الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 590الرجوع إلى "الثقافة"

الموسم الفرنسى للتمثيل المسرحى

Share

قدمت فرقة الكوميدي فرانسيز هذا العام مسرحيات كانت بمثابة " عينات " من المسرح الفرنسي في جميع أطواره ومراحله . فهي تحتضن حقبة من الزمن تمتد من القرن السابع عشر مع موليير إلى القرن الثامن عشر مع ماريفو إلى القرن التاسع عشر مع موسيه إلى القرن العشرين مع مورياك ويوردبه .

وقد أعطت الفرقة مسرحيتين لموليير إحداهما " طبيب بالرغم منه " ، وهي ليست من هزلياته الكبيرة التي نجد فيها دائما جانبا من المأساة ، والتي تتميز بالتحليل النفسي العميق ورسم الشخصيات الدقيق ، وإنما هي فكاهة Farce أهم عناصرها هو الهزل الذي يضحك ويذهب الهم ويملأ النفس بغبطة كثيرة ومرح جم . وتتلخص هذه المسرحية في أن سجاناريل الحطاب الكبير ضرب امرأته مارتين لأنها تلومه لمسلكه . فأضمرت المرأة الانتقام منه . وسنحت لها الفرصة عند ما رأت رجلين يبحثان عن طبيب لمعالجة ابنة سيدهما جيرونت التي أصيبت بالبكم . فتنصح لهما مارتين أن يذهبا إلى الغابة المجاورة ويبحثا عن رجل يدعي سجاناريل ، وهو نطاسي بارع " يصنع المعجزات " . ولكنها تفهمهما أنه لا يكشف عن هويته ولا يظهر براعته إلا إذا ضرب ضرباً مبرحاً . وبلقاء الرجلان ، وعندما ينكر درايته بالطب ، يضربانه " علقة ساخنة " فيضطر إلى الاعتراف بما يريدان ، ويصحبهما إلي بيت سيدهما . ويفحص " الطبيب " المريضة ويعلن تشخيصه للمرض في لهجة خطابية قائلا : إن الفتاة بكماء " لأنها فقدت النطق" وهي قد فقدت النطق " لأنها لا تستطيع الكلام " . ويدهش الحضور لفنه وخبرته ! وتتعاقب طيلة الفصول الثلاثة الفكاهات اللطيفة والمواقف المضحكة .

أما المسرحية الثانية فهي " مريض الوهم " ، وهي آخر ما ألف موليير . إذ أنه أحس يتعب مفاحئ في أثناء قيامه بتمثيل دور المريض ، ثم أخذ ينفث دماً من فمه وقضي نحبه

بعد ساعات . وقد خلفت هذه النهاية الأليمة حول التمثيلية أثر باقياً من الحزن والكآبة . ولا يبدو في موضوع هذه المسرحية لأول وهلة شئ من المرح أو الفكاهة ، فهي قصة رجل موله بالمرض حتى الجنون ، رجل يريد أن يظل مريضاً رغم أنف الطبيعة . ولكن المواقف المضحكة التى يثيرها والتي تدفع إليها الشخصيات الأخرى تأتي لتشبع المرح وتجرد هذا الانحراف النفسي من الطابع المحزن المنفر الذي قد يكون عالقاً به . وبهاجم موليير في هذه المسرحية إحدي نواحي الضعف الشائعة لدي البشر ، وهي ذلك الحب المفرط للحياة والتشبث بها ، وذلك الاهتمام البالغ بالصحة والذي يساء فهمه فيجاوز كل الحدود ، والذي يعمل علي تدهور الصحة أكثر مما يعمل على صيانتها ، وهذه الثقة العمياء في الطب والأطباء ، وإساءة استعمال الدواء ، فينتهي الأمر به أن يأتينا بما ليس لدينا من الأدواء بدلاً من أن يعالج ما لدينا منها . وفي الحقيقة أننا نجد لدي هذا المريض الموهوم كل النقائص التي تتصل بهذا الضعف النفسي : نجد لديه الأنانية ، فهو يريد أن يزوج ابنته من رجل لا تحبه لأنه طبيب ، وهو يريد طبيباً بالقرب منه ، ونجد لديه سرعة الهياج والغضب ، فهو يثور لأتفه الأشياء ، ونجد لديه الفظاظة والقسوة ، فهو يعامل ابنتيه اللتين فقدنا أمهما معاملة ظالمة ، حتى إنه قرر أن يضع كبراهما في الدير ، وتجد لديه سرعة التصديق والسذاجة ، فهو يخدع بسهولة ، ليس فقط بمظهر أدعياء الطب المحتالين الذين يبتزون ماله ، وإنما كذلك بتودد المرأة التي تزوجته طمعاً في ثروته والتي تكرهه وتحتقره وتريد أن تسلخ جلده قبل موته ، ونجد لديه العناد والصلابة ، فهو لا يسمع لنصائح أخيه أو خادمته اللذين يريدان خيراً به .

وقدمت الفرقة كذلك مسرحية " لعب الحب والحظ " لماريفو الذي ابتكر لوناً من ألوان الأدب المسرحي ، يمكن تسميته " بملهاة الغرام " حيث يتخذ الحب أهمية تجعل

منه الأصل في كل النوازع والمحرك لكل الدوافع . ويحدثنا ماريفو عن نفسه فيقول : " لقد ترصدت في القلب البشري كل الزوايا الخفية التي يمكن للحب أن يختبئ فيها ، عندما يخشى الظهور والإبانة عن نفسه . وكل واحدة من تمثيلباتي ترمي إلى هدف واحد ، هو أن تحمله على الخروج من إحدى تلك الزوايا ( . والحب كما يراه ماريفو عاطفة شريفة حبيبة ، تداري نفسها وتنكر وجودها . والعقبات التى تصادف هذا الحب لا تأتي من الخارج وإنما من الداخل ، أي منه هو نفسه . وهذا الحب الذي يخجل من نفسه هو الذي يسلط ماريفو الضوء عليه ليرغمه على الظهور والتكشف . وينحصر فن ماريفو في تحديد ظلال هذا الشعور الدقيق وتبيان مدارج ألوانه ، وتسجيل مظاهر تردده وحياته وتناقضه مع نفسه ، وكشف الحيل التي يلجأ إليها قلبان يبحث الواحد منهما عن الآخر بدافع غريزي ، واللذان يبدوان كأنما يلعبان " استغماية " وبالاختصار تصوير كل ما يسبق أو يمهل أو يؤدي إلى الاعتراف بالحب . وفي هذه التمثيلية نري كيف أن سيلفيا التي تنكرت في هيئة وصيفة لكي تدرس دورات الذي يراد تزويجه منها بدون أن يعرف أنها فتاته . تجد نفسها وجها لوجه أمام خادم هو دورانت نفسه الذي خطرت له الفكرة ذاتها فتنكر في هيئة خادم ليدرسها عن كثب ، وكيف أن كلا منهما أغرم بالآخر وهو مسلوب الإرادة .

وشاهدنا لألفريد دي موسيه مسرحية " الشمعدان" وملخصها أن جاكلين وهي زوجة مسجل عقود من أهل الغفلة ، لها عشيق هو ضابط جريء مزهو بنفسه . وفي ذات ليلة كاد العاشفان أن يؤخذا على غرة في حالة تلبس ؛ ومن ثمة بدا للضابط ، لكي يصرف عنه ظنون الزوج ، خاطر طريف ، فعرض على جاكلين أن تتخذ ما يسمونه في لغة الضباط " بالشمعدان " أي شابا تقربه إليها بقصد التمويه . فيكون هو محط الأنظار ومثار الشكوك وما دامت الصلة بينهما بريئة ، فلن يحدث ما لا تحمد عقباه ، لأن الحقيقة هي التي ستظهر في كل مرة ، وبذلك يبقى العاشق الحقيقي بمنجاة من الأخطار . فوقع اختيار الزوجة على شاب من بين الكتبة الذين يعملون عند زوجها ، وهو كثير الخجل ولكنه مشبوب العاطفة ، وكان يضمر لها أشد الهيام . وقد

نجحت الحيلة . ولكن الأمر ينتهي بأن تقع الزوجة في غرام " الشمعدان " وتهجر الضابط من أجله .

وتسود الفصلين الأولين روح الدعابة والسخرية ، ويسيطر في الفصل الثالث الشعور بالحزن والكآبة وعنف الهوي ، مما يضفي عليه مسحة من الشاعرية الرقيقة .

وقدمت الفرقة كذلك مسرحية " آسموديه " لفرانسوا مورياك . وأسموديه هو الاسم الخرافي لشيطان اللذات المحرمة . وكان القصص الفرنسي ليساج قد جعل منه الشخصية الرئيسية في قصته : " الشيطان الأعرج " الذي يرفع السقوف عن المنازل ويكشف عن أسرار سكانها . وفي هذه المسرحية ترى كيف يتلاعب شيطان الغرام بالأفئدة ، فنري رجلاً يعمل كمثقف لأبناء إحدي الأسر ، يحب الأم التي مات زوجها حباً جنونياً ، بالرغم من تفاوت المركز الاجتماعي بينهما ، ولكنها لا تبادله تلك العاطفة . ونري امرأة أخري تعمل أيضاً لدي الأسرة تحب هذا الرجل حباً جنونياً ، ولكنه لا يبادلها تلك العاطفة . ونري الأم وقد وقعت في غرام فتي انجليزي يافع نزل ضيفاً على الأسرة بالرغم من تفاوت السن بينهما ، والفتي لا يبادلها هذه العاطفة ، فهو بعب ابنتها التي تحبه بدورها . ونري الوصيفة والحزن يكاد يقضي عليها لانصراف المثقف عنها إلى الأم . وترى هذا المتثقف فريسة للغيرة التى تكاد تودي به لا نصراف الأم عنه إلى الفتى . ونري الأم فريسة كذلك للغيرة التى تأكل قلبها لانصراف الفتي عنها إلى ابنتها . ولكن هذا الحب الطاهر الوحيد الذي جاء في موضعه ، هو الذي ينتصر في النهاية .

وفي مسرحية " الأوقات العصيبة" لادوار بورديه ، ترى تصويراً رائعا لحياة الطبقة البورجوازية والمتاعب التى يجرها المال ، سواء كان ذلك في التوفر على جمعه ، أو إهمال شأنه أو الطمع في الحصول عليه . ونري فيها رسماً دقيقاً للشخصيات ، وأقواها هي شخصية جبروم رجل الأعمال الذي يمضي حياته في عبادة صنم المال في معبد " المكاتب والشركات " ، والذي نراه دائما متعباً ، قلقاً ، مكتئباً . ونلمس في هذه السرحية بالرغم من جو الواقعية الذي يسودها مسحة شاعرية رقيقة ، وتلك هي سمة الفن الصحيح .

اشترك في نشرتنا البريدية