الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

الموت فى الأدب العربى

Share

لما يمت الأدب العربي ، وهيهات له أن يموت . بل إنه يتقدم شيئا فشيئا نحو الحياة والحياة النشيطة الموفورة ، إنما أريد أن أبحث في هذا المقال كيف تناول الشعراء الموت ، وكيف وقفوا حيال هذه الظاهرة الطبعية التي لابد أن تدرك كل حي . وليس من شك في أن شعراء العرب قد استعدوا جل أفكارهم من الدباجات المختلفة السائدة في جزيرتهم وفي الأقاليم المناخمة لها . وإن من يتصفح الشعر الجاهلي يجد لبعض الشعراء خواطر في الحياة وخطرات في الموت ، ولكنها لا تتبع نظرية من النظريات ولا تسير وفق فلسفة من الفلسفات ، يبد أنها برغم هذا كله تضم كثيرا من الحكمة وفيها كثير من الصواب كقول عدي بن زيد من شعراء الجاهلية :

أهل الديار من قوم نوح

                            ثم عاد من بعدهم وثمود

بينما هم على الأسرة والأنـ

                         حاط أفضت إلي التراب الحدود

ثم لم يقض الحديث ولكن

                        بعد ذا الوعد كله والوعيد

وأطباء بعدهم لحقوهم

                      ضل عنهم سعوطهم واللدود

وصحيح اضحى يعود مريضا

                         وهو أدنى للموت ممن يعود ؛

ومن أمثلة العصر الجاهلي كذلك ما قاله عبده الصفار

عن أمية بن الصلت الشاعر الجاهلي الذي قال عنه الرسول الكريم : آمن شعره وكفر قلبه . فقد ذكر أن أمية بن الصلت أغمى عليه طويلا عند وفاته ، ثم أفاق ورفع رأسه إلي سقف البيت وقال : ليكما ، ليكما ، هأنذا لديكما لا عشيرتي تحميني ولا مالي يفدينى ثم أغمى عليه طويلا وقال :

كل عيش وإن تطاول دهراً

                     سائر مرة إلى أن يزولا

ليتنى كنت قبل ما قد بدا لي

                  في رؤوس الجبال أرعي الوعولا

ولما جاء الدين الإسلامي تناول كتابه العزيز الموت بين ثناياه؛ قفال عز وجل : ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) وقال تعالى : ( كل من عليها فان . ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وقال أيضا : ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) ، وقد جاء في التوراة كثير من الآيات التي تدعو إلى الزهد وذم الدنيا واستحقار الحياة مثل هذه الآية : ( لعلك يا إسرائيل إذا أنت خرجت من البرية فدخلت الأرض المقدسة أرض بنى آبائك إبراهيم وإسحاق فإنها تفيض برا وشعيرا و ولبنا وعسلا ، فورثت بيوتا بناها غيرك ، وعصرت كروما غرسها غيرك، فأكلت وشربت وتنصت بشحم لباب القمح ضربت بيدك إلى صدرك ورمحت كما ترمح الدابة برجليها وقلت : بشدتي وبقوتي وبأسي ورثت هذه الارض وغلبت عليها ونسيت نعمتى عليك ) .

وقد تناول الشعراء الإسلاميون الموت في شعرهم وذموا الدنيا ، وطلبوا التهجد والتعبد والورع والتقى وتصوف نفر من المسلمين . ونظروا إلى الحياة نظرة استخفاف واستهجان كما ظهر نفر من الشعراء الزهاد كأبي العتاهية . ولعل هذا النفر من القوم تمثل بقول عبد الله بن مسعود ( الدنيا كلها غموم ، فما كان منها من سرور فهو ريح ) وقد تناول شاعر عربي الحياة والموت في بيتين فقال :

نراع لذكر الموت ساعة ذكره

                  وتعترض الدنيا فتلهو وتلعب

ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها

                      وما كنت منه فهو مني محبب

وقيل إن محمد بن كعب دخل على عمر بن عبد العزيز فحدق النظر إليه ، فقال له عمر : ما تنظر يا محمد ؟ قال : انظر إلى ما ابيض من شعرك وتحل من جسمك وتغير من لونك . فقال : أما والله لو رأيتنى  فى القبر ، وقد سالت حدقتاي على وجنتي وسال منخراي صديدا ودودا لكنت أشد نكرة .

عندما تناول أبو العلاء المعري الموت في شعره كانت له نظرة خاصة فيه . فهو يعتقد أن الحياة لون من السخف الذي لا طائل تحته . ويعتقد أن كل ذي روح ينبغي أن يعيش ، فحرم على نفسه أكل كل ذي روح . وقد ضم ديوانه " لزوم مالا يلزم " كثيرا من آرائه في الحياة ، فما الدنيا في نظره إلا ميتة وما الناس حواليها إلا كلاب نوايح ؛ غير أن الخاسر من يأكل منها كثيرا ، والكاسب من لا يا كل منها شيئا ، والدنيا دار لا ينبغي للعقلاء أن يبكوا على غيابها ، فما الظافرون بعزها ويسارها إلا قريبو الحال من خيابها ، فقال أبو العلاء :

إن حزنا في ساعة الموت أضعا

                       ف سرور في ساعة الميلاد

خلق الناس للبقاء فضلت

                          أمة يحسبونهم للنفاد

إنما ينقلون من دار أعما

                       ل إلي دار عقوة أو رشاد

ضجعة الموت رقدة يستريح الـــ

                      جسم فيها والعيش مثل السهاد !

وإذا مات الإنسان لم يحفل بجسمه أبو العلاء ولم يرض تكريمة ، بل يري أن يواري في التراب أو أن يفعل به أي شئ . فإنه لا يحس ولا يتألم وقد ضمن هذا المعنى في قوله :

تكرم أوصال الفتى بعد موته

                   وهن إذا طال الزمان هباء

وقد ذكر معالي الدكتور طه حسين باشا في كتابه تجديد ذكري أبي العلاء هذه الملاحظة ، كما أضاف إليها أن أبا العلاء استحسن غير مرة تحريق الهند موتاهم وأحبه فقال :

والنار أطيب من كافور ميتنا

                      غيا وأذهب للنكراء والريح !

وهكذا زخر الأدب العربي بشعر الموت وكثر الرثاء في الشعر ، وقد قيل إن الرثاء أجود شعر العرب ، لأنه أصدق عاطفة ولأنهم يقولونه ونفوسهم مفجوعة .

وقد ذكر ابن رشيق في كتاب ( العمدة ) ص ١١٨ أنه ليس هنالك فرق بين الرثاء والمدح إلا أن يخلط بالرثاء شئ يدل على أن المقصود به ميت ، مثل كان أو عدمنا به كيت وكيت أو ما يشاكل هذا ليعلم أنه ميت ، وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع بين الحسرة مخلوطا بالتلهف والأسف والاستعظام إن كان الميت ملكا أو رئيسا كبيرا كما قال النابغة في حصن بن حذيفة :

يقولون حصن ثم تأبي نفوسهم

                  وكيف يحصن والجبال جنوح

ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل

                       نجوم السماء والأديم صحيح .

وأبو تمام من المجيدين في الرثاء ، ومثله عبد السلام بن زغبان المعروف بديك الجن . وهو أشد في هذا من حبيب وله فيه طريق انفرد به . ومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المرائى بالملوك الأعزة والأمم السالفة والوعول الممتعة في قلل الجبال ، والأسود الخادرة في الفياض وبحمر الوحش المنصرفة بين القذار والنسور والعتبان والحيات لبأسها وطول أعمارها ، وذلك في أشعارهم كثير موجود لا يكاد

يخلو منه شعر . أما المحدثون فهم إلى غير هذه الطريقة أميل ، وربما أتوا بالجديد إلي جانب أخذهم بالتقليد ، ومن أفضل الرثاء في نظر ابن رشيق قول حسين بن مطير يرثي معن ابن زائدة :

فيا قبر معن كنت أول حفرة

                  من الأرض خطت للسماحة مضجعا

وباقبر معن كيف واريت جوده

                        وقد كان منه البر والبحر مترعا

فني عيش في معروفه بعد موته

                       كما كان بعد السيل نجراء مترعا !

هذا وقد مزج كثير من الشعراء الحب بالموت على النحو الذي يفعله شعراء الفرنجة حيث تزخر بعض دواوينهم بهذا الموضوع كفن مستقل قائم بذاته ؛ ومن هذا الضرب في أدب البالاد الإنجليزي قصيدة الشاعر بوليوس ميكل قاعة كمنر Cumnor Hall التي يصور فيها علاقة أمي زوزبات الشريف لستر ويصور فيها كيف أنه أثر الملكة اليزايت عليها بدافع من الطموح في المجد والرغبة في السيادة وكيف تمثل الموت حباله بعد ذلك . وكان ممن تناول الحب والموت في الأدب العربي الشاعر الغزلي الرقيق جميل بثينة الذي قال في إحدي قصائده :

أعوذ بك اللهم أن تشحط النوي

                        ببثينة في أدنى حياتي ولا حشري

وجاور إذا مامت بيني وبينها

                    فيا حبذا موتي إذا جاورت قبري

عدمتك من حب أما منك راحة

                          وما بك عني من ثوان ولا فتر !

كما تناول جميل بثبتة الحب والموت في أبيات أخري :

من حبها اتمني أن يلاقيني

                         من نحو بلدتها ناع فينعاها

كيما أقول فراق لا لقاء له

                      وتضمر النفس بأسا ثم نسلاها

ولو تموت لراعتني وقلت ألا

                       يا بؤس الموت ليت الموت أبقاها

وقال ابن رشيق : ومن جيد ما رثى به النساء وأشجاه

وأشده تأثيرا في القلب وإثارة للحزن قول محمد بن عبد الملك الزيات في أم ولده :

ألا من رأي الطفل المفارق أمه

                     بعيد الكرى عيناه تبتدران

رأي كل أم وابنها غير أمه

                     يبيتان تحت الليل ينتجيان

وبات وحيدا في الفراش تحثه

                     بلابل قلب دائم الخفقان

هذا وقد ذكر صاحب العقد الفريد أنه كان لمعلى الطائي جارية يقال لها ( وصف ) وكانت أديبة شاعرة باعها المعلي في مصر بأربعة آلاف دينار ، ودخل عليها فقالت له : بعتنى يا معلى ؟ قال : ثم قالت : والله لو ملكت منك مثل ما تملك مني ما بعتك بالدنيا وما فيها . فرد الدنانير واستقال صاحبه ، ثم أصيب بها إلي ثمانية أيام فرثاها أفجع رثاء ، وبكاها أشد بكاء !.

يا موت كيف سلبتني وصفا

                        قدمتها وتركتني خلفاً

هلا ذهبت بنا معا فلقد

                     ظفرت يداك قسمتني خسفا !

وهكذا تناول الشعراء الموت في الأدب العربي وكان ذكرهم للموت صادقا خالصا كما كان ذكرهم للموت مستمدا من الدين الإسلامي حيث جاء في الحديث المرفوع ( الموت راحة ) كما قال بعض السلف ما من مؤمن إلا والموت خير له من الحياة ، لأنه إن كان محسنا فالله يقول ( ما عند الله خير للأبرار ) ، وإن كان مسيئا فإنه تعالى يقول ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خيرا لأنفسهم ، إنما نملى لهم ليزدادوا إثما) (المحاسن والأضداد للجاحظ ص ٢٥٤ ) اللهم إلا شعراء قلائل عرفوا بمذهب خاص كأبي العلاء المعري وبعد شعر الرثاء في الأدب العربي من أهم الأبواب التي ذكرها المصنفون والنقاد كأبي تمام في ديوان الحماسة ، وقد مزج بعض الشعراء الحب بالموت على النحو الذي يلجأ إليه شعراء الفرنجة ، فكان هذا اللون من أحب ألوان الشعر إلي النفوس وأوقع ألوان الشعر في القلوب !! ...

اشترك في نشرتنا البريدية