الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341 الرجوع إلى "الثقافة"

النباتات، حاضرها ومستقبلها

Share
[ ذكرنا فى مقالنا السابق شيئا عن تركيب النباتات وكيف يؤدى اختلاف هذا التركيب إلى نشوء أصناف جديدة . وفى مقالنا هذا نحاول التعرض لبعض أصناف جديدة نتجت بالتهجن أو بالتهجين مع تغير فى عدد الصبغيات ، ثم نبين كيف يمكن أن يحدث هذا التغير بتأثير كيميائيات خاصة ]

ليس من الضرورى لنشوء أصناف جديدة أن تعانى الخلايا تغيرا فى عدد صبغياتها ، ونبات الشليك اقرب الأمثلة إلينا . وترجع زراعته إلى القرن الرابع عشر ، وكان ذلك فى أوربا وعرف منه نوعان : النوع الأول (١) كان صغير الثمار ، أما الثاني فكان ينمو بريا (٢) فى الغابات . وهذا الأخير زرع فى الحدائق فى القرن السادس عشر . بعد ذلك عرف نوع ثالث (٣) وكان ينمو فى البرارى بشرق أمريكا الشمالية وأدخلت زراعته فى القرن السابع عشر . وكانت ثمار الأنواع الثلاثة صغيرة الحجم ، وكل محاولة فى سبيل تكبير هذا الحجم فى تلك الأنواع لم تكلل بنجاح يذكر .

وفى أوائل القرن الثامن عشر أدخل نوع رابع (٤) من أمريكا الجنوبية . وكان كبير الحجم . هذا النوع كان وحيد

الجنس ، أي أن الأزهار المذكرة تكون على شجيرة والمؤنثة على أخرى . وقد حدث بالمصادفة أن جميع النباتات التى أدخلت كانت مؤنثة . زرع هذا النوع بالقرب من الأنواع الاخرى فحدث التلقيح فى هذا النوع ، وأدي ذلك إلى تكوين ثمار كبيرة الحجم ، ولكن اللون والطعم لم يكونا من الجودة بحيث يشجعان على زراعة النوع الجديد . وعند بداية القرن التاسع عشر بدأ المهتمون بتربية النباتات يحاولون الوصول أإلى نوع من الشليك يجتمع فيه كل ما يبغونه من مميزات محببة ، من كبر فى الحجم وجمال فى اللون وحسن فى الرائحة ولذة فى الطعم ، وكان عملهم يتلخص فى زرع البذر وتهجينها . وقد نجح Thomas Laxtou فى بدفورد إذ توصل سنة ١٨٩٢ أإلى الصنف المسمى Royal Sovereigu

وقد كشف البحث الحديث فى تركيب النواة عن سر هذه التجارب ونتائجها . فعرف أن التهجين فى الشليك يتوقف على عدد صبغيات الصنف . فإذا حدث التهجين بين أصناف تختلف فى عدد صبغياتها نتجت أصناف عقيمة ضامرة . أما إذا كان التهجين بين أصناف تتفق فى عدد صبغياتها نتجت أصناف خصبة نامية . فالشليك الذى يتحلى بكل الصفات المرغوب فيها قد نتج من تهجين نباتين عدد الصبغيات فى كل (٣٤) ، وقد كانا فى الأصل متباعدين كل فى بيئته ، فلما قرب الزراع بينهما ، أنتجا ذلك

النبات الممتاز ,

ولا شك أنه إذا اجتمع التهجين مع مضاعفة عدد الكروموسومات فإن هذا يؤدي إلي نتائج أحسن ، ومن أمثلة ذلك البرقوق ، وتحتوي خلاياه على ٤٧ صبغيا . وقد نتج عن حدوث التهجين بين صنفين أحدهما محتوى خلاياه على ١٦ صبغيا والآخر ٣٢ صبغيا ، وتبعا للقاعدة العامة يكون الزيجوت الناتج من هذين النبانين فيه صبغيات عددها ٢٤( ٨ + ١٦) . ولكن وجد أن هذا النوع عقيم لا يتكاثر . فاستمر البحث والتجربة حتى توصل الباحثون إلى صنف عدد صبغياته ٤٨ ، وهذا نوع خصب ويجمع فوق هذا بين الميزات المطلوبة كلها .

وهناك كثير من الأمثلة التى تنطبق عليها هذه القاعدة كالدلبا والكرمت والقنبيط والقمح وغير ذلك . وكل هذه الاصناف نشات بالتهجين ومضاعفة عدد الصبغيات وهى نباتات تفوق أصولها ، وقد أفادت الإنسان إلى أكبر حد .

ولقد عرف التهجين منذ عرف الجنس فى النبات ، واستخدم للجمع بين الحسن من الصفات فى نبات واحد . ولكن المجربين ووجهوا فى بعض الحالات بنباتات عقيمة كما حدث فى البرقوق ، مما سبب شيئا من خيبة الأمل . وكان عليهم أن ينتظروا فيضا من الطبيعة بظهور نباتات يتضاعف فيها عدد الصبغيات . ولاشك أن انتظارهم كان يطول فى كثير من الحالات أما الآن فقد أصبح الذين يربون النباتات مزودين بما يعينهم على اللعب بالصبغيات يضاعفون عددها إن شاءوا ويتركونها على أصلها إن أرادوا ذلك .

كان هذا عقب اكتشاف أمريكا منذ سبع سنوات لمادة تسمى كولكيسين Colchicane  وهذه المادة تضاعف عدد الصبغيات فى النبات على شرط ان تستخدم بحرص وبشئ كبير من الحذر والدقة . وقد ساعدت هذه المادة

على تحويل النباتات العقيمة إلى نباتات خصبة . وقد تبين أخيرا فى روسيا أن هناك مادة تشبه الكولكيسين فى أثرها وهى اسينافتين Acenaphtene وتؤدى إلى نفس النتيجة .

ويمكن الآن فى أمريكا شراء بذور عولجت بهذه المواد فأنتجت نباتات ذات صبغيات متضاعفة . وإن اكتساب الحياة فى استخدام هذه المواد سيمكننا فى المستقبل القريب من تحسين النباتات من جميع الوجوه والوصول إلى أنواع جديدة تحل محل النباتات الأصلية . ومن أمثلة ذلك صنف من الأذرة زرع فى امريكا يتميز على غيره بوفرة المحصول ومقاومة الجفاف والرياح والأمراض ، وغير ذلك من العوامل التى تؤثر فى نمو النبات ، وقد أدى ظهور هذه الأصناف الجديدة إلى مضاعفة المحاصيل فبلغت ثلاثة أمثال المحاصيل العادية . وفي عام ١٩٣٩ زرع أكثر من عشرين مليونا من الأفدنة فى أمريكا بهذا النوع الجديد من الحبوب . أى أنه بلا شك قد حل محل القديم من الأصناف .

فهل آن الأوان لنا هنا أن نضاعف عنايتنا بهذا الفن الجديد القيم من تحسين النوع ، وإحلال الجديد الذى يتميز بخير الصفات محل القديم المحدود فى جودته ؟

اشترك في نشرتنا البريدية