حين يتقدم الليل ، تتصنعين الرقاد ، هادئة كالعصفور ، يأوى متعبا إلى عشه ، يضم رأسه إلى جناحيه ، ويغمض عينيه ، مستسلما لمشيئة الرحمن ، توهمين أهلك وأعزاءك أنك قد أغفيت - وإن كان رقادك على مضض - ليناموا هم بسلام . أهب من سباتى مذعورا ، فى بهمة الليل ، والسكون شامل ، وكل ما فى الغرفة أشباح غامضة ؛ فأتبين جسدك الرشيق كالطيف الشفاف ؛ وأجدك نائمة قد انحنى رأسك يكاد يلمس الفراش ، كأنك تسجدين لله ، عسى أن يرحمك ويخفف عنك العذاب ، تمدين فى حذر إلى كوب الماء يدا يكاد خاتم العرس القريب يسقط من إصبعها النحيلة . . فإذا ما تلاقت نظرتنا ، تبسمت وعدت إلى رقادك ، تظنين أننى لم أسمع أنتك المكتومة . .
كنت - لأنك فى ميعة الصبا ، ورفاهية من العيش تتوجعين من لسع بعوضة ، فتحملت مبضع الجراح يمزق لحمك بغير مخدر ، و كنت تتأذين من أهون الدواء ، فجرعت أشكالا وألوانا من سموم تهد الجبال ، وأنت صابرة . وكنت تجفلين من منظر ( الحقنة ) وتحسبين لها حسابا ، فعشت شهورا طويلة وهذه الابرة الكريهة نلاحقك وتنغرز فى عضلك كل ثلاث ساعات مرة ، ليلا ونهارا . . بل لقد رأيتها ذات يوم تغوص فى مقلتك ، وأنت لم تقتطي من رحمة الله . وجاء اليوم الذى اضطرب فيه صدرك ، واختنق حلقك ، وتلاحق زفيرك ، وتلجلج لسانك ، فأخذت تسألينني ببيدك عن الطبيب متى يأتى ؟ فلما همدت اليد أيضا تشبثت بى عينك تقول : هذه نهاية حياتى ! وكان آخر ما انبعث من حلقك بعد ذلك من أصوات هو أول كلامك وأنت فى عالم الأرواح .
دب إليك الداء ، لا كالحية الرقطاء تغرز انيامها فى حى لتسلها عن ميت ، بل كأفعوان هائل قد انعقد فى حلقات متشابهة ، بعضها فوق بعض ، لمسك أول الأمر بذيله فأشلتك اللمسة ونحن لا ندرى ، فلما اطمأن لعجز فريسته أخذ يتلوى ويتماوج ليخلص رأسه متمهلا يسيل لعابه ، متذوقا من قبل لذته . إذا رأى منك بادرة هروب لمسك من جديد بذيله لمسة رفيقة ، ونحن لا ندرى . واقتضته أيام وأسابيع وشهور طويلة لينفلت رأسه فيقيمه ويصوب إليك عينين كالجمرتين . ما كان أطول عذابك ! أتلوميننا إذا صرخت أنانيتنا اليوم وقلنا : لينها بقيت مريضة مقعدة ، وظلت بيننا أبدا . .
وطرق الباب طارق لم يسمعه أحد إلا طفلتها الرضيعة فها هو ضحكها ينقلب. لا ينقطع أربعة أيام . من القادم ؟ أيها الإدراك المكنون فى جسم رضيع : انطلق ولو أهلكك البوح ! ماذا رأيت ؟ والطارق صابر بالباب ، فلما جاءه الاذن دخل علينا ، فانبعثت منها رائحة صلصال مبتل ، لم تره عيوننا ، ولكن أرواحنا شعرت بقدوم ضيف غريب : عليه بشاعة العدم ، وجمال الخلقة الكاملة ، فيه اشراق الحكمة فى ذاتها ، وإظلام عبث جدواها ، نحن أيها القادم لا نعرفك إلا باسم واحد ! هو الرعب ! أحنينا أمامه الرءوس ، ووقفنا بين يديه جهلة حائرين . . ودار بينهما كلام أشرق له وجهها ، وطاب حديثها ، ورضيت نفسها . .
وخرجنا من حيرة الموت إلى حيرة أشد قسوة ؛ حيرة الحياة . كانت قد ارخت لنا قبضتها قليلا ، فسارعت وشدتها بقوة وجبروت على أولاد لها ضعاف حائرين . . أكلنا . . ونمنا ، وبعد أيام تسربت أولى الابتسامات إلى بعض الشفاه الحزينة ! .

