تتشابه النباتات بوجه عام فى نظم تركيبها واحتياجاتها الغذائية سواء كانت هذه النباتات مائية او نامية فى الصحارى او على قمم الجبال ؛ إلا أن شكلها الظاهرى وتركيب بعض أعضائها الداخلية تتحور وتعدل تبعا للبيئة التى يوجد بها النبات حتى يمكنه ان يعش فى الظروف التى يحيط به ؛ وهذا هو الحال فى التباتات آكلة الحشرات
فمن العلوم أن النبات يحتاج فى غذائه إلى عناصر خاصة ( ١ ) لابد من توفرها فى البيئة التى يعيش فيها النبات حتى يمكنه النمو والحياة . والنباتات الخضراء حساسة جدا لعصر الازوت فهو من أهم العناصر المكونة للبروتوبلازم الحي ؛ كما ان النبات لا يمكنه امتصاص الازوت إلا على صورة ازوتات ، وعلى ذلك فوجود الأزوتات أمر ضرورى لحياة النبات
ويقوم بتجهيز أملاح الأزوتات للنبات أنواع من الأحياء الدقيقة تعرف باسم " بلاتريا التازت " فهى يحول النوشادر إلى حمض الازوتوز تم تؤكسده ويحيله إلى حمض الازوتيك الذى يتحد بالأملاح القلوية مكونا أملاح الآزوتات
أما فى الأراضى التى لا تعيش فيها بكتريا التأزت لعدم ملاءمة الظروف لها كان مكون الأرض حمضية مثلا ، فعلى ذلك لا تتوفر أملاح الأزوتات اللازمة لحياة النبات ، كان لا بد للنباتات التى تعيش فى مثل هذه الاراضى ان تبحث عن وسيلة جديدة للحصول على الأزوتات اللازمة لها ، وفعلا قد هيأتها الطبيعة بتحورات خاصة لتجعلها ملايمة لاقتناص الحشرات حتى تستطيع ان تستمد منها عنصر الآزوت . وسنذكر فيما يلى اهم انواع هذه النباتات وطريقة كل منها فى الاقتناص :
نبات الدروزرا ( Drosera)
ينمو فى وسط حمض فيستحيل على الجذور ان تمتص املاح الازوتات ، وفيه الاوراق ضخمة بها عدد من الزوائد الحساسة
التى تفرز مادة لزجة حمضية ؛ فاذا ما سقطت حشرة ما على ورقة من هذه الأوراق ، التصقت بالمادة الرحيقية حالما تلامسبها ، وعبثا حاول الحشرة الفرار ، فإنها إذا حاولت ذلك اشتبكت لزوائد أخرى ، فتصير داخل شبكة محكمة من هذه
الزوائد الحسامة ، وبذا يصبح خروجها ضربا من المحال . فاذا ما اقتنص النبات فريسته تنحني تلك الزوائد فوق الحشرة وتفرز عليها أتزيم الببسين Pepsin لهضم الحشرة وإذابة جسمها ، وبعد ذلك يمتص النبات تلك المواد المذابة ، ثم تعتدل الزوائد وتسود الورقة إلى شكلها الطبي وتتهيأ لاقتناص فريسة أخرى .
نبات النبيئش ( Nepenthes )
يوجد هذا النبات فى بلاد الملايو ، وهو يحتال على اقتناص الحشرات بطريقة طريفة ، فنجد ان جزءا من الورقة يتحور إلى شكل جرة ذات غطاء يتحكم النبات فى فتحة وقفله حسب حاجته . ونتج قطرات ماء المطر داخل هذه الجرة ؛ ويستعين النبات على جذب الحشرات برحيق حلو الطعم يفرزه داخل الجرة ، فاذا ما دخلت فيها حشرة لامتصاص الرحيق انزلقت ارجلها وسقطت في الماء . وفي الوقت نفسه يغلق الغطاء وبذا توصد اوجه
الخلاص أمام الحشرة وتفقد كل أمل فى النجاة ، حينئذ يبتدئ
النبات فى عملية الهضم بواسطة إنزيما خاصة يفرزها لإذابة الحشرة حتى يتمكن من امتصاص المواد النابجة . بعد ذلك يفتح غطاء الجرة وتستعد الورقة لاستقبال قادم جديد وهكذا وهناك نبات معروف فى شمال أمريكا يسمى
( نبات النيبئس) مثل نبات النيبثس Sarrenia
نبات الربونبا ( Dionaea)
تحتوى ورقة هذا النبات على مصراعين يتحركان على العرق الأوسط وتنتشر على السطح العلوى لكل منهما زوائد شوكية دقيقة ، فاذا وقفت حشرة ما على الورقة انقفل المصراعان فجاة وبسرعة وتنفرز الأشواك الحادة فى جسم الحشرة فتمزقها وبهذا تبدأ عملية الهضم والامتصاص
حامول الماء ( Utricularia)
ويوجد هذا النبات فى مصر منتشرا فى المياه العذبة ، وتحمل أفرعه أجزاء منتفخة أشبه بالثانات بها خلايا خاصة ولها غطاء يفتح للداخل فقط ، فإذا لامست إحدى الحشرات المائية الشعور الحساسية ، انفتح الغطاء بسرعة إلى الداخل ، والدفعت الحشرة مع الماء إلى داخل المثانة ، وتبقى هنالك حتى تموت وتتعفن . ثم تمتص بعد ذلك بواسطة الخلايا المبطنة لجدر المثانة
هذا وقد قرأت أخيرا فى إحدى المجلات الأمريكية ( ١ )نبا العثور على نوع من الأشجار يفترس الإنسان ؛ فقد روى العلامة الدكتور كارل ليشى احد الرواد التمسويين ومن اقطاب العلماء ، انه اثناء رحلته فى ارتياد مجاهل جزيرة مدغشقر اتفق ان راى منظرا غريبا ملك عليه حواسه واخذ بلبه . ذلك انه رأى جماعة من الزنوج يدفعون فتاة عارية بحو شجرة هائلة تشبه شجر الأننااس ولها اوراق ضخمة ، ويبلغ محيط الشجرة من اسفل ست اقدام او ا كثر ، ويخرج منها افرع طويلة ذات اوراق عريضة إبريا الحافة ، ويسيل من الشجرة رحيق مسكر ، حتى إذا ما وصلت الفتاة إلى الشجرة ارغموها على شرب الرحيق . فلم تكد تفعل حتى انتابتها نوبة من الإعماء قد تكون من تأثير الخوف ، وقد ترجع إلى أن الشراب مخدر للأعصاب
وما لبثت الأوراق أن التفت حولها واحتوتها بين أسنانها وبذا اختفت عن الانظار ، وما لبث ان سال دم الفتاة مع رحيق الشجرة فأقبل الزنوج عليه يشربونه بشراهة وغلظة
وقد أيد هذه المشاهدة الكابتن هرست الإجليزى الذى قام على رأس بعثة علمية لارتياد مجاهل مدغشقر ؛ فقد وصف ما شاهده وقال إن أوراق تلك الشجرة تلبث مطبقة ستة أيام أو أقل قليلا ثم تنفرج عن هياكل عظيمة تذروها الرياح
أقول إن هذه الشاهدات سواء كانت واقعية أو خيالية لا تخالف العلم فقد رأينا كيف أن النبات يفترس الحشرات فى احتياجه إلى الازوت ؛ ولن يميز النبات بين حشرة او حيوان أو إنسان إذا استطاع إلى ذلك سبيلا . وأغلب الظن ان الشجرة المذكورة فى جزيرة مدغشقر ، تعتمد فى غذائها على الحيوانات التى تلجأ إليها ليلا أو فرارا من القيظ أو هربا من عدو ، وأن الأهالى وقد عرفوا فيها تلك الخاصية قدسوها واخذوا يقدمون لها القرابين من الفتيات ، ويشربون من رحيقها المسكر المختلط بدم الضحابا ، وهم يعتقدونه شرابا إلهيا قدمته إليهم الالهة تقبلا منها وكرما
هذه كلمة موجرة عن النباتات آكلة الحيوان ، وهي جديرة بأن تسمى : " النباتات آكلة اللحوم " أسوة بالحيوانات
" آكلة اللحوم "
