نحن الآن في أحد البوارج الحربية ، وسوف ننتقل بك في أماكنها المختلفة ، لنعرف كيف تلقى القذائف منها بانتظام ، حتى تصيب أهدافها المطلوبة . والآن لنبدأ بأعلى غرفة في البارجة ، وهي غرفة القيادة ، فإنك تشاهد بها بعض الضباط البحريين يرقبون بالمراقب ( التلسكوبات ) ما يحيط بالبارجة لدائرة مدى نصف قطرها ١٢ ميلا فإذا لمحوا إحدى سفن العدو يسرعون في تقدير المسافة والسرعة ، ويحسبون سرعة الريح واتجاههه ، ويرسلون باشارة " تلفونية " كل هذه المعلومات إلى غرفة الخطط
ولنتقل الآن إلى غرفة الخطط ، حيث تسجل جميع البيانات التي تصل من غرفة القيادة ، فيقدر رجالها المرمى الحقيقي للقذائف وحمولتها ، ويرسلون إشارات بذلك إلى الأبراج أو الحصون الموجودة بالبارجة
وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى أحد هذه الحصون فهناك يتسلم أحد رجالها من غرفة الخطط المدى الصحيح ومقدار حمولة الطلقات ، ويسرع في توجيه المدافع في اتجاه الهدف المطلوب حيث سفن العدو
ويوجد أسفل كل حصن مخرن خاص يكون مهمة رجالة شحن القذائف المطلوبة وإرسالها إلى الحصن بمصعد خاص
وإذا ما تم شحن جميع المدافع يبلغ ذلك بإشارة كهربية باستخدام " لمبة " خاصة تضاء بغرفة المراقبة ، ويتلقى ضابط المراقبة بالغرفة العليا الإشارات المختلفة من الأبراج المتعددة
والآن نأتي لحظة رهيبة ، فعند ما يتلقى الضابط بغرفة المراقبة هذه الإشارات ، التي معناها أن جميع المدافع مستعدة ومشحونة بالقذائف ، وأنها مصوبة وجهة سفينة العدو ، فإنه يدير مفتاحا خاصا ، فتطلق القذائف كلها دفعة واحدة ، وتهتز البارجة هزة عنيفة من مقدمتها لمؤخرتها ، وتنطلق هذه القذائف كوميض البرق مدفوعة بقوة ، مصحوبة بصوت هائل ، محاطة بسحابة كثيفة من الدخان ، وتطير هذه الأطنان في الجو كأنها وابل من الحمم
تتم هذه العملية كلها بسرعة في لمحات زمنية قصيرة ، بل إن هذه القذائف تصيب الأهداف إذا كانت على بعد اثني عشر ميلا في نحو العشرين ثانية
ىولا تنتهي مهمة ضباط المراقبة عند ذلك ، بل إنهم يرقبون مدى إصابة القذائف التي اطلقت ، فيسجلون ذلك ؛ وإذا احتاج الأمر لعمل تصحيحات عملت فورا وبلغت إلي غرفة الخطط ، ويستمر شحن المدافع وإطلاق القذائف .
وتجهز البوارج بحيث يمكن إلقاء أكثر من مقذوف واحد في الطلقة الواحدة ، فيطلق مثلا اثنا عشر مقذوفا في المرة الواحدة ، ويتوالى إطلاق هذه الأطنان الثقيلة باستمرار
ومن المهام الملقاة على عاتق ضباط المراقبة أنهم يرقبون سير هذه القذائف حتى تهبط ، فإذا هبطت في الماء لوحظ ارتفاع الماء لعلو كبير كأنه فواران ، فتظهر لضابط المراقبة
كأنها خط أبيض ، فيحسب وهو في مكانه مقدار بعد هذا الخط عن قاعدة الهدف الذي ينبغي إصابته ، ويرجع إلى رسوم بيانية معه تساعده على تصحيح مقدار خطئه في مدى القذف ، ويمكنه في الوقت نفسه ملاحظة ما إذا كانت الإصابة يمين أو يسار الهدف ، فيغير لذلك الميل الضروري للقنابل التي تلقى في المرة التالية
وفي حالة ما إذا كانت المسافة كبيرة بين السفن التجارية ، كعشرين ميلا مثلا ، فانه يصعب على ضباط المراقبة مشاهدة إصابة الأهداف ، وعليهم أن يعتمدوا في هذه الحالة على خدمة الطائرات التي عليها أن تغامر وتطير فوق سفن العدو ، حيث ترسل لاسليكيا ملاحظاتها عن مدى إصابة القذائف وما يلزم من تعديل أو تغيير ، حتى تكون الإصابات مسددة تماما ، وتكون الطائرة معرضة بطبيعة الحال لوابل من قذائف المدافع المضادة للطائرات .
وإذا كانت الطائرة من راميات القنابل ، فإن علي قائدها أن يراقب من طائرته المرتفعة ويقدر اتجاه وسرعة الهدف الذي تحته مع حساب ارتفاع طائرته بالضبط ومن هذه التقديرات يسمح لقذائفه أن تهبط من طائرته لتصيب هدفها ؛ وإذا صادفه سوء الحظ وكان على السفينة المعادية بطارية أو بطاريتان من المدافع المضادة للطائرات ، والتي تصوب قذائقها نحوه ، فإن مهمته تصبح شاقة عسيرة ليركز اتجاه قنابله على السفينة . وفي مثل هذه الأحوال لا تكون تقديراته محققة ، وتكون إصاباته لبث الصدف ، وعلى مقدار مهارته في الإفلات من القذائف المصوبة نحوه .
وهناك فذائف الطوربيد التي تطلقها المدمرات ، ويقدر فيها ضابط القيادة سرعة واتجاه هدفه ، ويحرر وصول الطوربيدات لتتقابل مع خط سير الهدف الذي يصوب نحوه ؛ غير أن مهمته شاقة أيضا ، فهو يقوم بهذا التقدير وسط وابل كثيف من سحب الدخان الناتج من
فذائف العدو وقنابله التي يمطرها عليه .
وهناك الغواصات ، وهي تلعب دورا خطيرا في الحروب ، والغواصة هي السفينة الوحيدة التي لا صديق لها في البحر زمن الحرب ، فالسفن المعادية لها أو غير المعادية تصيبها بقنابلها بلا ثوان قبل أن تصيبها بضر من قذائفها المهلكة .
ومهمة قائد الغواصة مهمة حرجة ، فهو إذا اقترب من هدفه الذي يقصده يتحرك ببطء وحذر خشية الطائرات التي قد ترقب حركته تحت الماء ، فإذا تبينتها انقضت عليها الطائرة بمجرد لمحها ، وأمطرتها بشحنات محملة بأقوى ما يمكن من مفرقعات
فإذا امكن للغواصة أن تتفادى هذه الضربات القوية ، فإنها تزحف نحو ضحيتها المطلوبة ، وبنظرة خاطفة في " اليدسكوب " من قائد الغواصة يقدر اتجاه وبعد سفينة العدو ، بينما يكون هناك شخص آخر يقدر سرعة السفينة التى تسير بها ، ويرقب قائد الغواصة إصابة التوربيدات ، ليعدل في الإصابة الثانية إذا احتاج الأمر ، وحتى تنتهي مهمته بسرعة ليختفي تحت سطح الماء بعيدا عن الوابل الذي تلقيه عليه الطائرات ، والذي إذا أصاب الغواصة أودي بها في أعماق المحيط
هذه لمحة خاطفة تعطينا فكرة مبسطة عما يحدث في المواقع الحربية البحرية التي تتلمس أخبارها في الصحف اليومية ، دون أن تحس بهول ما يصادف القائمين بها من أخطار وموت محقق .

