كُفَّ النُواحَ فقد أثرْتَ توجُّعي
إنَّ الذي أشْجاكَ مزَّق أضلُعي
يا نائحاً في الدوْح يندبُ حظه ... دع عنك لحنَ اليأس واهجرهُ معي
قلبي كقلبِكَ موجَعٌ متألم ... أعجِبْ بقلبي الضاحك المتوجِّع
لك يا هزارُ بما أكتِّمُ أُسوة ... فاصدح على فنن الأراكة واسجع
كفَّ البكاَء ودع أناشيد الأسى ... لا أنتَ في قفصٍ ولا في بلقع
وارقُصْ على الغصنِ النَّضيرِ مرجِّعاً
في كلِّ مؤْنقَةٍ وَرَوْضٍ مُمْرعِ
فعلامَ تبكي فوْق أشواكِ الرُّبى ... بين الطول ودراساتِ الأربُع
وأمامَكَ الَمرْجُ الخصيبُ ودونَكَ ال
روضُ القشيبُ وصافياتُ الأنبع
وَجيالكَ الآمال ملأَي بالمُنى ... وتجاهكَ الأُفقُ الرحيبُ المرتع
لكَ منزلٌ في الدُّوْح لَو أُنزلتُه ... لأُديلَ من حُزني وزالَ تفجُّعي
ناءٍ عن الظلم المضيمِ مكانةً ... مخضوضَر الشرفاتِ حلو الموقع
بَسَمتْ لكَ الدنيا فمالكَ عابسا ... وتجهَّمتْ لي فابتسمتُ لمصرعي
أشجاكَ أنك قد شُغفتَ بِوردة ... غذَّيتَها بفؤادِكَ المتقَطِّع
وسقيْتها ماَء الشئونِ فأينعتْ ... بَين الوُرودِ وليَتها لم تيْنع
وتفتحتْ أكمامُها وتَرَعرَعت ... في الروضةِ الغنّاءِ أيّ ترَعرُع
وكأنما اغترَّت بِفاتِنِ حُسْنِها ... فمضتْ تَتِيْه بهِ بِغيرِ تورُّع
والحسنُ كان ولا يزالُ وسيمه ... شركَ القلوب وقبلةَ المتطلع
وتلاعبتْ فيها الأكفُّ ودُنّست
بأصابعٍ شتى وأيدٍ قطّعٍ
واستنفرَت لمّا رأتْكَ وقد أتى ... زَمَنُ الحصادِ وآذنتْ بتمَنع
فاقلبْ لها ظهرَ المجنِّ فليس في ... أكمامِها للحرِّ أدنى مطمع
وأربأ بنفسِك أن تكون ذَليلةً ... فالمورد ملء الروض فاختر واقطع
واملأ سماَء الشعر ألحاناً ولا
تكُ في وجومكَ كالغراب الأسنع
يكفيكَ أنك كنتَ أوّل ناشق ... دون الطيور لعَرفها المتضوّع
يكفيكَ أنكَ قد رشفتَ رضابها ... فاترك بقاياها لغيرك واقنع
دَعها لسافلةِ الطيور غنيمةً ... وانشدْ سواها في مكانٍ أرفع
في موضعٍ أقوى الفساد عراصَه ... وا روعتاهُ لطهر ذاك الموضع!
وإذا ظمئت ولم تجدْ لك منهلا ... عذْب المياه كصافياتِ الأدمع
فاطوِ الضلوعَ على الصدى أو مُتْ به
حرّاً أبيّ النفسِ غير مروّع
لَلموتُ خيرٌ من ورودكَ موردا ... ولغَ الكلابُ بمائِه المتجمِّع
من كان لا يرضى المجرة مشرباً ... هيهات يغشى كدرة المستنقع
ومغيظةٍ أنحتْ عليَّ بلومِها ... راحتْ تصبُّ عتابها في مسمعي
قالت ( وما كذبت ) أراك سلوتنا ... ودنت تعانقني فقلت لها ارجعي
فاستَغربت مَّما رأته وهالَها ... ألاّ أطاوعَها على ما تدَّعي
قالت أتذكر حينَ كنتَ مُتَيّماً ... تشكو لهيب فؤادِكَ المتصدّع
وتروح تُقسم أن تصون عهودنا
فأجبتها قَدْ كان ذلك والهوى
أغراك أني شاعرٌ متعِّبدٌ
أهوى، نَعمْ أهوى الجمال مبرقعاً
أهوى الجمال عفيفَهُ وبعيدَه
ولقد أعافُ الشيء مع أني به
وأعودُ عنه وملء نفسي شهوة
كم منهلٍ يمَّمْتُهُ متجرِّعا
قد كان حسنكِ قبل ذلك ملهمي
عودي إلى ما كَنِتهِ من عفةٍ
ودعي التصُّنعَ بالغرام فما أنا
إن تبتغي وصلاً فلستُ بمْبَتغ
أو كنتِ مولعةً وأنت كما أرى
فعلام خنت إذن أجب أفلا تعي؟
عَفٌّ وثوبُ الطهر غير مرقع
للحسنِ أرعاهُ بقلبٍ موَجع
بالطهر لا أهواهُ غيرَ مبرقع
عن كل شائنةٍ وفحش مُقْذع
كلف شديد الوجد صعب المنزع
وكما علمتِ تعفّفي وترفعي
سقطَ الذبابُ به فلم أتجرع
واليومَ بات وقد تدَّنس مُفزعي
أو فاتركيني لا تقضي مضجعي
ممن يبالي بالهوى المتصنَّع
أو تزمعي صلحاً فلست بمزمع
تبغينَ تَضليلي فلستُ بمولع
( دار الأهرام )
