الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44 الرجوع إلى "الثقافة"

الموت والحياة فى فلسفة إقبال

Share

محاضرة ألقاها في حفلة لتأبين " إقبال" في الهند باللغة الأردية الدكتور رضي الدين الصديق ، وترجمها إلى العربية الأستاذ محمد حسن الأعظمي الهندي ، ونظم أبياتها الشيخ صاوي الشعلان . ويرى فيها القارئ أمثلة بينة عن آراء " إقبال " في الحياة والموت ، والجهاد والاستكانة ، وصورًا من فلسفته التي جعل محورها "الذاتية" وحشد لتوضيحها كثيرًا من بدائع الفكر والشعر ، وعبر التاريخ والحياة ؛ ولعلها فاتحة لامتاع قراء العربية بقطع رائعة من فلسفة إقبال وشعره ؛ ولا ريب أن القوة والأمل في هذا الشعر يلائمان أحوالنا التي تقتضي كل إنسان ما في فطرته من إيمان وعزم ، وجهاد وصبر . والذي قرأ شعر "إقبال" بالأردية ، وعانى ترجمة الشعر نظمًا يعجب كل الإعجاب بمقدرة المترجمين ، ويشهد أنهما أصابا التوفيق في هذا العمل الجليل . وستنشر جماعة الأخوة الإسلامية عما قليل كتابًا يتضمن كثيرًا من فلسفة إقبال وشعره ، يشترك في تأليفه جماعة من الأدباء المعجبين بهذا الفيلسوف الشاعر الإسلامي الخالد ...

-١- كان شبح الموت المخيف الرهيب يبدو أمام الناس جسيمًا عظيمًا ، وبقدر ما كانت جسامته وخطره كان يبدو في عين "إقبال" ضئيلا متلاشيًا . لعله كان يرى أن العقبة الكؤود في طريق رقي المسلمين هي مخافة الموت . ووجد أن خوف الموت معناه أمر واحد ، وهو ترجيح حياة الذلة والعبودية على موت الشرف والكرامة ، فحاول أن ينتزع هذا المرض النفسي من صدور أهل الإسلام ، مبينًا أن خوف الموت والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد ، وأن الذين تسئموا غارب العزة والشرف هم الذين حملوا رءوسهم على أكفهم في ميدان الكفاح ، لا تنخلع قلوبهم قرقًا ولا ترتعش عزائمهم جبنًا . وإنما يقبلون على الموت إقبالهم على العرس ، مؤمنين بالفوز في الدنيا والسعادة بلقاء الله . " قل هل تَرَبَّصُون بنا إلا إحدي الحسنيين " . (فإما النصر وإما موت فيه الفخر) . ثم يذكرنا بأسلافنا الماضين الذين ملكوا الممالك وأدالوا الدول ، ووطئت خيولهم القلاع والحصون ، وما اشتروا هذا المجد إلا بدمائهم فهو في قصيدته " الشكوى " يذكرنا بهذه الحقيقة في جلاء حيث يقول :

فوق الصوامع والكنائس صوتنا

قد كان يعلو بالأذان جهارا

تترنم الصحراء في إفريقيا

بصلاتنا وتسابق الأطيارا

كنا نقدم للسيوف صدورنا

لم نخش يومًا غاشمًا جبارا

وكأن ظل السيف ظل حديقة

خضراء تنبت حولنا الأزهارا

ثم يقول :

لو فرت الآساد في آكامها       لم يلق غير ثباتنا الميدان

وكأن نيران المدافع في صدو     ر المؤمنين الروح والريحان

ويصف ذلك المسلم الذي ينطلق كالسهم النافذ إلى العدو بعد أن يكبر تكبيرة الجهاد في الميدان ، يقول : ذلك المؤمن المجاهد يغشى     غمرة الحرب والردى يخشاه

تحت ظل السيوف ماض قوي

درعه لا إله إلا الله

ويبين لنا بعد ذلك أن الحالة قد تغيرت ، وأن سنة الأقوام قد تبدلت ، واستحكم الجبن في قلوب الكثيرين من المسلمين , وأصبحت وجوههم تصفر اصفرار الشمس عند

الأصيل إذا ذكر الموت أو الحرب . ثم يخاطب الذين يمنعون الجهاد ، وبين لهم أن واعظكم أصبح في المساجد غير نافع للأمة ولا مغن عنها في حياتها الحاضرة شيئًا : لم يبق في يد مسلم درع ولا سيف يصول به ليوم جهاد ولو أنه وجد السيوف فهل له ذوق الخلود وحب الاستشهاد ؟ من كان يجزع من منية كافر هل يستطيب مصارع الأمجاد ؟

إذا كان المرء مخلصًا لله حق الإخلاص وإذا كان واثقًا بأن الموت ليس إلا العقبة الأولى التي يجتازها المرء إلى الحظيرة الأبدية والمتعة بلقاء الله . أقول إذا كان الإيمان هكذا فلا محل لخوف الموت ، أما أولئك المضطرون الخائفون فهم شاكون في لقاء الله وفي الخلود ، ثم هم يعبدون المال ويؤثرون الحياة الدنيا ويظنون أن هذه الحياة المادية هي المرحلة الأخيرة للسعادة ، لذلك يخشون أن يموتوا فيحرموا . و " إقبال " يحكم على هؤلاء بأنهم فقراء وأن نارهم لا تساوي التراب وهم على كل حال سيموتون طوعًا أو كرهًا :

المؤمن الحق كان الله غايته       والله كان لديه السمع والبصرا

والآن أضحى إله المال كعبته     وخوفه الموت أفناه وما شعرا

سِيان في الشرك هذا عابد ذهبًا

يسعى إلى جمعه أو عابد جحرا

يا مؤمنًا بلقاء الله ما لك في

ذعر من الموت قد أشبهت من كفرا

قد عاد قلبك مَيْتًا بين أضلعه

كأنه في حنايا الصدر قد قبرا

من كان يحسب أن الموت هاوية

وأنه عدم يستأصل البشرا

فنار آماله ينحط عنصرها

إلى التراب ويلقى الموت محتقرا

لما كان سم الموت ساريًا في كل الدماء البشرية فقد حاول إقبال أن يوجد من السم نفسه ترياقًا ، وكيف استطاع أن يصل بمهارة إلى استخلاص هذا الدواء الغريب ؟ إنه عمد إلى تذكيرنا بأن الموت أمر محتوم ، وأن لكل إنسان أجلًا محدودًا ، وإذا كانت هذه النهاية قضاءً نافذًا في الخلائق ، فالخوف منها لا يجدى فتيلا ؛ ومحاولة الفرار مع كونها جبنًا وانحطاطًا في الوجدان مخالفة لحكم العقل وصواب التفكير أيضًا . فالعاقل لا يفكر في النجاة من القضاء المبرم ، كما لا يفكر في أن ينفذ من أقطار السموات والأرض ، وهو في هذه الحالة إلى الجنون أقرب وبالمجانين أشبه . ولهذا عرض لنا عدة صور تمثل فناء هذا الكون ، وهي صور من حوادث الطبيعة تحمل إلينا فنًّا بديعًا في منظرها الرهيب المخيف ، وتذكرنا عند مطالعتها بعوالم السموات والأرض جميعًا في طريقها إلى الانتقال أو الزوال ، تعالج فينا خوف الموت ، تنبهنا من غفلتنا وترفع عن أعيننا أغشية الغرور والركون إلى زهرة الدنيا وفتنتها .

تحت نور الأفلاك عيش جميل       وأرى النور ينطفي ويحول

وعلي كاهل المساء تري للشمس نعشًا بكى عليه الأصيل

في سنا البدر للكواكب أكفا

ن توارى بها الشعاع النحيل

بينما هذه الجبال حصون             وإذا صخرها كثيب مَهيل

وتقيم الأمواج في البحر أبرا          جا ومن أوجِها الرفيع تزول

ورياح الخريف تكمن للزه            ر وفي ثغره ابتسام بليل

ثم تأتيه ساعة يذهب الزه             ر هشيما وقد طواه الذبول

ليس زاد المسافرين سوى الخو      ف من الموت والحياة رحيل

                              ***

رب لحن فاق البلابل سحرًا          في ضمير الأوتار مات جنينا

شرر النار قبل أن يبلغ المهد         توارى تحت الرماد دفينا

                              ***

قطرات الندى على الورد تجري      

لؤلؤًا سائلا على مَرجان

لم تكد تُسْعِد النواظر حتى          بدد الريح شملها في ثوان

***

إن كأس الردى تطوف على الدن    يا وتسقي أبناءها أجمعينا

وبلا موعد ودون انتظار             تَبغت الأولين والآخرينا

عالم الكون كله عالم المح         و الذي فيه مصرع العالمينا

وقد حاول أن يبدد من النفوس استسلامها إلى الدنيا

وإخلادها إلى نعيمها الزائل ، ودعانا إلى الحذر منها

والاحتياط فيها ، فقدم هذا التشبيه الرائع في هذه الأبيات :

مثل الحياة كطائر مترنم             غنى فأرقص حوله الأزهارا

ما كان أعذب لحنه لكنه            كالحلم حلق في الفضاء وطارا

***

لا يعلم الإنسان كيف أتى إلى       دنيا المتاعب أو متى يترحل

ما نحن في الأكوان إلا دوحة       أوراقها عما قليل تذبل

يا أيها الحريص ابك في الدنيا دما

دنياك ليس بها لحيٍّ منزل

***

إن الحياة شرارة لم تبتسم           إلا لتجعلنا لها أحطابا

في عُرس دنيانا مآتم للردى         تطوي شيوخًا في البلا وشبابا

والمرء لم يبرح أسيرًا حائرًا         ما بين سر الأمس أولغز الغد

إن الحياة على الأنام بخيلةٌ         بدوامها والعيش غير مخلد

الموت فيها هين كنسيمها

والعيش أصعب من من منال الفرقد

الله تعالى هو المتفرد بالبقاء ، وجميع العالم لابد أن يفنى ، وتفسير حلم الموت جرى في حياة الملوك والصعاليك والعظماء والسوقة . أما خلود الإنسان فهو من تقدير الله في الأزل ، إلا أن هذا الهيكل الترابي الناقص لابد أن يمر عليه الموت ، ولا بد أن يمر الإنسان من هذا العالم المملوء بالحوادث التي لم تترك صحراء ولا مدينة ، ولم ينج منها بر ولا بحر ، وفي ذلك يقول : الرعد والبروق والزلازل      والقحط والآلام والنوازل

نبات دنيانا التي لا تلد      إلا خوبًا جمرها متقد

في الكوخ والقصر وفي الصحراء

والمدن المنيعة الشماء

وفي رياض البليل الرنان     وفي تلال البوم والغربان

يقتحم الموت بجيش القدر

حصون نقفور وبطش القيصر

إذا رأيت الموج في البحر سكن

فالموت كامن لإغراق السفن

لا نغم العود ولا شكوى الحزين

ولا ابتسام البشر أو دمع الأنين

ولا امتشاق السيف بين الدارعين

ولا صدي التكبير بين الهاتفين

يعيد نبض القلب في الصدر الخراب

أو يرجع النفس إذا حان الذهاب

تعد هذه الصور الشعرية التالية فخرًا لكل لغة ، ونغما شجيًا لكل لسان ، فهو يوضح لنا أن الآلام لا بد منها لتمحيص الإنسانية ، وعلى نيرانها تنضج الأرواح القوية ، ولا يمكن الوصول إلى الأفراح إلا بعد الأحزان ، ولا تنقش الحكمة على القلب إلا بحروف من دمه ، والبليل الذي لم يعرف قسوة الخريف لا يحسن استقبال الربيع ، والآلام هي الطريق إلى النور والدرجات العالية في معراج العظمة ، والذي لم يعرف أنين المساء والعاشق الذي حُرم في هواه من حسرة جواه ، وقاطف الزهر الذي حافظ على يده سليمة من الشوك ، والذي قضى طول عمره في الرفاهية والترف ، لم يكدح في تحصيل علم ، ولم يكد في اقتناء فن وإحياء عبقرية - أولئك جميعًا محرومون إلى الأبد من الإحاطة بكنوز أسرار الحياة واستخلاص الذهب من مناجمه العميقة . يقدم لك هذه الأمثال الجميلة في هذه القصيدة : إن كانت الحياة خمرًا صافيًا      يغمرنا من رأسنا إلى القدم ففي الدموع للحياة جدول        تصفو به النفس وتنبت الهمم إن حباب خمرة الآمال لا        يرقص إلا فوق أمواج الألم

والله في حكمته علمنا

أن انشراح الصدر قبله ألم

عواصف الخريف في ليل السهاد

علمت البلبل ترجيع النغم

دم الأماني فيه للشعر مداد

وفي خطوب الدهر أسفار الحكم

***

نشيد هذا الكون يبدو ناقصًا

حتى يتم الدمع ألحان النشيد

ما أيقظ الشباب من سكر الهوى

إلا الأسى ينبه العقل الشريد

***

يا رب شاك صاغ في آلامه

جواهر الألحان من بحر الأنين

قد كان مثل العود في أحلامه

فأيقظته ضربات العازفين

***

آلامنا إلى العلا أجنحة       تعلو بها فوق مطارات النسور

الروح سرٌّ والحياة ظلمة      وشعلة الآلام للأرواح نور

في خفقان القلب لحن صامت   لم تحكه غصونها الطيور

***

إن الذي لم يدر أنات المساء     ولم تسامر عينه نجم السماء

ولم يحطم جام قلبه الأسى        ولم ينر ظلام ليله البكاء

والسادر اللاعب طول عمره       لم يستمع إلا إلى عذب الغناء

والعاشق المحروم في غرامه        من لوعة الذكرى وحسرة الجفاء

ومجتنى الزهر الذي لم تختضب    يداه في الشوك بحُمرة الدماء

جميع هؤلاء مهما سعدوا       من نعم الدنيا بأمن ورخاء

فإن أسرار الحياة تختفي        عنهم وهم عنها دوامًا في اختفاء

اشترك في نشرتنا البريدية