأسئلة المتلاحقة المحرجة ، وأوضح للضابط كل ما حدث بالأمس . ثم أعقب ذلك بأن قال . لماذا توجه إلى كل هذه الأسئلة المريبة ، كما لو كنت لصا أو قاطع طريق ؟ إنى تاجر ، ومسافر لبعض أعمالى التجارية ، فلا حاجة بك لهذا الاستجواب !..
ولم يكد ينتهى من كلامه ، حتى أمر الضابط جنده بالقبض عليه .. وقال له : - أنا ضابط هذا المركز ، وأما سر هذا الاستجواب ، فهو أن زميلك التاجر وجد مذبوحا هذا الصباح . ولسوف نفتش أمتعتك !!
وبدأ الجنديان عملهما ، فحلوا أمتعته ، وأخذوا فى البحث ، وفجأة عثر أحدهما على مدية قاطعة فى إحدى الحقائب .. فصرخ الضابط .. مدية من هذه ؟ . . .
نظر أكسيونوف إليه ، وما كاد يرى المدية مخضبة
بالدماء ، حتى تملكه ذعر شديد . فسأله الضابط : ماذا تقول فى هذه الدماء على مديتك ؟
فحاول أكسيونوف أن يجيب ، ولكن الكلمات وقفت فى حلقه . وما استطاع أن يخرج جملة من فمه . وأصابه عى ... وتلجلج .. واستطاع بعد جهد أن يقول هذه الكلمات : أنا ... لا أدرى .. ليست لى ..
فقال الضابط : فى هذا الصباح وجد التاجر الذى قضى ليلته معك مذبوحا ، وأنت الوحيد الذى يمكنك أن تفعل هذا ... كان الفندق مغلقا من الداخل . ولم يكن هناك شخص آخر ... وهذه المدية وجدت فى حقيبتك مخضبة بالدماء ، ثم إن حركاتك المريبة تنم عليك ، فأخبرنى كيف قتلته ، وكم سرقت ؟
أقسم أكسيونوف بأغلظ الإيمان ، أنه لم يقتله ، وأنه لم يره منذ أن تناولا الطعام قبيل النوم . وأن المدية ليست له ، وأنه يملك ثلاثة آلاف روبل ... ولكن صوته كان مرتجفا ، ووجهه شاحبا ، وكان يرتعد من شدة الخوف .
أمر الضابط جنوده فوضعوا القيد فى رسغيه ، وساقوه إلى العربة .
وحين سارت العربة به بكى بحرقة وألم ، ودعا ربه أن ينجيه مما فيه من هول ... وسيق لسجن المركز ، وصودرت تجارته . . وبدأت التحريات عن أخلاقه وسلوكه وسيره ، فقرر أهل بلدته أنه كان فى أيامه الأولى مولعا باللهو ، مدمنا على الخمر ، ولكنه اليوم خير الناس خلقا ، وأصفاهم نفسا .
وبدأ التحقيق ، ونظرت القضية أمام المحكمة ، فحكمت عليه بالجلد ، ثم النفى المؤبد فى سيبريا لقتله تاجرا ، ثم سرقة أمواله !!
ما كادت الزوج تسمع هذا النبأ الأليم حتى استولى عليها يأس مرير . . ماذا تفعل ؟ ولها منه أبناء صغار .. لا يزال أحدهم رضيعا .
فجمعت أسرها ، وسارت بهم جميعا حيث سجن
زوجها ، وطلبت رؤيته ، فحالوا دون ذلك . . وبعد أن ألحت وتوسلت وصلت إلى بغيتها ، فقد سمحوا لها بلقائه !
وما كادت ترى زوجها الشاب فى أردية السجن ، بين اللصوص والآثمين والمجرمين . . حتى أصابها إعياء شديد ، فسقطت فاقدة الرشد ، ولم تعد إلى صوابها إلا بعد وقت طويل . وضمت صغارها واقتربت منه ، وحدثته بأنباء البلدة والبيت . . وسألته عما حدث .
فقص عليها جلية الخبر ، وما انتهى من قصته ، حتى سألته باكية : والآن ماذا نصنع ؟
أجابها فى يأس قاتل : ليس أمامنا إلا القيصر ، فلنتوسل إليه ، ويجب ألا يموت برىء !
فأخبرته ، أنها أرسلت شكاتها إلى القيصر ، ولكنها لم تقبل . .
فأخلد أكسيونوف للصمت ، وأطرق فى حزن وألم . فقالت الزوج ؛ إذن لم يكن حلمى عبثا ألا تذكر أنى أخبرتك بأنى رأيتك فى حلمى قد ابيض شعر رأسك ؟ أما كان من الأوفق ألا تسافر فى ذلك اليوم المشئوم !!
فصمت ، ولم يجب بشىء . ونظرت إليه ، ثم أخذت رأسه إلى صدرها ، وأمرت يدها على شعره ، وسألته : زوجى العزيز ! قل الحق لزوجك . أصدقنى بربك ، ألست الجانى ؟
فنظر إليها وقال : حتى أنت تشكين فى أمرى .. أخفى وجهه بين يديه وراح فى بكاء عميق .
وحينذاك أقبل أحد الجنود ليخرج الزوج مع صغارها . وودع أكسيونوف أسرته الحبيبة للمرة الأخيرة . لقد كان هذا اللقاء هو الأخير !!
وحين خلا أكسيونوف لنفسه ؛ استعاد ما دار بينهما من حديث ؛ ولما ذكر أن زوجته تشك فيه مثلهم ، تطلع نحو السماء وقال مناجيا نفسه المحزونة . .
إن الله وحده يعرف الحقيقة ، ويعلم أنى برىء . فإليه وحده يجب أن نتوجه ، ومنه نتطلب الرحمة التى عزت فى الأرض . .
استكانت نفس أكسيونوف ورضى بما نزل به ، ولم يكتب شكاة . وفقد الأمل فى نجاته وبراءة ساحته ، وتوجه إلى الله بقلب سليم يتعبد ويصلى .
ونفذ حكم الجلد عليه ، وترك عليه جروحا ، ولما اندملت هذه الجروح أرسل إلى منفاه فى سيبيريا مع رفاقه المحكوم عليهم مثله .
عاش أكسيونوف فى منفاه السحيق بسيبيريا ستة وعشرين ربيعا ، وعلا رأسه الشيب وطالت لحيته ، وماتت ابتسامته ، وذهبت بشاشته ، وفنى مرحه ، وانحنى ظهره ، وأصبح إنسانا آخر لا يستطيع السير إلا فى هوادة ، وبطؤت حركته ، وغدا نادر الكلام ، ودائما يصلى ويتعبد .
وتعلم فى سجنه صناعة الأحذية ، وتمكن من كسب قليل من المال فاشترى بجزء منه كتاب (( حياة القديسين )) وراح يطيل القراءة كلما وجد نورا يستطيع على ضوئه أن يتبين الحروف ، وكان يتردد على الكنيسة فى أيام الآحاد ، ويشترك فى إنشاد الأغانى الدينية ، وكان لصوته طلاوة
اشتهر أمره فى السجن لوداعته وتواضعه ، فأحبه القائمون بأمر السجن ، واحترمه زملاؤه وأطلقوا عليه اسم (( الأب الكبير )) و (( القديس )) وأصبح لسانهم المعبر لدى أصحاب السلطة ، وأصبح الحكم فيما ينشأ بينهم من شجار ؛ وكان حكمه فوق كل اعتبار
أما صلته بأسرته الحبيبة إلى قلبه وبلدته فقد انقطعت ، ولم تصله عنها أخبار ، فلم يعرف أبقوا فى قيد الحياة ، أم انتقلوا إلى مكان آخر . .
وذات يوم أقبل فريق جديد من المسجونين ، فاجتمع القدماء برفاقهم المحدثين فى المساء يسألونهم من أين أتوا ؟ وما سبب مجيئهم ؟ وماذا فعلوا ؟
وجلس أكسيونوف فى ركن ، يستمع لأحاديثهم بنفس حزينة وقلب كسير ! !
وكان بين الرفاق الجدد سجين طويل القامة ، فى العقد السادس من عمره ، ولكن تبدو عليه أمارات القوة . وكان يقص على زملائه سبب مجيئه ، وكان مما قاله :
بلى أيها الزملاء لم آخذ إلا جوادا واحدا ، كان مسرجا إلى عربة ، فالقوا على القبض وحوكمت على جريمة السرقة ، والحق أنى لم آخذه إلا لأعود إلى دارى سريعا ، ثم تركته بعدها ، هذا إلى أن صاحبها كان صديقا لى ، فقلت لهم : ماذا فى الأمر . . . ولكنهم لم يصغوا لقولى . واتهمونى بالسرقة . . .
حقيقة لقد اقترفت مرة إثما - وكان من العدل أن أكون هنا منذ زمن بعيد - ولكن الظروف أبت أن يجدونى فى ذلك الوقت .. أما اليوم فيأتون بى لسبب تافه ولست أكتمكم أنى أتيت إلى هذا المكان مرة قبل اليوم . . ولكنى لم أمكث به طويلا . . .
فسأله أحدهم : من أى بلد أنت ؟
- من فلاديمير وأسرتى تقيم هناك ، أما اسمى ، (( سيمونتش )) ، حينذاك رفع أكسيونوف رأسه وسأله : أتعرف شيئا عن أسرة أكسيونوف التاجر فى فلاديمير .. أما زالوا أحياء ؟
- لاشك أنى أعرفهم جيدا ، هم الآن فى يسر ورخاء ، ولو أن أباهم سجين مثلنا فى مجاهل سيبيريا ، وأما أنت فكيف جاءوا بك هنا ؟
لم يجب أكسيونوف للتو ، بل تنهد طويلا ، ثم قال : جئت لأ كفر عن سيئاتى بهذه الأعوام الستة والعشرين التى قضيتها هنا . فسأله سيمونتش :
-عن أى سيئات تتحدث ؟
فأجابه أكسيونوف . . نعم ، لا ريب أنى أستحق كل هذا العقاب الصارم ، وصمت .
أما رفاقه فقد قصوا على القادمين سبب مجىء أكسيونوف ، وكيف أن مجهولا قتل تاجرا ، ثم وضع المدية فى حقيبة أكسيونوف ، وهكذا جىء به لجريمة لم يقترفها .
ولما سمع سيمونتش هذه القصة نظر إلى أكسيونوف ، وقد أخذته الدهشة ، وقال :
- إن هذا لغريب حقا . لشد ما تغيرت أيها الأب ؟! فسأله الرفاق . لم الدهشة والعجب . وهل رأى أكسيونوف قبل الآن ؟
ولكنه لم يجبهم بشىء وإنما قال : إنه لمن العجيب حقا أن نلتقى هنا معا .
حيرت هذه الكلمات أكسيونوف ، وجعلته يتساءل هل يعرف هذا الرجل القاتل الحقيقى . ثم قال لسيمونتش . هل سمعت بالجريمة ، وهل رأيتنى من قبل ؟
- كيف لا أسمع والدنيا مليئة بالإشاعات والأخبار ، ولكن طول المدة أنسانى ما سمعته ! فسأله أكسيونوف مرة ثانية : لعلك سمعت عن القاتل الحقيقى ؟
فضحك سيمونتش وأجابه - القاتل هو الذى وجدت المدية فى متاعه ، وإذا كان ثمة إنسان خبأها هنالك فليس بآثم حتى يضبط ، كما هو معروف ، ولكن كيف يمكن لإنسان أن يضع مدية فى أمتعتك وهى قريبة منك ، لا شك أنه كان يوقظك .
وما سمع أكسيونوف هذه العبارة الأخيرة . حتى أيقن أن هذا هو القاتل الحقيقى ، فقام وذهب بعيدا ولم ينم طول ليله ، وأحس بالتعاسة والبؤس ، وشعر بالآلام تحز فى قلبه ، وأخذت الصور تنهال فى ذهنه ، وهى مختلفة .. رأى بعين الخيال زوجه وهى تودعه محذرة ، إنه رغم هذه السنين لا يزال يذكر تقاطيع وجهها . ورأى أطفاله ، وذكر الرضيع تعلو وجهه براءة الطفولة ؛ واستعاد أيامه الماضية ، أيام أن كان مرحا محبا للحياة واللهو ، لا يفكر فى شئ .. كيف كان وكيف الآن . . وتواردت على ذهنه الخواطر سراعا .. المكان الذى جلد فيه ، هذا هو الجلاد القاسى وهؤلاء الناس يحيطون به . ذكر الستة والعشرين سنة التى قضاها فى العذاب الأليم .. وكانت هذه الخواطر مؤلمة له ، وهانت عليه نفسه .. وذكر أن
كل هذا من يد هذا الشقى الآثم ، إنه فكر وأطال التفكير ، وامتلأ قلبه حقدا وغضبا ، وود أن ينتقم لنفسه ولو هلك فى هذا السبيل . وأخذ يصلى ، ويردد الدعوات . . ولكن السلام والأمن كانا بعيدين عن نفسه . كان فى النهار يبتعد عن الشقى لكى لا ينظر إليه . وأما الليل فكان يحجبهما بظلامه الكثيف الموحش . .
قضى أكسيونوف أسبوعين لم ينم خلالهما ، واشتد به اليأس ، وعصف الألم ، واشتد الحزن وأصبح حائرا لايدرى ماذا يفعل !
وذات ليلة كان يمر فى السجن ، فرأى بعض الأتربة تنهار من بين أحد الجدران ، فانتظر ليرى ما الخبر ، وفجأة ظهر سيمونتش ، ونظر إليه باضطراب شديد .. فرغب أكسيونوف أن يواصل مسيره من غير أن ينظر إليه ، ولكن سيمونتش وقف فى طريقه ، وأمسك بساعده ، وأخبره بأنه حفر حفرة تحت الجدار ، وكان فى النهار ينقل التراب فى حذائه ويفرغها أثناء العمل ، ثم همس فى أذنه ، انتظر ، فلسوف تخرج معى ، وإذا تكلمت قتلت نفسى ، ولكن بعد أن أجهز عليك .
غضب أكسيونوف حين نظر إلى خصمه الألد ، ثم سحب يده منه بغضب وأنفة وقال : لارغبة لى فى الهرب ولست بحاجة إلى سفك دمى ، فقد قتلتنى منذ زمن بعيد ؛ وأما أن أفشى سرك أو لا أفشيه ، فهذه متعلقة بإرادة الله .
بينما كان المسجونون يقادون للعمل فى اليوم التالى . لاحظ الحراس أن أحدهم ينقل ترابا ففتشوا أرجاء السجن وعثروا على الحفرة .. وجاء الحاكم وسأل المسجونين عمن حفر الحفرة . ولكنهم أنكروا ، لأن الذين يعرفون لم يريدوا أن يدفعوا بزميلهم إلى الهلاك ، لعلمهم بأنه سيجلد حتى تقبض روحه . وأخيرا نظر الحاكم إلى أكسيونوف و كان يعرف عنه الصدق وقال له : أنت رجل صادق ! أخبرنى أمام الله ، من الذى حفر الحفرة ؟ . . . وكان سيمونتش واقفا غير مبال بالأمر ، وكأنه لا يعنيه من الأمر
شىء وهو ينقل بصره بين الحاكم وأكسيونوف .. ارتعد أكسيونوف واضطربت يده وظل صامتا لا يستطيع الكلام ، واضطرمت فى أعماقه ثورة جارفة . لماذا أكتم سره ، وذلك الذى هد كيانى وهدم حياتى ، لماذا لا أدعه للجلاد ليقاسى ما قاسيت ، ويعانى ما عانيت ؟ لماذا لا يكفر عن خطيئته ، ويقاسى جزاء مافعل . ولكن إذا أعلنت أمره قتلوه وقد أكون مخطئا فى اتهامه . ثم أى فائدة تعود على ؟ وماذا أجنى من وراء ذلك ؟
فقال له الحاكم مرة ثانية ، أيها القديس أخبرنى بالحقيقة من حفر هذه الحفرة .. فنظر أكسيونوف إلى سيمونتش بطرف عينه ثم أجاب لا أستطيع أن أتحدث . ياصاحب السعادة هذه إرادة الله ، وإنى أمامك ، فافعل بى ما تريد ! وألح الحاكم فى معرفه الفاعل . ولكن أكسيونوف كان يزداد إصرارا على رأيه ... وهكذا انتهت هذه الحادثة ..
فى تلك الليلة ، بينما كان أكسيونوف بين اليقظة والنوم جاء إنسان وجلس بجواره فى هدوء وسكون ، فحدق فيه ، ورغم الظلمة عرف فيه سيموننش فقال له : ماذا تريد منى أكثر مما فعلت ..
لم يجب ، فقام أكسيونوف وقال : ماذا تريد ، اذهب بعيدا ولا تقترب منى وإلا دعوت الحارس . فاقترب سيمونتش منه وهمس فى أذنه : أكسيونوف ! سامحنى واصفح عنى .
- أنا الذى قتلت التاجر ، وخبأت المدية فى حقيبتك ، وكنت أود أن أقتلك أيضا ولكن صوتا فى الخارج قطع على تدبيرى فخبأت المدية ، ثم فررت ... فصمت أكسيونوف ، ولم يدر ماذا يقول . . وركع سيمونتش على الأرض أمام أكسيونوف . وأخذ يتوسل إليه : اصفح عنى لله . . فى الصباح سأعترف بجرمى فتخرج من السجن ، وتعود لأهلك .
فأجابه أكسيونوف : نعم من السهل أن تتحدث الآن
بعد أن قاسيت فى سبيلك أهوال هذه الأعوام الستة والعشرين . إلى أين أذهب . . زوجى قد ماتت ، وأولادى قد أسدلوا على ستار النسيان ، لم يعد لى مكان أتوجه إليه . . . لم يذهب سيمونتش ، بل قال بصوت مختنق :
-اصفح عنى . . لم أقاس مثلما أقاسيه الآن ، وحين جلدونى لم أتألم كما أتألم الآن . وأنا أراك تشفق على فلا تفشى سرى ، بعد أن سببت لك هذه المتاعب وهذا الشقاء . فإ كراما للقديس ولوجه لله اصفح عنى . لشد ما أنا بائس الآن .
ثم أخذ يبكى طويلا . . . وبكى معه أكسيونوف وقال له : ليسامحك الله ، وليغفر لك خطاياك .
حل السلام فى قلب أكسيونوف . وعادت إليه الطمأنينة ، وعاوده حنينه إلى بلدته ، وشوقه لأولاده . ولم تعد به رغبة لمغادرة السجن . وأحب أن تدنو ساعته الأخيرة .
وأما سيمونتش فقد اعترف بجريمته . وحين ظهرت براءة أكسيونوف وجاء أمر الإفراج عنه . .كان قد فارق الحياة ! وودع الدنيا . . وذهب ليلقى ربه !!
استانبول

