الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 374الرجوع إلى "الثقافة"

الموقف السياسي الداخلى، حوادث الطلبة - تغير الوزارة - يوم الاضراب العام للجلاء، احتكاك الانجليز بالجمهور ووقوع حوادث يؤسف لها

Share

جرت الأمور مند ٩ فبراير الحالي بسرعة غير متوقعة وتتابعت منذ ذلك اليوم الحوادث ، وقد يكون من المفيد ان نعرض الموقف عرضا سريعا ونعلق على كل جانب منه بما نراه .

عاد طلبة الجامعة عقب عطلة نصف السنة الدراسية ، وكان المعروف انهم سيجتمعون في كلياتهم ليدرسوا الموقف السياسي للبلاد بعد نشر المذ كرات التي تبادلتها الحكومتان المصرية والإنجليزية بشأن المفاوضات ، وليقرروا ما يرونه  معبرا عن رأيهم وشعورهم . وكان المفهوم أنهم سيسلكون في إعلان قراراتهم وإظهار شعورهم نفس المسلك الذي اتبعوه في اجتماعتهم عند افتتاح الدراسة ، فيكتفون بإبلاغ قراراتهم للجهات المختصة وينشرونها في الصحف ويستأنفون دراستهم في هدوء وسكينة . ولكن بعض خطبائهم

دعوهم للقيام بمظاهرة جامعة تسير إلى القصر هاتفة بما يعبر عن شعورهم وارائهم ، واستجابت الكثرة لهذه الدعوة وخرجت جموعهم في مظاهرة كبيرة من الجيزة قاصده قصر عابدين

كان البوليس متهيئا لهذه الحركة ولديه أوامر بمنع المظاهرات ، ويبدو ان الحكومة كان يحملها على التشدد في منع المظاهرات امران الأول : ان القانون صريح في منع التظاهر ، والثاني انها كانت تخشى ان تندس في صفوف الطلبة عناصر من الدهماء قد تحول الظاهرة البريئة إلي غير مجراها ، فيفلت عنان الأمن من يدها وتتكرر حوادث الاعتداء والتخريب والسرقة ، كما حدث في مظاهرات نوفمبر الماضي ، ولكن البوايس لم يتوخ الحكمة في تفريق المتظاهرين بل لجأ إلى حصرهم على ***

معهم اشد قسوة ، فحدثت إصابات كثيرة بين الطلبة وذهبت بعض الأرواح ضحية هذه الاجراءات البوليسية الشديدة . توترت الأعصاب عقب هذه الحوادث وعم الاستياء من مسلك رجال البوليس واشتدت حملات الصحف على الحكومة . واشترك النواب في الحملة بتقديم الاستجوابات للحكومة والتنديد في البرلمان بمسلكها ، وانتهزت المعارضة الفرصة لإثارة الرأي العام وتهييجه ، وانتقلت عدوي الحوادث من القاهرة إلى الأقاليم ، فحدثت في الإسكندرية والمنصورة وغيرهما حوادث عنيفة ذهبت فيها بعض الارواح ، وانضم وزراء حزب من الأحراب المشتركة في الحكم إلي جانب المستائين واستقالوا احتجاجا على ما اتبع مع الطلبة من قسوة .

وبدا أمام ذلك كله ألا مجموعة من استقالة الوزارة فاستقالت ، وعهد جلالة الملك إلى حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا - وهو من النواب المستقلين - بتشكيل الوزارة ، فشكلها من رجال مستقلين معروفين بالكفاية والاستقامة بعيدين عن الصيغة الحزبية ، وأشرك معهم اعضاء يمثلون حزبا قويا من احزاب البرلمان هو أقرب الأحزاب إلي التسامح وادناهم إلى التفاهم مع الجميع ، وأعلنت الوزارة برنامجا قوميا يرضي عنه الجميع ففازت بثقة البرلمان وإن كان الحزب الغالب فيه قد تحفظ فأرجأ تقنه حتى يتبين أعمالها

هدأت الأحوال بعد هذا التغير وتوقع الجميع ان نموذج الأمور لمجراها الطبيعي وان يستأنف الطلبة دراستهم ويدعوا لرجال الأمة معالجة الأمور بالحكمة وتضميد الجراحات بالرفق ، ولكن الطلبة رأوا ان يقوموا بمظاهرتهم التي حال البوليس يوم ٩ فبراير دون إتمامها ، فقاموا بها في حراسة البوليس ومرت بسلام من غير أن يقع فيها ما يكدر ، وبدا ان الوزارة نجحت في مماشاة شعور الطلبة وحافظت في الوقت نفسه على الأمن ، فارتاحت لذلك النفوس

ولكن بعض الصحف نشرت أن لجنة من الطلبة والعمال قد قررت أن يكون يوم الخميس ٢١ فبراير يوم

إضراب عام للجلاء ، فأوجست بعض النفوس شرا من ذلك وأحس كثير من العقلاء ان الأمر لن يقف عند حد ، ومع هذا فإن الجميع رجوا أن يمر اليوم بسلام وان تعالج الحكومة الأمر بحكمة وأن توفق لخطوات حازمة رفيقة تضع حدا لهذه الأحوال التي تخشى مغبتها . وأصبحنا صباح ذلك اليوم ويسود القاهرة إضراب شامل وقفت فيه المواصلات وأغلقت المحازن والحوانيت وظهرت فيه جموع الطلبة والعمال تسير في مواكبها وتهتف بمختلف النداءات المعبرة عن شعورها ، ومر رئيس الوزراء في الطرق يتفقد الأحوال ، واستعدت قوات البوليس والجيش للطوارئ دون أن تتعرض للمتظاهرين ، وكانت الدلائل تدل على أن اليوم سيمر بسلام لولا أن حدثت حوادث عكرت صفو الأمور لا ندري حقيقتها ، ولكن الرواة يقولون إن سيارتين كبيرتين من سيارات الجيش الإنجليزي اخترقت بسرعة موكب المتظاهرين فسببت إصابات وقتل من المتظاهرين قتيل ، وكان هذا الحادث هو الشرارة التي ألهبت أعصاب المتظاهرين وكلهم في ذلك الحين من غير الطلبة فحرقوا سيارتين ، وقيل إن رصاصا أطلق عليهم من بعض المساكن فهجمت الغوغاء ، على تلك المساكن وامتدت الأيدي للتحريق والتخريب والاعتداء ، حتى تدخلت قوات الأمن وفرقت الجموع وأعادت السكينة والهدوء .

هذا هو العرض السريع للأحوال ومنه يتبين : أولا - ان الطلبة هم أول من بدأ الحركة وأنهم لو لم يلجئوا إلي التظاهر ويخضموا التحريض المهيجين واكتفوا بإعلان شعورهم بالطريق الحكيم الذي سبق اتبعوه لما وقعت هذه الحوادث ولما خسرت البلاد هذه الضحايا . ثانيا - ان البوليس لو سلك طريق الرفق وترك الطلبة ينفذون رغبتهم ووجه اهتمامه لإبعاد العناصر الخطرة المشاغبة من الدهماء عن الاحتلاط بمواكبهم لما حدثت هذه الحوادث .

ثالثا أن الصحف مسئولة عن إثارة الأعصاب ( البقية على صفحة ٢٨ )

اشترك في نشرتنا البريدية