الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 286 الرجوع إلى "الثقافة"

الميدان الجديد

Share

ظللنا بضعة أسابيع نتوقع الميدان الجديد ، حتى  أصبح امرا واقعا ولم يكن بمستغرب ان يكثر الحديث ، وتتضارب الظنون حول موعد هذا الغزو الجديد ومكانه وطبيعته . ويحق للناس ان يتطلعوا إلي هذا الحادث العظيم . الذي يفسح امامهم الامل في اقتراب نهاية هذه الحرب ، ونهاية هذه الويلات التي ما برحت تجرها على العالم كله . . ولقد ذهب التحمس ببعض الأفراد إلي المراهنة بأن هذا الغزو واقع لا محالة قبل انتهاء شهر ايار . وجل الخطب عن الرهان والمراهنة ، حين يكون الحادث من

الضخامة حيث لا يقاس إلي جانبه في الدهر حادث ؟ وحين يكون الأمر من الجد والروع ، بحيث تتعلق به أرواح الآلاف ومئات الآلاف من الشباب المتخير المصطفي ، تكون المراهنة مظهرا لتفاهة بعض الأنفس البشرية .  ومع هذا فإن ذلك الغزو كان أمرا لا مفر منه ، إذا أريد محاربة ألمانيا في نطاق واسع ، ومساعدة روسيا بتحويل شطر كبير من الجيش الالماني عن الميدان الروسي إلي ميدان جديد . وكان هذا الغزو هو الحادث الذي تتلهف القيادة الروسية شوقا إلى حدوثه ، والذي كانت

تلح في المبادرة به . وكلما اشتد ضغط القوات الألمانية في  الميدان الشرقي ، ازدادت القيادة الروسية إمعانا في المطالبة  بفتح الميدان الحديد . وكان يؤيد الروس في مطالبهم هذه طوائف عديدة من رجال بريطانيا وامريكا ، إلى درجة  ان كثيرا من اولي الرأي كانوا يخشون ان يدفع العطف على روسيا إلى المبادرة بفتح الميدان الجديد ، قبل ان تستكمل له العدة الواجبة .

غير أن القيادة البريطانية الأمريكية لم تندفع ولم تتعجل ، وانتظرت ريثما أعدت تلك العدة الهائلة التي لم   يكن يحلم بوجودها أحد ، والتي تضمنت مفاجآت لم تخطر على أحد ببال . ورسمت تلك الخطة الدقيقة التي تشتمل على دراسات مسهبة لكل عمل من الأعمال الحربية المقررة . ولم يحاول قادة الحلفاء أن ينكروا عزمهم على غزو أوروبا النازية في صيف هذا العام . وبعض الاستعدادات لهذا الغزو كانت واضحة للجميع ، منها : عزل إيرلنده وقطع كل صلة بها ، بعد أن أصرت على إيواء جماعات من الألمان  ومنها منع السفر من بريطانيا وإليها إلا لأسباب  هامة ؛ ومنها إلغاء حق رجال التمثيل السياسي في حقائبهم  المعروفة ؛ وغير ذلك من إجراءات تدل على أن الحادث الكبير وشيك الوقوع . وقد وقع الحادث فعلا في السويعات الأولى من يوم الثلاثاء ، سادس أيام شهر يونيه الجاري . وقد قيل إن هذا الموعد قد تحدد في مؤتمر طهران في الشهر الماضي ، وإن سوء الحالة الجوية لم يؤخر الغزو عن موعده إلا يوما واحدا . وقد حدث الغزو في ليلة مقمرة ، ولا شك أن هذا لم يكن من المصادفة ، بل لقد رأت القيادة العليا أن خطة الغزو تتطلب ليلة يضيئها البدر من أولها إلي آخرها . فإن من مصلحتها ، وقد ضمنت  السيادة على الجو ، أن تكون الأهداف واضحة بقدر الإمكان وهكذا حددت الليالي المقمرة في الأيام الأولى من شهر يونيه هذا لتكون موعد الحادث الكبير الذي كانت تتطلع إليه الأنظار .

أما المكان الذي يبدأ منه الغزو ، فكان من المستحيل أن يتكهن به أحد ؛ فإن ألمانيا تسيطر علي مساحة هائلة من سواحل غرب أوربا ، تمتد من أقصى بلاد نروج شمالا إلي اقصي سواحل فرنسا جنوبا ، وهي فوق ذلك تسيطر على سواحل فرنسا الجنوبية ، ومساحات أخري من سواحل البلقان وإيطاليا . ولكن كان من الواضح أن الهجوم سيكون على سواحل أوربا الغربية ، وفي الجهات القريبة من الجزر البريطانية ، وذلك - كما ذكرنا في هذا المكان من الثقافة منذ بضعة أسابيع - " لأن الميادين البعيدة لا تتمتع بتلك الإمدادات العاجلة ، والحماية الجوية والبحرية المركزة في الجزر البريطانية ، التي لا يمكن أن تؤثر أثرها إلا في ميدان مجاور ليريطانيا " ) ٥ ( . فلم يكن هنالك شك كبير في أن الميدان سيكون قريبا من بريطانيا . ولكن بالطبع لم يدر بخلد أحد - ومن البديهي أنه لم يدر حتى  بخلد القيادة الألمانية برغم اطلاعها الواسع - أن هذا الميدان سيكون شواطئ نورمنديا . وقديما - في عام ١٠٦٦ - أغار  من نورمنديا دوق عظيم ففتح بريطانيا ، وأسس بناء  ملكها الذي نشاهده اليوم ؛ ثم دارت الأيام دورتها  فشهدنا البريطانيين يغزون شواطئ نورمنديا في ظروف جديدة ، شتان بينها وبين ظروف الفتح النورمندي .

وليس من شك في أن لدي القيادة العليا للدول  المتحدة اسبابا قوية لاختيار هذا الجزء من القلعة النازية ؛ لكي يكون الهدف الأول للغزو المنتظر . وانها قررت ان الغزو هنا أدنى إلى النجاح منه في أي مكان آخر ، مع أن الالمان قد حصنوا هذه السواحل تحصينا شديدا ؛ ولعلمهم  ان الحلفاء يقدرون مناعة هد الحصون ، لم يتوقعوا ان يكون الهجوم الأول على هذه الشواطئ بالذات . ولا شك أن  هنالك ظروفا وملابسات سيظل أمرها مكتوما عنا حتى يكتب تاريخ هذه الحرب بالتفصيل وحسبنا هنا أن ننظر في هذا الميدان الحديد ، وفي صفاته الطبيعية

نستطيع ان نعد الميدان الجديد ممتددا من مصب نهر  السين إلي الطرف الغربي من شبه جزيرة شربورغ ، حيث تلتقي نورمنديا بأقليم بريتانيا الفرنسي . ليس هذا الإقليم بأقرب الآقاليم من الجزر البريطانية . وادني منه  كثيرا لإقليم كاليه وبولونيا وديابب ؛ وأقرب منه ايضا من  الناحية الأخرى إقليم دنسكرك وسواحل بلجيكا . فبين  كاليه وبريطانيا مسافة لا تزيد كثيرا علي العشرين ميلا ، أما سواحل نورمنديا فإن بينها وبين بريطانيا مسافات  تتراوح بين الثمانين والمائة من الاميال ولكن مائة ميل ليست اليوم من المسافات البعيدة . وإذا كان هنالك ميزات اخري يمتاز بها إقليم نورمنديا ، فإن الفرق بين العشرين والمائة  ميل ليس بالأمر الكبير الخطر . وليس في وسعنا أن نذكر على وجه التحقيق الميزات الخاصة التي يمتاز بها هذا الميدان

ومن المفيد أن نقسم الأرض التي كان يحتمل أن يغزوها الحلفاء إلي قسمين : الأول الأرض الواقعة شمال نهر السين مما في ذلك أرض بلجيكا ؛ والقسم الثاني الأرض الواقعة جنوب نهر السين والتي تمتد إلي حدود أسبانيا . ومن المعقول أن نتخذ نهر السين حدا فاصلا بين الإقليمين ، لأن مجراه ما بين باريس والبحر ، مجري متسع كثير الالتواء  والانحناء ، وقد يكون عائقا خطيرا في العبور ما بين الإقليم الشمالي والجنوبي . وقد أخبرنا أحد المراسلين الحربيين أن  طائرات الأمم المتحدة دأبت في الأسابيع السابقة للغزو   على ضرب جسور السين وتحطيمها ، حتى لم يسلم من هذه  الجسور - وعددها ١٢٨ - جسر واحد . ولا شك أن الألمان قد أدركوا من هذا أن الحلفاء يريدون أن يعطلوا حركة النقل ما بين الميدانين الجنوبي والشمالي ، بحيث لا تنتقل  النجدات بسهولة من جانب إلي جانب . ولذلك يكون من المستحب أن يعلم الألمان أي الميدانين سيتعرض للغزو ، لكي يستعدوا لذلك بحشد مقدار كبير من قوتهم الرئيسية والاحتياطية . ونجاح الحلفاء السريع في الأيام الأولى من الغزو يحمل علي الظن بأن الألمان كانوا يتوقعون أن يكون

هجوم الحلفاء في الميدان الشمالي لا الجنوبي ؛ وأن من الجائز أن يكونوا قد حشدوا الجزء الا كبر من قواتهم الاحتياطية على مقربة من ذلك الميدان

وهنا قد يتساءل المرء : ألم يكن في وسع الألمان أن  يحشدوا في كلا الميدانين قوات ضخمة تستطيع ان تواجه  الغراة بمجرد نزولهم إلي الشواطئ ؟ إن الناس تعودوا من القيادة الالمانية الاستعدادات الهائلة السريعة لكل احتمال من الاحتمالات ، انظر مثلا إلى سرعة مبادرتهم للدفاع عن تونس ، وسرعة حشدهم الجند لمواجهة الحلفاء في إيطاليا بعد تسليمها مباشرة . ولكن يجب أن تذكر أن أمام المانيا في روسيا ميدانا هائلا يستنفد الفيالق والجيوش ، والعدة والعديد الاكبر ؛ وأمامها في إيطاليا ميدان . لعلها تريد تصفيته اليوم - ولكنها خصصت له ايضا  شطرا غير قليل من خيرة جنودها . ولهذه الاسباب لم يكن بد من ان تحسن المانيا تدبير ما لديها من القوة العتيدة في  الميدان الغربي ، وأن تحشد أكثرها في الجهة التي تتوقع الغزو منها

ونحن إذا افترضنا هنا أن القيادة الألمانية قدرت ان  الغزو سيحدث في الميدان الشمالي ، فإننا بهذا لا نتهمها بسوء التقدير أو بقصر النظار ؛ فإن منطق الأشياء كان يقضي  بأن يكون الغزو من شمال السين لامن جنوبه . فالميدان الشمالي هو الطريق المباشر إلي المانيا ، وهو الميدان الأقرب إلى الجزر البريطانية وإلى مصادر الامداد فيها ؟ والانتصار فيه أجدر بأن يأتي بنتيجة باهرة سريعة من الانتصار في أي ميدان آخر . فلا يستطيع احد ان يلوم الالمان على  أنهم توقعوا أن يكون الهجوم في الميدان الشمالي .

ولا بد لنا أن نكرر أن هذه النظرية التي نسوقها هنا قد بنينا اكثرها على الافتراض المحض ؛ ولكن هنالك شواهد من الواقع تؤيدها بعض التأييد : ذلك انه في الأيام الثلاثة الأولى من الغزو لم تتعرض السفن البريطانية ، على كثرتها ، لهجمات الغواصات أو زوارق

الطوربيد ؛ وكذلك خلا الجو في الأيام الأولى من الطائرات  الالمانية بدرجة مدهشة ، ثم أخذت تظهر ويزداد عددها بالتدريج . ومثل هذا يقال عن الوحدات البرية نفسها فقد انقضت بضعة أيام قبل ان تتمكن القيادة الالمانية من حشد قوات ذات أثر فعال في وقف الغزو وملاقاة الغزاة .

ويمتاز الإقليم الذي غزاه الحلفاء ، بشواطئ ضحلة يغطيها المد إلى مسافات بعيدة ، فإذ حدث الجزر تراجع  البحر مسافة واسعة . ولقد يجيء المد في بعض جهات  الشاطئ النورمندي بسرعة هائلة ، بحيث يسبق الفارس  وهو يعدو أمامه بجواده . وقد انتظر الحلفاء الجزر ، لكي  يكشف لهم عن الألغام والعقبات الكثيرة الملقاة تحت مياه الشاطئ . وقد استغرقت إزالة هذه العقبات جهودا  عظيمة ، وأودت بسببها زوارق عديدة .

ووراء الشواطئ عقبات اخري ، وهي عبارة عن ابنية مدرعة نصبت فيها المدافع ، وهي التي يتألف منها ذلك الحائط المنيع الذي أقامه النازيون للدفاع عن قلعتهم في غرب أوربا . وقد أقبلت مجموع الأمم المتحدة في ليلة 6 يونيه محتشدة في أربعة آلاف من السفن ، ومعها آلاف من المراكب والزوارق الصغيرة ، تحرسها المدارعات والطرادات والمدمرات . وتفرقت هذه القوات في مساحة واسعة تمتد من مصب السين إلي شبه جزيرة شربورغ . وأخذت تذلل العقبات في جهات محدودة منفصلة من  الشاطئ ؛ وتمكنت في الليلة الأولى من أنزال عدد عظيم من  الجنود في مواضع متفرقة . وفي الوقت نفسه نزلت جموع عديدة بواسطة الجو في الجهات الواقعة وراء السواحل مباشرة ، وأخذت تلك القوات تحارب الوحدات الساحلية وتتغلب عليها بالتدريج ؛ وهي تحاول أن تقترب ) إحداها من الأخرى ، حتى انضمت القوات الجوية إلي القوات البحرية وتألف منها جميعا قوة متحدة ؛ وكذلك أخذت المواقع الساحلية التى يسيطر عليها الحلفاء تزداد  اتساعا حتى اندمح أكثرها بعضه في بعض ، وأصبحت للحلفاء السيطرة

على مسافة تقرب من المائة ميل علي الساحل الممتد من مصب نهر الأورن إلي الساحل الشرقي من شبه جزيرة شربورغ . وإذا وفق الحلفاء للاستيلاء على ميناء شربورغ نفسها فإن في هذا كسبا عظيما لهم ، إذ يمكنهم من نقل قواتهم إلي  الميدان الجديد في سهولة ويسر ، بواسطة ميناء من احسن مواني فرنسا .

ولا شك أن هذه المكاسب لم تتم من غير تضحية ، ولكن رئيس الحكومة البريطانية أعلن أن الخسائر كانت أقل كثيرا مما كان يتوقع . كذلك لاشك أيضا في أن الآلمان قد نجحوا في حشد قوات لا يستهان بها في الطرف الشرقي من الميدان أول الأمر ، حيث يحارب  البريطانيون ، ثم في الطرف الغربي بعد ذلك حيث يحارب  الأمريكيون . وقد انتفعت الأمم المتحدة بسفنها الحربية الضخمة ، فحشدتها على السواحل لكي تساعد الجنود البرية ، برغم ما في ذلك من تعريض لهذه القطع الثمينة للخطر ، ولكن القوات البرية قد ابتعدت عن البحر في مواضع عديدة ، ولا بد لها الآن ان تعتمد على وسائلها الخاصة . وفي الوقت الحاضر يجلب الألمان قواتهم من كل مكان ، ويسرع الحلفاء أيضا في جلب الإمدادات من بريطانيا ؛ وكلا الفريقين يعد العدة لصدام عنيف في معركة  كبيرة عامة ، يكون لها اثر أكبر من هذه المعارك المحلية  التي نسمع بها الآن .

وهكذا تعود الحرب إلي فرنسا مرة أخري ، فيما  يمكن ان نسميه معركة فرنسا الثانية ، التي بدأت بعد المعركة الأولى بأربع سنين . وتدور هذه الحرب اليوم في ميدان لم يعرف الحرب منذ مئات السنين فإن الحروب المختلفة التي تعرضت لها فرنسا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، كانت في العادة لا تتجاوز باريس . واليوم للمرة الأولى قد أصبحت أرض نورمنديا ميدانا للقتال .

اشترك في نشرتنا البريدية