الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 448 الرجوع إلى "الرسالة"

النابغة الذبياني في كتاب المنتخب

Share

تركت الخدمة وشغلت نفسي بالزراعة، بعد أن أجهدتها  في مراحل التدريس كلها خمساً وثلاثين سنة. ثم أراد الله أن  ذهبت يوماً إلى العاصمة، واتفق أن جلست على مكتب لأحد  الأصدقاء، فحنّت نفسي إلى ما ألِفَته قديماً، فمددت يدي  إلى   (المنتخب)  الذي ينسب إلى ستة من فحول وزارة المعارف.

فكان من حظي أن وقع نظري على عشرين بيتاً   (للنابغة)   من عينيته المشهورة التي اشتهرت بشواههدها النحوية والبيانية،  حتى تولى شرحها شراح الشواهد كالبغدادي والسيوطي. قرأتها  فهالني ما عنَّ لي فيها من مآخذ في الشرح والشكل والإعراب،  حتى خيل إلى أن المؤلفات المدرسية التي توجت بأسماء هؤلاء  الفحول ليس لهم فيها إلا الأسماء والأرباح، وإلا فكيف أوفق  بين علمهم الغزير وخطئهم الكثير! وإليك البيان:

عفا ذو حسا من فرتني فالفوارع. ضبطوا الحاء بالفتح،  والمعاجم والسروح تنص على ضمنها.

أتاني - أيبت اللعن - أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع قالوا: تستك أي تضيق، والمعنى أتتني عنك ملامة يضيق عنها  السمع ويأباها. أهـ

وليت شعري أسمع النعمان أم سمع النابغة؟ وأقول: إنما أراد  النابغة تستك منها مسامعي فزعاً من هول وعيدك ولومك؛ وإذا  كان الضيق من معاني الاستكاك فمن معانيه أيضاً الضم

والانسداد، وهذا هو الذي يناسب مقام الفرع الأكبر الذي  حل بالنابغة، فجعله يمعن في الاعتذار والاستعطاف.

مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع ضموا تاء، قلت: والصواب فتحها. وقالوا: سوف أناله  بهجاء أو بأذى، فجعلوا هذا وعيداً من النابغة، لأن التهديد  بالهجاء إنما يكون من الشعراء لا من الملوك. وقالوا: تلقاء بمعنى  لقاء، أي وذلك مفزع لي عن لقاء مثلك، وفاتهم أولاً أن قوله:  أناله معناه أدركه على حد قوله تعالى:   (وهموا بما لم ينالوا) .

وثانياً أن تلقاء هنا معناه جهة أو حذاء على حد قوله تعالى:    (ولما توجه تلقاء مدين)  وعلى هذا فالمعنى: أتاني وعيدك بأن  سوف تدركني أينما اختفيت، وهذا الوعيد منك ومن مثلك من  أهل القدرة والسلطان الواسع مخيف مزعج، لا تطمئن معه نفس  بعدت عنك أم قربت منك كما قال: ولا قرار على زأر من الأسد.

أتاك بقول هلهل النسيج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع جروا لفظ كاذب، وجعلوه صفة للقول مجازاً عقلياً إذ يقال:  كذب الرجل، ولا أعرف كذب القول إلا على حد   (عيشة راضية) .  والأقدمون ينصبونه حالاً من فاعل أتاك، وألمح في النصب إشعاراً  بتعمد الكذب، وشاية وإيقاعاً بالنابغة، هذا أبلغ في المعنى.

بمصطبحات من لصاف وثبرة ... يزرن ألالا سيرهن التدافع كسروا لام لصاف، والصواب فتحها، فقد قالوا لصاف  كحذام مكسورة غير منونة، أو كسحاب منونة معربة.

فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأي عنك واسع قتل النحاة والبيانيون هذا البيت شرحاً وتحليلاً، وجعلوه  من عيون التشبيهات الرائعة، شبه النابغة النعمان بالليل في أن كلاً  منهما مع ما فيه من شديد الرهبة والوحشة يغشى مطلوبة بسرعة  لا تدع له منحى مهما ظن الفرار ممكناً. أما شراح المنتخب فكل  ما قالوه في شرح البيت:

فإن عقابك ومؤاخذتك كالليل؛ أي لا أنجو من عقابك مهما  اتسعت أمامي مذاهب البعد عنك والهرب منك. وبهذا أذهبوا  روعة التشبيه، إن لم نقل جانبوا غرض الشاعر.

خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع قالوا: خطاطيف خبر لمبدأ محذوف، أي لك خطاطيف!؟  وأنا أناشدهم الله أفيهم من يقبل من تلاميذ الابتدائي أن يقدروا  المبتدأ جاراً ومجروراً! أتوعد عبداً لم يخنك أمانة ... ويترك عبد ظالم وهو ضالع

رفعوا يترك بعد الواو، والمدارس تعلم الطلبة أن الواو التي  يليها المضارع للمعية إذا سبقها نفي أو طلب. ولست أجهل أن الرفع  جائز، ولكن المعنى على الرفع غير المعنى على النصب، ولست أشك  في أن المعية مقصودة هنا.

وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع

أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع

وتستقى إذا ما شئت غير مصرد ... بزوراء في حاناتها المسك كانع

يصف النابغة النعمان بالسخاء والشجاعة، وأن الله فطره على  العدل والوفاء، لا يعرف المنكر، ولا ينسى الجميل، قد تهيأت له  أسباب الرفاهية، يشرب ما شاء من أطيب الشراب في كأس من  الفضة، كأنها لطيب ما فيها قد لصق المسك بحافاتها، وكل هذا  خبر لا دعاء فيه ولا إنشاء؛ ولكن انظر كيف حار المؤلفون الستة  في ضميري أبى الله إلا عدله ووفاءه، أهما لله جل شأنه أم للنعمان؟  فقالوا في الشرح:   (أي أن الله عادل ليس المنكر مقبولاً عنده،  ولا المعروف ضائعاً لديه، وهو جاعل النعمان بإرادته عادلاً، وإن  قلنا إن الضمير يعود على النعمان كان المعنى ظاهراً. أهـ) . ثم  أنظر في البيت الأخير كيف حرفوا كلمة حافات فجعلوها حانات،  وكيف غرهم بعض الكتب فاتبعوه؛ وقالوا في الشرح: زوراء دار  كانت بالحيرة للمناذرة. وكنع: تراكم ولزق، والبيت دعاء للنعمان!

وليت شعري كم حانة كانت بتلك الدار؟! وما الغرض من  تراكم المسك في تلك الحانات؟ ولم جعلوا هذا دعاء للنعمان؟ ولو  كان دعاء لفصله عما قبله لاختلافهما خبراً وإنشاء، والدعاء طلب  غير الحاصل ليحصل. فهل كان عسيراً على النعمان أن يشرب  أي مقدار شاء من الخمر في دار تراكم المسك في حاناتها حتى يتقرب  إليه النعمان بالتضرع إلى الله أن يمن عليه بذلك. إن الأقدمين  فسروا الزوراء بكأس مستطيلة من الفضة، وأرى أن البيت:

وتسقى إذا ما شئت غير مصرر ... بزوراء في حافاتها المسك كانع ويروى: في أكنافها المسك كارع

هذه مآخذي على المؤلفين في عشرين بيتاً لو كانت في المنتخب  كله لعُدت كثيرة؛ فرجائي من صاحب المعالي وزير المعارف أن  يضع حداً لفوضى تأليف الكتب المدرسية؛ فلا تقرر الوزارة كتاباً  مهما علا شأن مؤلفه إلا بعد أن يعرض على لجنة من أساتذة  دار العلوم الذين امتازوا بالتوسع في علوم اللغة العربية، ولا تقرره  الوزارة إلا لمدة سنة على الأكثر.

اشترك في نشرتنا البريدية