الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1024الرجوع إلى "الرسالة"

الموقف الأكبر ...

Share

أدى الكاتب فريضة الحج هذا العام , وقد نشرنا له فى عدد مضى من الرسالة فصلا عن " الدعوة الوهابية وأهدافها الدينية والسياسية " وفيما يلى يحدثنا عن الموقف الاكبر في عرفات ..

قال صديقى : - هنيئا لك حجك فى هذا اليوم ؛ إنه يعدل سبعين حجة !

قلت : وما ذاك ؟ قال : لقد كانت حجة الوداع فى يوم جمعة , وهو يومنا هذا ؛ ولهذا قيل إن الحج إذا وقع فى يوم جمعة , تضاعف أجره سبعين مرة ...

قلت : إن الذى يضاعف أجر الحج ليس وقوعه فى هذا اليوم أو ذاك , وإنما فى وقوعه من القلوب بمنزلة الإيمان الواعي البصير , الذى تنعكس أنواره فتسرى فى الشاعر كالكهرباء , تم تترجمها المشاعر إلى أعمال مبرورة , وكلم طيب يرتفع بصاحبه إلى السماء !

ولاحت لنا عرفات، ذلك السهل المنبسط الفسيح؛  وقد أقيمت فيه الخيام على مد البصر، وفي أقصاه جبل  (إلال) أو جبل الرحمة كما يقولون، وقد بدا كأنه جبل  من البشر لا من الصخور. . .

إن آلاف الحجاج يغطون جوانبه حتى القمة , وإنك لتشهدهم هكذا حتى فى وقت الظهيرة تحت وهج الشمس المحرقة , وفى أتون الحر اللافح الشديد !

وارحمتاه لأولئك المسرفين فى العبادة , تنطلق بهم اشواقهم إلى بعيد , حتى لتكاد تبلغ بهم المهالك، وهم هائمون ذاهلون ...

وليس ذلك من الإسلام فى شىء أيها الإخوة المسرفون أيها المسرفون على أنفسهم , وعلى دينهم السمح اليسير ؛ هذا الدين الذى لن يشاده أحد إلا غلبه , مهما أوتى من قوة وطاقة , ومهما اصرف على نفسه من جهد وعناء

خدوا ذلك عن سيد العابدين , وأوغلوا فى الدين برفق كما يقول

ثم ما هذا الوقوف على جبل " إلال " وما مكانه من مناسك الحج كما شرعها محمد بأفعاله وأقواله ؟

إن الحج عرفة , ذلك السهل المتبسط الفسيح . وكل مكان فيه موقف لأداء هذه الفريضة , وقد وقف الرسول عند جبل " إلال " ولم يصعد جانبه او يتسم قمته كما يفعل هؤلاء الغلاة المسرفون ؛ وأقر مئة ألف من أصحابه على الوقوف حيث هم  من ذلك السهل المتوسط الفسيح , يتوجهون إلى الكعبة بالتهليل والتسبيح والدعاء

وارحمتاه لأولئك المسرفين على أنفسهم وعلى دينهم ! إن منهم من يقدم إلى الحج فى أخريات أيامه , محطما هزيلا مهالكا من شيخوخة و إعياء ؛ وليست لديه إلا أمنية واحدة , هى أن يموت فى هذه الأرض الطاهرة البيضاء ...

وهو فى سبيل تحقيق هذه الأمنية التى تملك عليه كل مشاعره ؛ يحاول جاهدا ان يتمجل هذه النهاية , ويختصر فى الوصول إليها أسباب الحياة !

إنه يجد فى أشعة الشمس المحرقة خيوطا ترقى عليها روحه إلى السماء , فهو يتعرض لها ويتشبث بأسبابها ليبلغ من أمنيته ما يريد ...

وهو يقسو على شيخوخته وضعفه، بل إنه ليمد هذه  الشيخوخة وذلك الضعف بما يدفعهما به دفعاً إلى مصيره

الرهيب الحبيب !

إنه الانتحار ... الانتحار على أخبث صورة وأبعدها فتتة وضلالة ؛ لأنه انتحار يلبس ثوب الشهادة فى سبيل الله ؛ والله ورسوله من ذلك براء

وجدير بى وأنا أتحدث عن أولئك المسرفين على أنفسهم وعلى دينهم , من أمثال اولئك الشيوخ الغافلين وغيرهم ممن لا تتوافر فهم شرائط " الاستطاعة " كهذا الذى يقدم على الحج وهو ضعيف معتل , لا يقوى على متاعب الحج ومشاقه؛ أو ذاك الذى يبيع كل ما يملك من حطام الدنيا ليظفر بأداء هذه الفريضة , لا يعنيه بعد ذلك أن يعود إلى بلده معدما يستجدى الناس ما يعول به نفسه وأهله

جدير بي فى هذا المقام أن أضرب مثلا بما فرضته دولة إسلامية ناهضة هى إندونيسيا ؛ إذ اشترطت على من يريد أداء فريضة الحج شروطا منها : ألا تزيد سنه على خمسين عاما , و أن يجتاز فحصا طبيا نثبت به سلامته من العلل والأمراض , وتدخل في ذلك المرأة أيام حملها؛ وأن يكون لديه من المال - عدا نفقات السفر والإقامة - مالا يقل عن سبعين جنيها . وإذا ثبت أنه باع عقارا لا يملك سواه لينفق منه على رحلة الحج , منع من السفر ورد إليه عقاره

ولم يكن من نتائج هذه السياسة أن انصرف الإندونيسيون عن الحج ؛ فإنهم ليفدون على البيت الحرام أفواجا مؤلفة ؛ وإنما كان من نتائجها انها جنبت العجزة منهم كثيرا  من المهالك والمآتم , وبعثت إلى موسم الحج بالنماذج القادرة الصالحة لأداء هذه الفريضة

... واجتمع فى عرفات ثلثمائة ألف أو يزيدون . وفى هذا الموقف تتجلى روعة الحج وحكمته ؛ هذا المؤتمر الإسلامى العظيم الذى يهرع  إليه المسلمون من جميع أقطار

الأرض ليشهدوا منافع لهم

ولكن أي منافع تلك التي شهدناها في هذا الموقف  الجامع، وأي ثمرات جنيناها من ذلك المؤتمر الخطير  الذي لا تتهيأ أسبابه المادية والروحية إلا يوم عرفه؟

...  وأخذتنى سنة من النوم وأنا جالس فى المخيم الذى أعده فندق مصر لنزلائه , أتفيأ الظل وأقرأ في كتاب . وإذا في أشهد جبل " إلال " قد أقيمت عليه مظلة كبيرة تخفق فوقها عشرات الأعلام ، وقد جلس تحتها نفر من الناس في لباس الإحرام , على منصة ذات أسوار . وإذا رجل منهم يقف أمام جهاز للإذاعة فيهتف : - الله أكبر , ولله الحمد

ثم ينطلق فى حديث تردده أجهزة للاذاعة أقيمت بين الخيام ...

إنه يتحدث عن هذا الموقف العظيم , ويرجو أن يكون شهوده جديرين بأن يباهى الله بهم ملائكته فى السماء ! ثم هو يتلو على الناس ما أتخذه مؤتمر الحجيج فى الموسم السابق من قرارات , وما قامت به الدول الإسلامية لتنفيذ هذه القرارات من جهود . وهو يستعرض بعد ذلك قضايا العالم الإسلامى , وعلاقاته بغيره من الدول , فى إحاطة وإيجاز . ويتنحى عن مكانه بعد أن يقدم للحديث أولئك النفر الذين يجلسون حوله واحدا بعد الآخر ...

فهذا آية الله الكاشانى يتحدث عن تأميم الزيت فى الحقول الإسلامية ؛ وعن مشروع الكتلة الثالثة , التى تحفظ على العالم الإسلامي والعربي كيانه , ويعتدل بهاميزان الأمن والسلام الذى تتأرجح كفتاه بين الشرق والغرب

وهذا محمد البشير الإبراهيمى رئيس جمعية العلماء فى الجزائر , يرسم الخطوط العملة لتحرير المغرب العربي من نير الاستعمار

وهذا سردار عبد الرب نشتر وزير الزراعة في باكستان  يتحدث عن تجارب بلاده في سياسة الاكتفاء الذاتي،

ويعرض مشروعاً للتعاون الاقتصادي بين البلاد الإسلامية.

وهذا بشير السعداوى زعيم طرابلس , يكشف عن المؤامرات الاستعمارية التى أحالت استقلال ليبيا بعد حيادها الدامى أربعين عاما , إلى أسطورة سياسية ...

وهذا الدكتور محمد حتا نائب رئيس الجمهورية الإندونيسية , يروى قصص البطولة النادرة , التي صرعت الاستعمار الهولندى وأسناده فيما وراء البحار ...

وهذا عبد الله الفاضل المهدى , يعدد جرائم الاستعمار البريطانى فى السودان , وخاصة فيما وراء الستار الحديدى فى الجنوب

وهذا الأمير سيف الإسلام عبد الله , يتحدث عن الكنوز المدنية المخبوءة فى حقول اليمن وجبالها , ويدعو أهل الفن وأرباب المال فى البلاد العربية والإسلامية , لكشف هذه الكنوز واستغلالها ؛ وبذلك تزداد  موارد الثروة الاقتصادية فى العالم الإسلامى , وتتخلص اليمن مما هي فيه من فقر وجهل ومرض وتخلف عن ركب الحياة

وهذا أمين الحسينى يؤبن الفردوس المفقود , ويردد أنات شعب فقد الوطن , وفقد معه حقه فى الحياة , وأنكر الاولياء من أبناء عرقه وملته ؛ قبل أن ينكره الآباعد والأعداء

وهذا حامد الفقى رئيس جماعة أنصار السنة , يتحدث عما ابتدعه المسلمون فى دينهم من طقوس , وما أحدثوا من ضلالات ؛ الامر الذى أوشك أن يعود بالإسلام غريبا كما بدأ , وأوشك أن يجعل المؤمنين به , القائمين على شريعته غرباء فى هذه الحياة !

وهذا نجيب الراوى سفير العراق فى مصر , يعرض مشروعا أعدته بلاده لتعمير ملايين الأفدنة الغامرة على ضفاف دجلة والفرات , ويرى أن نجاح هذا المشروع فى العراق ؛ وقيام مثله فى مصر ؛ كفيل بأن يمحو عنهما وصمة استيراد " الحبوب " من البلاد الأجنبية , ويفتح مجالا واسعا لترقية مستوى المعيشة , بازدياد الإنتاج الزراعى ،

وإنعاش الحياة الاقتصادية فى البلاد

وهذا حسنين محمد مخلوف مفتى الديار المصرية , يتحدث عن التقريب بين المذاهب , وعن الاجتهاد فى الشريعة , حتى توائم تطور العصر وتواجه مشكلات المجتمع . وحتى يصبح التشريع الإسلامى مادة حية فى المجتمع الإسلامي ، وليس أثرا جامدا فى الكتب الصفراء ...

وهذا الأمير فيصل يتحدث عن مشروع خمس السنوات الذي وضعته الحكومة السعودية للنهوض بمرافق الدولة ومستوى الشعب , ورصدت له مائة مليون من الجنيهات

ثم عاد المتحدث الأول إلى " الميكرفون " يقول : - والآن , أيها الإخوة , نختتم هذه الجلسة الأولى للمؤتمر . وموعدنا معكم أيام التشريق فى " مني " حيث مجتمع اللجان الفنية لدراسة ما لديها من مشروعات , وما تقدمونه إليها من مقترحات , ثم تعرض تقاريرها على المجلس الأعلى للهيئات النيابية , فيحولها إلى مواثيق تأخذ طريقها إلى التنفيذ - الله أكبر , ولله الحمد !

وأفقت من غفوتى على ضجة فى المخيم , وتلفت فإذا الخدم يحملون أكواب الشراب المثلج , والناس يتصايحون ليطفئوا ظمأهم الشديد

ثم هدأت الضجة , ولم يزل أثر هذا الحلم الجميل يداعب أجفانى , ويراودنى على الإغفاء من جديد !

وساءلت نفسى : أين نحن فى موقفنا هذا من تلك الصورة التى طافت بى فى المنام ؟وأين هى تلك المنافع التى جئنا لنشهدها فى هذا الموقف الجامع العظيم ؟

إن جبل " إلال " ما يزال مائلا أمامى تغطي جوانبه وقمته آلاف الحجاج , تصهرهم أشعة الشمس المحرقة , ويرمضهم حرها الشديد  ؛ ولا تطوف بخواطرهم إلا معان

غامضة ساذجة , ليس بينها وبين تلك المعاني المشرقة الرشيدة التي طافت بخواطر أولئك النفر الذين تخيلتهم في منامى ، إلا ما بين الحقائق والأحلام

وإن هؤلاء النفر الذين يمثلون الصفوة المفكرة المجاهدة من رجالات الأمة الإسلامية ، والذين تخيلتهم فى موقفهم ذاك على جبل " إلال " يتحدثون ويلهمون ؛ فتهتز لحديثهم جنبات الوادى , وتتجاوب مع كلماتهم قلوب الملايين من مسلمى الأرض , وتنخلع أفئدة زبانية الاستعمار وقراصنة الشعوب ... هاهم أولاء بذواتهم يؤدون فريضة الحج , ويقفون فى عرفة . ولكن وقوفهم هذا أبعد ما يكون عن وقوفهم ذاك ؛ بعد الأرض عن السماء

إنهم هنا لا يؤدون تلك الأمانة العظمى , فيتحدثون إلى مئات الألوف , ومن ورائهم مئات الملايين ؛ ومن

ورائهم دول العالم ترهف السمع والقلب - حديث التوجيه والإلهام والبعث والبناء ؛ ولكنهم يقفون كغيرهم من عامة الناس , ممن لا يحملون امانة , ولا يضطلعون بمسؤولية . وإذا تحدث أحدهم لا يتجاوز حديثه بضعة أفراد , ولا يتخطى أبواب الخيمة وآذان سامعيه !

أين هي إذن تلك المنافع التى جئنا لنشهدها فى هذا الموقف الجامع العظيم ؟

إن منفعة واحدة هى التى أزعم أننى أفدتها ويزعم الكثيرون

هى الشعور بهذا النقص الخطير فى تمثل حكمة الحج وتلك المسؤولة الكبرى فى إهدار هذه الفرصة التي لاتتاح للمسلمين إلا مرة كل عام

اشترك في نشرتنا البريدية