الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 927الرجوع إلى "الرسالة"

المهلب بن أبى صفرة

Share

ولد المهلب لأبى صفرة سيد الأزد فى اليمن قبيل وفاة النبي   (ص)   ببضع سنين ففتحت عيناه فى نور الإسلام وأشرقت نفسه بإشراقة  الهدى ودين الحق، فنشأ سيداً ماجداً وحراً مستقلا فى أمة حرة  مستقلة ومؤمناً مجاهداً فى صفوف المؤمنين المجاهدين، وبطلا عظيما  منتصراً فى ميادين المجد والشرف.

هبط أبو صفوة البصرة على اثر حرب من حروب الردة  فى اليمن، فعاش المهلب هناك ولم يلبث حتى أصبح سيد العراق  بما آتاه الله من صفات السيادة والتفوق على الأقران بالفضائل

قدم المهلب على عبد الله بن الزبير الخليفة البطل أثناء خلافته  فى الحجاز والعراق وهو يومئذ فى مكة، فخلا به عبد الله يشاوره  فدخل عليه عبد الله بن صفوان فقال: من هذا الذى شغلك  يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ قال. أما تعرفه؟ قال (لا) قال هذا  سيد العراق، قال فهو المهلب بن أبى صفرة؟ قال نعم.

أجل هذا هو سيد الأزد وبطل العراق المهلب بن أبى  صفرة يخلو به الخليفة عبد الله بن الزبير ويشاوره فى اشد أزماته  وأعقد مشكلاته وأدق مواقفه وأخطر حوادثه. أليس الزمن  عصيباً والموقف حرجاً؟ أليس صولجان الحكم الإسلامي مضطرباً  بين يدى عبد الله بن الزبير فى الحجاز وعبد الملك ابن مروان  فى الشام؟ كل منها يجذبه من صاحبه بما عنده من قوة.  أليس العراق وما يجاور العراق من الأقطار الإسلامية  كرة  تتقاذفها قوات الحجاز والشام تصبح لهذا وتمسى لذاك؟ أليس  هؤلاء الخوارج ينكرون على عبد الله بن الزبير وعبد الملك  ابن مروان خلافتيهما كما أنكروا على على بن أبى طالب ومعاوية  ابن أبى سفيان خلافتيهما من قبل فيتقلبون فى أنحاء البلاد  من البصرة إلى الموصل إلى الأهواز إلى كرمان يقتلون العباد  ويهدمون البلاد ويقيمون على الأشلاء والأطلال ممالك وحكومات

أجل إن الأمر لخطير، ولابد فيه لعبد الله بن الزبير من

المشورة، وهل أرجح من المهلب عقلا وأعلى همة وأوسع معرفة  وأعظم نفوذاً حتى يستشيره عبد الله بن الزبير دون المهلب؟  إذا لابد لابن الزبير من استشارة المهلب، ولا بد له من أن يوليه  على خراسان حمل المهلب عهد ابن الزبير له على خراسان وتوجه

به نحوها عن طريق العراق ووصل البصرة فرأى البصرة تلهب  بنيران الحرب القائمة بين قوات ابن الزبير والخوارج، ورأى أن  الخوارج قد تفوقوا على قوات الخلافة تفوقا ألقى الرعب فى قلوب  أهل البلاد.

ولكن ما شأن المهلب فى هذا الأمر وهو سائر فى طريقه  إلى خراسان ليكون والياً عليها؟ إذاً عليه أن يترك هذه النار  المشتعلة تلتهم أكباد المسلمين ويمضى إلى عمله.

هذه خطة صحيحة لو كان صاحب هذه الخطة غير المهلب،  أما وهو المهلب صاحب البصرة وسيد العراق فلابد له من البقاء  بجانب بلده وقرب أهله ليحمي حماهم من الخوارج وينقذهم من  فتك أولئك الشجعان الذين لعبت العقيدة فى نفوسهم فخلقت منهم  أبطالا فى الحروب لا يهابون الموت ولا يخشون الردى.

أليس البطل فى نظر قومه مدخرة يستعينون بها على  الشدائد فى الأيام الحالكة؟ وأية شدة أدعى لاستنجاد قوات  المسلمين بالمهلب من هذه الشدة المدمرة التى تكاد تطبق على المسلمين  بسيوف الخوارج؟ إذا لا والله ما لهذا إلا المهلب فخرج أشراف  الناس فكلموه ليتولى قتال الخوارج فقال لا أفعل.

هذا عهد أمير المؤمنين معى على خراسان فلم أكن أدع عهده  وأمره. رفض المهلب أن يجيب الناس إلى طلبهم فى قتال الخوارج  لأن المهلب رجل نظام وطاعة، فلم يشأ أن يخرج عن قاعدته  فى النظام وعن عادته فى الطاعة، وهو رجل عسكري والنظام  والطاعة قوام الحياة العسكرية. إذا لابد من أمر يصدره الخليفة  للمهلب يلغى عهد خراسان ويثبت قيادة الجيوش لمحاربة الخوارج.  ولكن أين أبن الزبير الآن من المهلب وكيف يحتمل الصبر حتى  تدور المخابرات الرسمية دورتها وهؤلاء الخوارج على الأبواب  لا يبلعون الناس ريقهم ولا يدعوهم يهدأ روعهم من الفزع.  إذا لابد من الحيلة والحيلة، فى مثل هذه المآزق مستحبة.  . فرأى قائد قوات ابن الزبير مع أهل البصرة أن يكتبوا على لسان

ابن الزبير كتابا للمهلب يأمره فيه بمقاتلة الخوارج ويعده بعد  النصر بالولاية على خراسان، فأخذ المهلب الكتاب بنفس راضية  مطمئنة ونهض للأمر العظيم. والغريب فى أمر هذا البطل  أنه كان فوق الأحزاب فى ذلك الزمن القائم على الحزبية العنيفة  مما يدل دلالة واضحة على أنه كان جندياً مسلماً قد وقف حياته  على المصلحة الإسلامية العامة ورصد بطولته على مجد الإسلام  وعزته وكرامته. لا يعنيه من يكون الخليفة ولا يكون سواء  عنده أكان الخليفة على بن أبي طالب أم معاوية بن أبى سفيان  أم عبد الله بن الزبير أم عبد الملك بن مروان. وسواء لديه أكان  مقر الخلافة الحجاز أم الشام، ولهذا فقد رأيناه جندياً غازيا لسمرقند  فى جيش معاوية بن أبى سفيان ثم رأيناه موضع ثقة ابن الزبير  يعهد له بالولاية على خراسان ثم يوليه القيادة لحرب الخوارج  ثم رأيناه موضع ثقة عبد الملك بن مروان فيعهد له بجباية الأهواز،  ثم رأيناه موضع ثقة الحجاج بن يوسف الثقفي فيوليه  على خراسان

ونعتقد أن وصيته لأبنائه الغر الميامين قبيل وفاته صورة  واضحة لنفسيته الكبيرة التقية وأخلاقه الطاهرة الرضية وعقيدته  الإسلامية القوية. لنسمع الآن المهلب يوصى أبناءه وقد جمعهم  إليه وهو على فراش الموت يودعهم ويوصيهم ويفرغ نفسه فى  نفوسهم ويضع عقله فى عقولهم ويصب همته في همهم: دعا

المهلب بسهام فحزمت وقال (أفترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا   (لا)   قال أفترونكم كاسريها متفرقة؟ قالوا   (نعم)  قال فهكذا الجماعة

أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإن صلة الرحم تنشئ فى  الأجل وتثري المال وتكثر العدد، وأنها كم عن القطيعة فإن  القطيعة تعقب النار وتورث الزلة والقلة، فتحابوا وتواصلوا  وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا وتباروا تجتمع أموركم، وعليكم بالطاعة  والجماعة وليكن فعلكم أفضل من قولكم فإنى أحب للرجل أن  يكون لعمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب وزلة اللسان فإن الرجل  تزل قدمه فينتعش من زلته ويزل لسانه فيهلك.

اعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم  تذكره له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب واصطنعوا  العرب فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف  الصنيعة عنده؟ عليكم فى الحرب بالأناة والكيد فإنها أنفع فى  الحرب من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء فإن أخذ رجل  بالحزم فظهر على عدوه قبل أتى الأمر من وجهه ثم ظفر فحمد،  وإن لم يظفر بعد الأناة قيل ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء  غالب. وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين  وإياكم والخفة وكثرة الكلام فى مجالسكم)

اشترك في نشرتنا البريدية