تعتقد لايك سكسس ومعها بعض ألسنة الرأي العام الدولي أن أبرز عمل قامت به الجمعية العمومية لهيئة الأمم في اجتماع باريس هو موافقتها على الميثاق العالمي لحماية حقوق الإنسان.
ولو أننا تناسينا مؤقتاً فقدان السلطة العملية التي ما فتئت هيئة الأمم المتحدة تسعى لتحقيقها، واتخذنا الناحية النظرية مقياساً لهذا الميثاق - لتبين لنا خطورة هذه الخطوة التاريخية التي سجلت فيها الأمم المتحدة - نظرياً على الأقل - حمايتها للفرد أيان كان وضد أي كان - ضد الدولة الغاشمة، وضد الأنظمة الظالمة، وضد النظرة القومية الضيقة التي تحاول أن تنال من حقوق الفرد باسم الصالح القومي فإذا هي تعصف بأهم دعائم القومية الحقة وهي حرية الفرد وحقوقه.
ولا غرابة إذن أن ينفرد بالتصويت ضد هذا الميثاق ممثلو دول أوربا الشرقية الذين يفرضون أنفسهم على الشعب بقوة الحديد والنار؛ ودولة اتحاد جنوب أفريقيا حيث تحول القومية العنصرية الضيقة دون المساواة في الحقوق بين السكان الأوربيين وهم قلة، والسكان الوطنيين الأفريقيين وهم كثرة. وقد صوتت كذلك ضد الميثاق المملكة السعودية لعدة أسباب كلها مستمدة من طبيعة النظام المحافظ الذي يعيش عليه المجتمع السعودي.
وقد احتاط واضعو الميثاق خلال نقاش دام عامين ونصف العام لتدعيم الميثاق بدعائم عملية فأوصوا بإنشاء محكمة دولية للنظر في شكاوى الأفراد ضد الذين يعتدون على حقوقهم سواء كان المعتدون الدول التي يعيشون في ظلها أم دول أجنبية كما
هو الحال في المستعمرات والمحميات. وفي الميثاق - ميثاق حقوق الإنسان - نص صريح يعطي الأفراد في المستعمرات والمحميات والمنتدبات في سائر أنحاء المعمورة دون تفرقة في اللون أو العنصر أو المذهب، الحق في رفع مظالمهم إلى المحكمة الدولية إذا وجدوا أن الدول الحاكمة جائرة على حقوقهم الشخصية منتهكة لأسسها ظاهراً أو باطناً. والواقع أن الميثاق الجديد يكرر كثيراً الحقوق التي نصت عليها الدساتير الحرة القديمة والمعاصرة، ولكن في هذا الميثاق العالمي ناحية مستحدثة مستمدة من التطور الذي ألم بالتفكير المعاصر، هذه الناحية هي حماية حقوق الفرد الاقتصادية بالإضافة إلى حماية حقوقه السياسية.
هذه الحقوق الاقتصادية تقر بأن الإنسان خلق حراً له من الحقوق ما لجميع إخوانه في الإنسانية لا يحول بينه وبين هذه المساواة لون أو عنصر أو محتد أو مذهب أو عقيدة فكرية، وأن له مساواة مطلقة في الإمكانيات الاقتصادية يرعاها له القانون ويثبتها له بمجرد كونه إنساناً يعيش. والميثاق الجديد لا يحاول أن يتخذ من الفرد مادة ليصنع منها دولة قوية أو حكومة مطلقة السيادة حرة التصرف في شؤونه سواء كان التصرف متمشياً مع حرية الفرد غير ماس بحقوقه أم كان مخالفا لها كما هو الحال في الدول الدكتاتورية.
الميثاق الجديد إذن لا يتخذ الإنسان مادة تبنى بها الدولة، بل يعترف للفرد بحرية الرأي والتفكير والتعبير تحت أي نظام وفي وجه أي سلطة. والميثاق يتخطى حدود الدولة إلى مرجع دولي أعلى، أحكامه وقراراته تقيد الأمم المتحدة بالتزامات قانونية وأدبية وترغمها على رفع الضيم وإزالة المظلمة. وتدرس لايك سكسس الآن الخطوات العملية لإنشاء هذه المحكمة العليا بعد أن تقر برلمانات الدول المشتركة في هيئة الأمم حقوق الإنسان هذا ليصبح فرعاً من القانون الدولي له سلطة راسخة في أسس النظام العالمي. قلت أن الأمم المتحدة في الجمعية العمومية بباريس وافقت على هذا الميثاق باستثناء روسيا وحلفائها من دول أوربا الشرقية، وباستثناء اتحاد جنوب أفريقيا والمملكة السعودية العربية التي قال مندوبها السيد جميل البارودي أن التقاليد ونظام الحكم القائم في نجد والحجاز يخالف بعض المواد التي نص عليها ميثاق حقوق الإنسان هذا فيما يتعلق بسلطة الحكومة وبعض السلطات
المذهبية والأنظمة الاجتماعية.
أما معارضة السوفيات وحلفائهم فكانت تستند إلى نقطتين في الفلسفة الماركسية.
فالميثاق العالمي الجديد يعترف للفرد بالحرية الاقتصادية بمعنى أن لكل إنسان الحق في امتلاك أسباب الرزق ووسائله والسعي لتنميتها بشتى الطرق المشروعة دون أن يتقيد بالتزامات الاقتصاد الموجه الذي تدعو وتعمل له الشيوعية عملاً بالمبدأ الماركسي القائل (من كل حسب طاقته، إلى كل حسب حاجته) . ولذلك فأن روسيا السوفيتية وحلفاءها الشيوعيين وجدوا في هذه الحرية الاقتصادية التي نص عليها الميثاق مخالفة للمبدأ الشيوعي فرفضوا الأخذ بها.
ونقطة المعارضة السوفيتية الثانية هي نص الميثاق على أن للفرد الحق في رفع مظالمه ضد الدولة حين تعتدي على حقوقه وتنتهكها إلى محكمة عالمية ستنشأ لهذه الغاية كما أسلفت. وقد احتج الروس بأن في هذا التخطي - تخطي الفرد سلطة الدولة إلى سلطة عالمية - تعدياً على سيادة الدولة، وهذا ما لا يرضى به الروس والغريب في منطق السوفيات هذا إنه يخالف الهدف الرئيسي للعقيدة الماركسية الذي يسعى لإزالة الدولة كنظام اجتماعي بعد أن نتحقق سلطة الطبقات العاملة (البروليتارية
وقد رد مندوب الفليبين الجنرال رومولو على هذه المعارضة الروسية قائلاً أن الميثاق ينص في مقدمته على إنه ميزان العدالة لجميع الشعوب في جميع الأمصار، فإذا أخطرت دولة في مؤتنف الزمن إنها تتنازل عن بعض اوجه سيادتها لتحقق نظاماً عالمياً جديداً يدين بمبادئ إنسانية راسخة لصالح الإنسانية جمعاء، فلا بأس من هذا التنازل. وألا فلماذا تحاول الأمم أن تحل مشاكلها ومشاكل السلم والحرب والرخاء عن طريق التعاون والتكالف الدولي؟
هذا الميثاق الجديد الذي نحن بصدده هو وليد مناقشات - بعضها بلغ منتهى الحدة - استمرت عامين ونصف العام لعب فيها الدكتور شارل مالك مندوب لبنان في هيئة الأمم ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي دوراً رئيسياً اعترف به وقدره مندوبو الأمم المتحدة في عبارات التقريظ التي أعقبت
مرور الميثاق في الجمعية العمومية في جلساتها الختامية بقصر شايو بباريس. فقد كان الدكتور مالك مقرراً للجنة التي وضعت الميثاق، وقد صاغ كثيراً من مواده في بلاغة وحكمة استدعت الفخر والإعجاب. لأن الدور الذي قام به المندوب العربي دل على الكفاية الكامنة في الشعوب الصغيرة إذا أعطيت الفرصة وتوفرت لها الرعاية قامت بخدمات فريدة.
وبعد. إنه ميثاق حقوق الإنسان لا يزال حبراً على ورق. ترى هل يقدر له أن يلعب الدور الذي لعبه في تطور الحرية الفردية (الماجناكارتا) وتعاليم الثورة الفرنسية؟
الجواب في مدى التعاون الذي سيسود العلاقات الدولية في السنين القادمة، ومدى رسوخ الاستقرار في عالم مضطرب.
(نيويورك)
