يجتمع الأقطاب الثلاثة تشرشل وستالين وترومان قريبا فى برلين . ولهذا الاجتماع أهمية خاصة ، لأنه أول اجتماع لهم بعد انتهاء الحرب فى أوربا وأول اجتماع لهم بعد انعقاد مؤتمر سان فرنسيسكو ، واتفاق الدول المشتركة على الأسس التى يبنى عليها السلام . وأول اجتماع يلتقي فيه الرئيس ترومان الرئيس الجديد للولايات المتحدة بزميليه .
ولما كانت المقادير قد وضعت فى أيدى هؤلاء الثلاثة مصادر العالم فى الوقت الحاضر ، وأسفرت التقلبات الدولية عن تركيز أهم القوى الحربية والاقتصادية فى دولهم فإن العالم يتتبع بأكبر الاهتمام كل ما يصدر عنهم ويترقب ما يستقر عليه رأيهم .
ومن الناس من يظن أن هؤلاء الأقطاب سيجتمعون
على أنهم رعاة الانسانية وحماة العدالة والحرية ، وواضعو أسس سلام عالمى دائم ، وهم لهذا سيتجردون فى بحثهم من صفاتهم الخاصة ويتحررون من نزعاتهم القومية ، وينظرون المسائل نظرة إنسانية خالصة تحقق الحرية والاستقلال لكل الشعوب ، وتؤمن الكبير والصغير على سلامته ، وتقيم العلاقات الدولية على أسس المودة والثقة والتعاون ، وتكفل للناس جميعا الطمأنينة والعيش الرغيد .
ومنهم من يرى أنهم سيتناولون الأمور بالسياسة التقليدية ، وأن كلا منهم سيضع نصب عينه أولا وبالذات الصالح الخاصة لدولته والأهداف البعيدة التى تتجه سياستها لتحقيقها ، وأن الاجتماع سيكون صراعا بين سياسات متعارضة وتنازعا بين الجميع ، يحاول فيه كل منهم أن يبسط
نفوذه على أوسع رقعة من الأرض ، وأنهم لهذا لن يتفقوا إلا على المسائل القليلة التى لا تتعارض فيها مصالحهم ، وإذا اتفقوا بعد ذلك على الأمور التى تشتبك فيها المصالح فسيكون الاتفاق على أساس تضحية اضطرارية من جانب أو تهادن مؤقت من جميع الجوانب ، وستبقى تلك المسائل مثار خلاف متجدد ، ونواة حرب جديدة مقبلة عاجلة أو آجلة . وبين تفاؤل المتفائلين وتشاؤم المتشائمين رأى وسط نرجح أنه هو التقدير الصحيح للروح الذى ينتظر أن يسود اجتماع هؤلاء الأقطاب . فلن تكون النزعة الإنسانية الخالصة هى الأساس الذى تقوم عليه المداولات ، ولكن تلك الاعتبارات التى أصبح الرأى العام العالمى يؤمن بها ويقدرها ، لن يستطيع هؤلاء الزعماء الفرار منها وإغفالها بعد أن التزموا أمام شعوبهم وشعوب الأرض بتحقيقها . كذلك لن تكون المصالح الخاصة لكل دولة من دولهم هى وحدها الموجه لسير المباحثات وإن يكن من الطبيعى أن تكون لتلك المصالح وللتوفيق بينها أكبر نصيب من عنايتهم .
ومما هو جدير بالملاحظة أن المجتمعين يدخلون هذا المؤتمر وكل منهم فى مركز خاص يختلف عن مركز زميليه ويؤثر أكبر التأثير فى الموقف الذى يقفه كل منهم فى المباحثات ، فأمريكا تحضر الاجتماع وهى مشغولة بحرب اليابان تبذل فيها أكبر جهدها ، وترى الانتهاء منها مسألة حيوية فى المقام الاول بالنسبة لها . وهى تشترك فى الشئون الأوربية والأسيوية اشتراكا ثانويا متجردا إلى حد كبير من الأغراض الخاصة ، وهى بهذا ستكون فى مركز الحكم المحايد الذى قد يتوسط فى تقريب مسافات الخلف والتوفيق بين النزعات المتعارضة .
وانجلترا تدخل الاجتماع وهى الأخرى مشتركه فى حرب اليابان يشغلها منها بعض ما يشغل أمريكا . وهى مشغولة أيضا ببعض الشئون الداخلية والمشاكل الامبراطورية ، وهى أكثر اشتباكا بكل الشئون الدولية لاتساع
امبراطوريتها وامتداد مصالحها فى كل البقاع .
وروسيا تحضر الاجتماع وقد فرغت من الحرب ومتاعبها ، ولا يشغلها فى الداخل والخارج شاغل، وهى لهذا فى مركز قد يساعدها على السير فى تحقيق سياستها والقصد إلى أهدافها القريبة والبعيدة بغير تحفظ أو تردد. وطبيعى أن هذا الوضع من شأنه أن يجعلها أقرب لنيل ما تريده إذا أصرت وتشددت ، ويجعل حليفتها أميل لملاينتها والالتجاء لوسائل الإقناع الدبلوماسى فى معاملتها .
وقد تجلت سياسة روسيا التقليدية وأهدافها التى ترمى لتحقيقها فى مسألة بولاندا التى نجحت فى إقامة الحكومة التى ترتضيها بها ، وفى مطالبها التى قدمتها لتركيا بشأن المضايق وبشأن ضم بعض أراضيها لها أو لدول الصقالبة فى البلقان . وفى إصرارها على الاشتراك فى المؤتمر الدولي الذى يعالج مشكلة طنجة . وفيما يقال عن رغبتها فى أن يكون لها شأن فى الإشراف على قناة السويس .
وتجلى فيها تمهد له صحفها السبيل إليه من توطيد نفوذها فى إيران ؛ فهى بعد أن مدت نفوذها البرى إلى أواسط أوربا تحاول أن تمده إلى الشرق الأوسط وقلب آسيا ، وتحاول أن تمد نفوذها البحري إلى البحر الأبيض المتوسط ومنافذه إلى سائر البحار . وهى سياسة لابد أن تقابلها انجلترا بكثير من الحذر والشك ، ولا بد من أن تقف طويلا قبل الرضى بها .
ولا نستطيع التكهن بما ستفسر عنه مباحثات هؤلاء الأقطاب فى حل هذا الخلاف ولا ماسينتهى إليه من قرارات فى مشاكل الحدود بين دول أوربا ومشاكل نظم الحكم والتموين والتعمير فى البلاد المحتلة . وطريقة تحقيق المجلس الدولى للأمن وجعله أداة دولية فعالة .
ولكنا نحس بأن الوسيلة الوحيدة لإزالة أسباب سوء الظن وتخليص العالم من الفوضى الدولية التى تجعل الحكم للقوة والغلبة للمعدات الحربية هى أن يتحرر الأقطاب من
السياسة التقليدية بأجمعها ، ويطرحوا الأنانية القومية وراء ظهورهم وينظروا فى المسائل الدولية وعلاجها نظرة إنسانية محضة أساسها توفير أسباب السلامة والقوة الإنتاجية لجميع أمم الأرض ، ويضموا قواهم الخاصة فى سبيل نشر العدل والطمانينة والتعاون بين الشعوب.بهذا وبهذا وحده يأمنون الخلاف فيما بينهم وتتحقق مصالحهم الخاصة وتتفق مع مصالح الناس جميعا ، وبهذا يبنون قواعد سلام دائم ويضعون أساس نظام عالمى مستقر يرضاه الجميع .
إن العالم يسوده القلق والشك والشعور بأن المبادىء الأنانية الظالمة التى كانت تحرك دول المحور قد تسربت إلى
الدول المتحالفة التى حاربت فى سبيل إنقاذ العالم من شرورها . فهل يفلح الأقطاب فى إعادة الثقة إلى النفوس وإزالة الشك من الأفئدة وإزاحة الهم الجاثم على الصدور وإقناع العالم بأنهم لا يزالون أوفياء لعهودهم أمناء على رسالة الحرية التى تغنوا بها فى أيام محنتهم ، حريصين على تحقيق الآمال التى علقتها الشعوب عليهم ؟ إن نجحوا فى ذلك كتبوا لأنفسهم فى سجل التاريخ أنصع صفحة ، واعتز بهم العالم كما تعتز بهم أممهم التى حققوا لها النصر وأصبحوا بناة العالم الجديد ورسل العهد الإنسانى الجديد .
