كلمة مختصرة جاءت في بيان دولة القراشي باشا في خطابه في مجلس الأمن أودع فيها كل ما في قلوب المصريين من آلام وحسرة ، وعبر بها تعبيرا صحيحا قويا عن احتجاج هذا الشعب المتطلع للحياة ، وذلك إذ قال في خطابه : إن المسألة المصرية الإنجليزية بالنسبة لبريطانيا لا تزيد على أن تكون حادثا من الحوادث ، ومشكلة من المشكلات ، ولكنها بالنسبة إلى مصر لا تقل عن مسألة الحياة أو الموت .
لقد عبر دولة الرئيس المصرى فى كلمته المختصرة عن شعور المصريين تجاه أكبر ظلم يمكن أن يقع فى الحياة ، لأمة متمدنة يحاول خصمها حرمانها من التصرف فى مصاير نفسها.
إن الخلاف بين مصر وانجلترة إذا كان يثير بعض القلق فى قلوب ساسة الإمبراطورية البريطانية ، فإنه لا يزيد على أن يكون بمثابة وخزة عابرة من شوكة أصابت جنب أسد أثناء جولاته فى الغابة يطلب الصيد ، ولكنه بالنسبة لمصر لا يقل عن مأساة كانت تشغل قلوب سكان هذا الوادى منذ نيف وستين عاما ، بل منذ قرن ، بل منذ قرنين ، منذ عاد الوعى إلى هذا الشعب المسالم صاحب المدنية الأصيلة القديمة ، ومنذ أخذ يحس بوجوده ، وما له من حقوق فى الحياة ، وان تزال هذه المأساة إلى اليوم وغدا تحتل المكان الأول من قلوب أهل مصر ، حتى نجد الحل العادل السليم الذى يقر القلوب فى الصدور.
إنه لمن أقسى تجارب الحياة أن يقف القوى موقف التحكم حيال ضحية تحس طغيانه وظلمه ولا تقوى على الانتصاف منه بقوة تبادل قوته ، وبطش يساوى بطشه . وإنه لمن اقسى تجارب الحياة ان يقف الطاغية المدل بقوته وبطشه ، فيجادل فى الحق ، ويمادى فيه متفكها منهكما ، يحاول أن يغطى ضعف حجته
بالاستخفاف ، ويستعدى الأوضاع الظالمة على الحق الخالد. إنه لمن أقسى تجارب الحياة أن يقف القوى المدل بقوته أمام صاحب الحق الذى يطالب بحقه هادئا باسما، يستعين عليه بقوانين الغابة لكى يرده إلى قيوده وأغلاله التى استطاع أن يكبله بها ، متحديا كل قوانين العدالة الإنسانية السامية.
إن القوى إذ يقف مثل هذا الموقف باسما متفكها متهكما ، لا يدرى أن كل كلمة من كلماته تنفذ إلى صميم قلب ضحيته المسكينة فتطعنه وتدميه ، وتمزقه تمزيقا ، لا يدري أن تلك الكلمات إذا كانت تخرج من لسانه هينة سهلة يكاد يحسبها ظريفة مرحة ، فإنها تنطلق كالسهام المسمومة إلى صدر المسكين الذي يرسف فى القيود ينتظر بعد كل كلمة ما يحكم به عليه القضاء .
هكذا قد يقف البربرى الجافى من أسيره الذي أوقعه سوء الطالع في اسره ، وهكذا يقف المرابى الجشع من مدينه الذي حطم الربا آماله وخيله واعجزه . هكذا وقف شيلوك يفرك يديه باسما يطالب مدينه أنطونيو المسكين برطل اللحم . متمسكا بالصك الذى اخذه عليه ، لا يبالى شيئا من عواطف الرحمة ، ولا توسلات المحبة ، ولا دموع العدالة الإنسانية . وليست الدول بعيدة عن الوقوف في مواقف تشبه هذه المواقف التى يقفها الافراد بعضهم من بعض . فهناك جانب قوي باطش مدل بالقوة ، يصدع بالحج التي تمارقت عليها الوحوش المفترسة في مواجهة فرائسها ، وهناك جانب آخر بان بالحجج ، التي توحي بها العدالة والرحمة والإنسانية . تلك الحجج التي قد راستها الدول ، ونالت جزاءها الطبيعي في هذه الحروب الدموية التي تمزق الأرض بين حين وحين.
نعم . لقد فطن قادة الفكر الحديث إلى الهاوية التى ينحدر إليها العالم من جراء نسيانه وحي العدالة ، واستهتاره بالمنعة والسلطة والسطوة والقوة والسيادة والأثرة ،
وإهداره المثل الإنسانية العليا ، والغليات المعنوية التي حضت عليها الفلسفة الصحيحة والأديان السياوية منذ أقدم العصور .
أدرك قادة المفكرين أن العالم ينحدر إلى الهاوية من جراء هذا الاتجاه الخاطىء ، ولكن ساسة الدول مايزالون يغمضون أعينهم عن الحقيقة الخالدة ، ومايزالون يحاولون التمسك بحجج وحوش الغابة فى مجادلة فرائسها.
فياويح الشقى الذى يجادله القوى وهو ضعيف ، وياويح الأمة المسالمة إذا وقفت تطلب العدالة الإنسانية بحجة اللسان وخصمها يجيبها بحجة الغلبة والعدوان إن الأمة التى تقف مثل هذا الموقف لتشعر أقسي شعور بما في موقفها من مرارة . إنها تجادل عن حياتها في حين أن خصمها يجادل عن لقمة من القم التي تزيده سمنا ، وشتان بين الجانبين المتجادلين . إن احدهما يقدم حجته بقلب واجف دام وبأنفاس معلقة مضطربة ، لأنه يحس أن حياته كلها متوقفة على العاقبة التي ينتهى إليها الجدال ، على حين أن الجانب الآخر يقدم حجته خليا مرحا مدلا بقوته ، لا يحس خوفا ولا اضطرابا . فإن أقصي ما قد يقع له هو خسارة لقمة واحدة ، ثم هو في الوقت عينه يخالس النظرات إلى قوة عضلاته ومضاء أنيابه وأظفاره ليطمئن نفسه على يستطيع أن يخرج من كل ورطة بفضل قوته إذا دعا الأمر إلى استعمال القوة .
فشتان بين موقف الخلى وموقف الشجى ! وشتان بين موقف القوى المعتدى وموقف الضعيف المنتصف !
وقد قنع مندوب بريطانيا في مجلس الأمن أن يتمسك بمعاهدة سنة ١٩٣٦ لكى يدفع كل الحجج التي تقدمت بها مصر . لم يعبأ ما لمصر من حق في الحياة ولم يعبأ بما لمصر من فضل قديم على الإنسانية ، وفضل حديث على دولته والعالم اجمع في اثناء الحرب الضروس الماضية . وإنه ان
أعجب الأمور أن يعترف مندوب بريطانيا بأن دولته والعالم كله قد استفادوا من صداقة مصر أعظم الفوائد في وقت كانت المدنية فيه مهددة أعظم تهديد في حياتها . ومع ذلك فهو لم يعبأ بالنظر في حقائق الموقف السياسي في العالم وما طرأ عليه من تغير يجعل مصر الحرة القوية في المستقبل دعامة من دعائم السلام فيه ، ويجعل بقاء الجيوش البريطانية في وادي النيل عبئا ثقيلا على بريطانيا وعاملا قويا على تعكير الصفاء في بلاد لا تضمر لبريطانيا عداء . لم يعبأ مندوب بريطانيا بشئ من هذا كله وقنع بأن تمسك بمعاهدة سنة ١٩٣٦ ، فكان موقفه أشبه المواقف بالصورة الرائعة التي صورها شكسبير العظيم لشيلوك المرابى القاسى.
على أن التوفيق قد خان المندوب البريطاني في تمسكه بهذه الحجة المهلهلة . فإن معاهدة سنة ١٩٣٦ لا وجود لها منذ اعترفت بريطانيا بعدم صلاحها للظروف الحالية ، ومنذ قبلت مبدأ التحلل منها والدخول في المفاوضات للنظر في إقامة العلاقة الدولية بين مصر وبريطانيا على اساس آخر يناسب الظروف الجديدة في العالم ويرضى العدالة ويؤدي إلى غايات الصداقة الحقيقية القائمة على المبادىء الجديدة التي تمخضت هذه الحرب الأخيرة عنها .
لقد أقرت بريطانيا إقرارا صريحا بأن معاهدة سنة ١٩٣٦ أصبحت لا تصلح كأساس للعلاقة الدولية بينها وبين مصر ، فما قيمة حجة مندوب بريطانيا إذا كانت تقوم على التمسك بمعاهدة قد اعترفت بريطانيا بعدم صلاحها ؟ على أن حجة المعاهدة تبطل بطلانا كليا إذا نحن تذكرنا أن مصر قد قبلت المفاوضة من قبل وأرادت إرادة صريحة أن تقيم علاقتها الدولية على أساس معاهدة جديدة قائمة على الاعتراف بحقوقها كاملة ، واستمرت المفاوضة حينا طويلا من الزمن كانت مصر فيها شاعرة أقوي شعور بأنها جادة في موقفها ، لأنها تعرف ان الامر متصل بحياتها في حاضرها ومستقبلها . ولكن ممثلي بريطانيا أو ممثل بريطانيا
في المفاوضات كان يتبع السنة البريطانية في مفاوضاتها - سنة التخلي الذي يعرف أنه لا يناضل عن حياته ، بل يحاول الحرص على كل ما في يده وإن كان في ذلك متعددا حدود العدل والإنصاف . فكان من الطبيعي لمثل تلك المفاوضات أن تنتهي إلى ما انتهت إليه من فشل ، ولم يبق أمام مصر إلا ان تستصرخ ضمير العالم المتمدن للحصول على حقها في الحياة . فآخر ما كان ينبغي للمفاوض البريطاني هو التمسك بالمعاهدة التى اعترفت دولته بعدم صلاحها والتي اظهرت بريطانيا في موقفها في الفاوضات انها لا تضمر نية صحيحة في تصحيح موقفها منها
كنا نفهم لو أن ممثل بريطانيا قام في مجلس الأمن ليبرهن على ان دولته لا تنووي الاعتداء على استقلال مصر ، وانها قد وعدت فعلا وعدا رسميا بالجلاء في عام ١٩٤٩ ،
وكنا نفهم لو أنه قام ليبرهن على أن دولته لا تنوى الاستمرار على سياستها التى ترمى إلى نزع السودان من شقه الشقيق ، وأنها تريد تصحيح الأوضاع القديمة الظالمة التى صارت لا تناسب الحياة فى هذا الوقت من القرن العشرين . وكنا نفهم لو أنه قام ليظهر الاحتمالات التى تضر بمصالح بريطانيا ، ويمد يده إلى مصر طالبا أن تقيم دولته معها معاهدة شريفة حقا قائمة على تبادل المصالح بين بلدين لكل منهما الحق الكامل فى الوجود والحياة السليمة . كنا نفهم هذا ، أو سواه من الحجج الموضوعية التى تتناول الحقائق المسببة للنزاع بين الدولتين ، ولو فعل هذا لكان على الأقل مخلصا فى موقفه ، إذ يتحدث عن أمور تمس حياة أمته كما تتحدث مصر عما يمس صميم حياتها . ولكنه قصر كل قوله على التمسك بصك شيلوك ، فوا واسفاه ! إن الذين يضمرون فى نفوسهم إعجابا بمدنية بريطانيا وخلق الأمة البريطانية ،
ويتمنون أن تقوم العلاقة الدولية بين مصر وانجلترة على أساس شريف يزيل معرات الماضي ومظالمه ، قد أصابتهم
أكبر صدمة من خيبة الأمل مرتين متتاليتين : الأولى في المفاوضة ، والأخرى في الدفاع بمجلس الأمن . وإن اكبر ما تحسه من الأسف هو أن هؤلاء ، الذين يميلون إلى صداقة بريطانيا يوشكون أن يتحولوا إلى طريق اخرى يرون أنها أجدى عليهم من التعلق بالخيال . وذلك ان يعملوا جاهدين على انتهاج خطة اخرى والبحث عن طريق عملية اجدى عليهم وعلى مصر من تمنى صداقة شريفة يظهر أنه لا أمل فيها مع بريطانيا .
