١ - هى أنه يتحطم الناى ستتحطم نغمانه ، ثم خبرينى : أما يهولك الأمر لو صدق هذا الفرض ؟ التى عليك هذا السؤال وعليه ما يشبه الجدة ؛ والحق أنه قدم الألم الانسانى ، فقد أورده أفلاطون فى حوار له ، وأنت قدم تعلمين مبلغ صدافنى لهذا الرجل لطول ما عاشرته ، فلكم شكوت إليه ذات نفسى ، ولكم وجدت ثمه دواءها .
ذلك أن من يقولون بعدم خلود الروح ، واستحالة إفلاتها من سجنها الحسى ، كانوا يلجأون فى عهد أفلاطون إلى تشبيه تمثيلى لست أدرى أشد منه قسوة على النفس ، فهم يزعمون أنه بتحطم الجسم ستتحطم الروح ، كما تتحطم الأنغام بتحطم الناى.
ولم يكن هذا القول كل ما حز فى نفسينا ، وأنا أعلم عنك كما تعلمين عنى ، تلهفا إلى اليقين ، تلهف العابد إلى رؤية وجه ربه ، ولقد اتفقت لنا مشاهدات وآراء أعطاها حسك النافذ - لفرط ما أرهف من معانها - قوة وجالا وشعرا.
فلأسبانى " جويا " Cloya صورة محيفة خطط عليها هذا الفنان القاسى بالمون الأسود قبرا أزاحت غطاء يد
عارية ، إلا عن عظامها ، وامتدت اليد إلى خارج القبر حتى وصلت إنهامها إلى لوحة سوداء ، وعلى تلك اللوحة رسمت الإيهام الكلمة الأسبانية Nada " لا شئ " ، رسمتها بلون أبيض ، لاح لنا وسط سوار اللوحة المطبق كشهاب ليل وامس .
وبالوفر وقفنا طويلا إلى لوحة " هو بلبن " Hoblcin , أنذكرين مكانها إلى ركن القاعة ؟ وتدارسنا ما رمز إليه الفنان ،رأينا الموت فى هيكل عظمى أبيض فوق سواد اللوحة ، وبيدء فيثارة ثلاثية الأوتار ، ومن خلفه جمع حافل يقوده إلى الغناء وقد وضع الشيخ بدء بيد الطفل وتملقت الفتاة بذراع من تهوى ، وفى جفاف الكل ما يندى النفس رعبا .
وفتقت من وجدانى بملاحظانك الدقيقة : فالقيثارة ثلاثية الأوتار كالتالوث المقدس ، ونفمات الموسيقى ذكرتك بأصوات ساحرات اليونان Shencs اللائى كن بأوين إلى صخور صقليا برسلن منها أنقامين إلى السفن العابرة يجذين يحارتها ، إلى أان تتحطم سفنهم على عانى الصخر . وبلغ بك نفاذ البصيرة أن ألقيت على هذا السؤال المؤلم : وأين الأرواح فى هذا الحفل ؟ ترى أما للموت ما يقود إلى الفناء غير تلك الهياكل الجسمية ؟
وغادرنا " اللوفر " ولا حديث لنا إلا " هلين ", واستقر بنا الرأى على العودة إلى " فنى " Vagny نستذكر قسيدته التى بنقص فيها محنة عيسى " على جبل الزيتون " .
وقد عثرت به رجال " يونس بيلات " Ponce Plate فرفع رأسه إلى السماء سائلا مستغيثا : " ربى ! لم تركتنى
وحيدا " وبعلاقة خفية ربطت ما ادعاء" فنى " Vgny من أن السماء لم ترد على دعائه بما رأينا فى لوحتى " جويا " و" هبلين " وأكبر ظنى أن تلك العلاقة كانت ما سمعت عنك غير مرة من أن الله روح ميزت بالكمال عن غيرها من الأرواح .
وإذا فسؤالى قديم العهد بيننا وها أنا أكرره عليك : - هى أنه بتحطم الناى ستتحطم نغماته ، ثم حبر بنى: أما سهولك الأمر لو صدق هذا الفرض ؟ .
٢ - أدرين لماذا - والجمع مشتمل - لماذا كنت لا أرتعد رهبا عند ما كان بفتر فمك عن ابتسامة جانبية ، ألمح فيها استسلامك لما يمكن أن يكون من فناء روحينا ، وإشقافك على لهول ما ينزله احتمال كهذا بنفسى من خراب ، وأنا شرقى والشرق مهد كل الديانات ، وأنا مصرى ولا جدادى شهد هيرودوت Herodote بأنهم أشد شعوب الأرض حديثا ؟ ذلك أنى كنت فى سبيل كسب ما وصلت إليه اليوم ، وهو إدراك كل ما أدرك فى شكل هيكل بصح له أن يصب الخلود .
ونقطة البدء - أيتها الروح الخالصة . كانت جمالك , فما انصرف إليه وجداني إلا تمثل لي في شح هيكل أسكن إليه ، فإذا به عرائس من الشعر تطرز هواءه بأرق خواطر النفس ؛ ومن الفضول بعدئد أن أفصح لك هما قلت من إمكان خلود الهيا كل
بدأت شوطى إذا نحو الجمال بدافع من قلبى ؛ وهكذا تبدأ دائما جلائل الأحداث فى حياتى ، وكان بدء ميمونا . وألقينا عصا النسيار بمدنية " دلف " Dephes بأغريقيا ، والنفس عامرة بأناشيد بندار Pindare وإذا بتمثال سائق عربات السباق النحاسى Lawriga وقد استوى على قدمية والأعنة فى أنامله ، وفى نظراته قسوة المنتصر ، يذكرنى بأنه فى استطاعتنا أن نشبع ما فى نفوسنا
من النماس للخلود بفضل الفن الذى يمسك فى مرمر صورنا المحسة دون الفناء ، وأبى صادق ذوقك يومئذ إلا أن يرى فى إحراق اليونان لحثهم وإقامة صور لها رغبة منهم فى استبدال ما هو فان بما هو باق .
وشدة الرحال إلى أولمبيا Olmpia لنرى ما طالما منينا النفس برؤيته . لغرى تمثال " هرمبس " Hermes حاملا بين ذراعيه الإله الصغير " ديونيزوس " Dionysos ونودنا لو عثرنا على ناجته براكسبتل Praxitcle نستطلعه سر ما تحت . ووقفنا أمام التمثال ساعة من الزمن ، ما أظننى أنفقت فى حياتى مثلها خصبا . سبحانك ربى أتسمح للفناء أن يمتد إلى هذا الوجه الجميل ؟ وكيف لعين يومئذ أن تنعم بهذا الأنف الأغريقى الممتد فى اتجاه الجبهة ؟ بحيث ينحدر عنه البصر كاليد تنحدر عن وثير الديباج . وتلك الشفة السفلى القوسة إلى الخارج ، هذا النفوس الخفيفة خفة جناح الطائر ، أما لنا أن نضرع إليك أن تجنبها الموت ؟ وتلك النظرة الممتدة إلى غير غاية وإلى كل غاية لتشع كالشعر ، أما من سبيل إلى صون جمالها ؟ وهذا الإله الصغير المرح الذى يمد يده إلى قطوف العنب الدانية لينهل عصيرها ، أما تحرك رفنه أجف القلوب الناسكة ؟
رأيت فى كل ذلك صورا وهيا كل خلدت واستحقت الخلود ، وود حبروتك أن لو انحصر الخلود فى مثل ما رأينا.
وأما اليوم ، وقد ضربت بيننا الأحداث ، فإنى أعود فأسائلك : - هى أنه بتحطم الناى ستتحطم نغمانه ، ثم خبرينى : أما بهولك الأمر لو صدق هذا الفرض ؟
