الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 638الرجوع إلى "الثقافة"

النباهى وتأريخه لقضاة الأندلس

Share

الكتب الخاصة بتراجم الكتاب والشعراء والأدباء ، وطبقاتهم وسير رجال الحكم والسياسة ، وأبطال الميادين ، والوقائع والفتوح كثيرة موفورة في الأدب العربي ، ولكن الكتب الموقوفة على حياة حماة العدالة وسدنة القانون والشريعة قليلة نادرة ؛ ومن هذه الكتب كتاب " تأريخ قضاة الأندلس " لأبي الحسن الباهي المالقي الأندلسي ، وقد سماه كتاب " المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا "، والظاهر أن الكتب مثل الناس ، منها ما يواتيه الحظ ، ويصادفه التوفيق ، فيظفر بالمكانة المرموقة ويحظى بالشهرة البعيدة ، ومنها ما يتخلى عنه الحظ ويخطئه التوفيق ، فيبظل مهملا في زوايا الخمول مطرحا في مدارج النسيان ، وقد تشتهر بعض الكتب وتنعم بالرواج والدبوع لا لميزة ظاهرة ، أو أصالة غير منكورة ، أو طرافة في موضوعها بادية ملحوظة ، وإنما لأنها تستجيب لحالة نفسية أو عقلية طارئة ؛ وكتاب النباهي عن قضاة الأندلس والمغرب من الكتب القيمة التي ظلمها الحظ وجار عليها . فقد ظل حينا طويلا من الزمن مجهول الشأن غامض القدر ، لا يعرفه أحد ، ولا يسمع به حتى المنقرون عن الكتب والباحثون عن الأصول والمخطوطات ، وفي هذا حاله ومصيره حتى قدر له من المستشرق المعروف الأستاذ ليفى بروفنال من يقيل عثرته ، وينهضه من كبوته ، ويسدد عنه أغشية الخفاء ، ويجلو حجب الظلام ، ويشرف على طبعه وبعثه إلى الحياة ، وهو يقول في تصديره : " أشر في هذا السفر أثرا لم يطبع إلى اليوم ، وهو وثيقة عظيمة الخطر عن تأريخ القضاة بالمغرب الإسلامي في العصر الوسيط ، فتأريخ تصنيفه المتأخر مكن مؤلفه من الإحاطة بمدة طويلة من الزمن تمتد من الفتح العربي إلي القرن الثامن الهجري ، غير أن هذا الكتاب رغم اتساع الموضوع الذي تناوله بقى مجهولا إلى يومنا هذا . ولا يوجد عنوانه حسب ما أعلم في أحد المؤلفات التي أحصت الكتب المتعلقة بالأدب العربي ،

فلم يذكره حائجي خليفة ولا بروكلمان ، وعبثا يبحث المرء عن أثر له في مكاتب أوربا والشرق التي نشرت فهارسها ، وسبب ذلك ولا شك أن الناس لم يتناقلوا منه نسخا ، وقد جلب عدد قليل منها في آخر القرون الوسطى من مملكة غرناطة الصغيرة إلى مدن المغرب الأقصى ، وهناك ساعدني الحظ فاكتشفت منه نسختين خطيتين لهما من الصحة ما كفي لإغرائي بالعمل على نشر الكتاب " .

فهذا الكتاب إذا كان مغمورا مجهولا الجهل كله كما يقول ناشره الأستاذ برفنال . ولكن الغريب مع ذلك أن مؤلفه القاضي النباهي كان رجلا معروفا مذكورا بارز الشخصية بين معاصريه ، موصوفا بسعة العلم ، وثقوب الفهم . وتباهة المحتد ؛ فهو من أسرة استقرت منذ أجيال عديدة بمدينة من أزهى مدن الأندلس الساحلية ، وهي مدينة عالقة ، وقد ولد بها في عام ثلاثة عشر وسبعمائة ، وعمر طويلا ، ففي عام اثنين وتسعين وسبعمائة كما يروي لنا المقري في كتاب " أزهار الرياض " كان لا يزال حيا يرزق ، وهو يقول عنه : " القاضي النباهي هو قاضي الجماعة بغرناطة الإمام العالم العلامة ، كان رحمه الله من أكابر المشهورين بها ممن له الفصاحة والبلاغة والجلالة إلى الانصاف بالعلم والمعرفة والتفتن في العلوم معقولها ومنقولها ".

وقد نشأ النباهي بمالقة ودرس بها على شيوخ مقصودين ثم رحل عنها إلى غرناطة لاستكمال ثقافته الأدبية والفقهية ثم غادرها لما ولى القضاء بمدينتين صغيرتين وعاد للاستقرار بها نهائيا عندما عين كاتبا بالديوان في بلاط الملك غرناطة ، ولم يمض إلا قليل حتى قلده سلطان غرناطة قضاء الجماعة بها ، وهي وظيفة تعادل قاضى القضاة في البلاد الاسلامية الأخرى .

وقد عاصر النباهي المؤرخ المغربي الكبير العلامة ابن خلدون ، واتصل به وسمع منه ونقل عنه ، وتأكدت العلاقات وتوثقت الروابط بينه وبين معاصره الوزير الشاعر الكاتب الكبير لسان الدين بن الخطيب ، وتبادلا الرسائل

وتفاوضا المدح والثناء ، حتى قام بينهما الأفق ، وأظلم الجو " ووقعت النبوة ، وعمل كل منهما على تشويه سمعة الآخر . وهدم مكانته ، وإزالته من طريقه ، وقد اتهم ابن الخطيب في عقيدته ، ورمي بالزندقة ، وقد انتهت الدسائس التي حيكت حوله بسقوطه ونكبته وقتله عام ستة وسبعين وسبعمائة . والمعروف أن القاضي النباهي كان ضالعا في اتهام ابن الخطيب شديد النقد لسالوكه ومواقفه ، ولست واثقا من أننا نملك من البينات والمعلومات والوثائق ما يساعدنا على الفصل في قضية الخلاف الشديد الذي ثار بين القاضي النباهي والوزير لسان الدين وانتهى بهذه النهاية الفاجعة ؛ وقد كان المقرى من أشد الناس إعجابا بلسان الدين ، وأعظمهم تقديرا لأدبه وعلمه ، وربما يكون هذا الإعجاب الشديد هو الذي حمله على أن يقف من هذا الخلاف في صف صاحبه ابن الخطيب ، كما تنم عليه لهجته حينما يعرض في النواحي المختلفة من كتاب " نفح الطيب " لهذا الخلاف ، فهو يقول مثلا حينما يتحدث عن نشأة ابن الخطيب : " ومن أعدائه الذين باينوه بعد أن كانوا يسعون في مرضاته سعى العبيد ، القاضي أبو الحسن بن الحسن النباهي ، فكم قبل بدء ، ثم جاهره بعد انتقال الحال ، وجد في أمره مع ابن زمرك حتى قتل لسان الدين ، وانقضت دولته ، فسبحان من لا يتحول ملكه ولا يبيد " ولست أدري هل كان القاضي النباهي من هؤلاء الدهاة الأشرار الدين يحمكون الكيد ويجيدون الدس ، حتى يجهزوا على فريستهم ، أو أنه وجد عن صدق اعتقاد في أقوال لسان الدين وكتاباته ما يستوجب الاتهام وبسوغ الرمي بالكفر والإلحاد ، ولمس في سلوكه وتصرفاته ما يثير الريبة ، ويدعو إلى ترك المسالمة والمهادنة والإمعان في الخصومة والمحاربة ؛ ومهما يكن من الأمر فإن لسان الدين نفسه قد أثني على النباهي في كتاب الإحاطة وغالي بقيمته ؛ فقال في ترجمة السلطان ابن الأحمر : " ثم قدم القضاء الفقيه الحسيب أبا الحسن ، وهو عين الأعيان بمالقة ، المخصوص برسم المنجلة والقيام بالعقد والحل ، فسدد وقارب وحمل الكل ، وأحسن مصاحبة الخطبة والخطة وأكرم المشيخة مع النزاهة ، ولم يقف في حسن التأني على غاية ، فانفق على رجاحته ولم يقف في النصح عند غاية " ومن وصفه له

حينما ولي القضاء قوله : " طاهر النشأة وقورها ، محمود السجية مشكورها ، متحليا بالسكينة ، حالا من النزاهة بالمكانة الأمينة ، ساحبا أذبال الصون ، بعيدا عن الاتصاف بالفساد من مدن الكون " ، ولما تغير ما بينهما حمل عليه لسان الدين حملات شعواء وأوسعه هجوا وسخرية ، وعيره بقصر قامته ولقبه بالجعسوس . ومعناها القصير ، ولم يكتف بذلك بل ألف رسالة خاصة في هجائه سماها " خلع الرسن في وصف القاضي أبي الحسن " ، ولعلها من قبيل هذه المهاترات التى تدل على عقلية كتابها قبل أن تنال من مكانة الذين تقال فيهم وتساق إليهم .

ومن أقوال النباهي في مقدمة كتابه : " هذا كتاب أرسم فيه بحول الله نبدأ من الكلام في خطة القضاء ، وسير بعض من سلف من القضاة أو بلغ رتبة الاجتهاد ، وفيمن يجوز له التقليد ومن لا يحوز ، وصفات المفتي الذي ينبغي قبول قوله ، والاقتداء به لمن ذهب إلى مقلده . وبالجاري بالفتاوي على منهج السداد ، وهل يجوز للمفتي قبول الهدية من المستفتي أم هي في حقه من ضروب الرشاء المحرمة على الجميع ، ولست أجهل أن هذا الغرض قد سبق له غيري ، وصنف في معناه أناس قبلي ، لكني رأيت أن أعيد منه الآن ما اعيده على جهة التذكرة لنفسي ، والتنبيه لمن هو مثلي . وحاصل ما أريد إثباته من ذلك في هذا الكتاب يرجع إلى أربعة أبواب" هذا ما يقول المؤلف في المقدمة ، والظاهر أنه لم يكتب إلا جزءا واحدا من كتابه ، فهو يشير في المقدمة إلى أن الكتاب سيشمل أربعة أبواب ، ولا نجد منها سوي بابين متفاوتين في الطول غاية التفاوت ، فالباب الأول يبحث في القضاء عامة ، وفي المسائل التي تتعلق به ، وهو لا يستغرق سوى صفحات قلائل من الكتاب ، والباب الثاني مجموعة تراجم قساة أكثرهم من الأندلس وبعضهم من أهل الغرب ، وهذا الجزء له أهمية بالغة . فهو يزودنا بحقائق تاريخية قيمة ، ويمدنا المعلومات نفيسة عن الكثيرين من رجال الأندلس والمغرب ، ولعل الأهم من ذلك كله هو أنه يكشف لنا صفحة بإهرة من تقدير الأندلسيين خاصة والمسلمين عامة لمكانة القانون وقداسة القضاء ، ومؤلف الكتاب نفسه يقول في الباب الأول من كتابه " خطة القضاء في نفسها عند الكافة من أسنى الخطط ،

فإن الله تعالى قد رفع درجة الحكام ، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام ، يحمكون في الدماء والأبضاع والأموال والحلال والحرام، وذلك خطة الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء . فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء ؛ ولأجل منيف قدره في الأقدار ولسمو خطره في الأخطار اشترط العلماء في متوليه من شروط الصحة والكمال ما تقرر في كتبهم . واستبعد حصول مجموعه الأئمة المقتدي بهم . فقد نقل عن مالك بن أنس أنه كان يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلا بها " لا أراها تجتمع اليوم في أحد ، فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان العلم والورع قدم . ويري المؤلف أن من قلد الحكم بين الخلق والنظر في شئ من أمورهم فهو أحوج الناس إلي نور العقل وإلى اتصافه بالتذكير والتيقظ والتفطن ، ومن لم تكن فيه هذه الصفات ليس له أن يلي القضاء ، فلا ينبغي أن يستقضي إلا ذكي فطن فهم متأن غير عجول ؛ ولذا قال عمر ابن عبد العزيز : " لا يصلح للقضاء إلا القوى على أمر الناس المستخف بسخطهم وملامتهم في حق الله ، العالم بأنه مهما اقترب من سخط الناس وملامتهم في الحق والعدل والقصد استفاد بذلك ثمنا ربيحا من رضوان الله " .

وواضح من ذلك تقدير رحالات الأمة الإسلامية للقضاء وعلو شأنه في نفوسهم ، وقد لاحظت أثناء إطلاعي بل تراجم مشاهير القضاة في كتاب النباهي أن الكثيرين من العلماء والفقهاء كانوا يتجنبون الاضطلاع مهمة القضاء ما وسعهم الجهد ، ويفرون من احتمال تبعتها الثقيلة فرارا . وذلك لتقديرهم جلالة خطرها ، وحاجتها إلى الكثير من الصفات العالية ، والعلم الجم ، والدراية الواسعة ، وكانوا لتواضعهم وفرط محاسبتهم لأنفسهم وإ كبارهم شأن القضاء يرون أنهم غير أهل للقيام بأعباء هذا المنصب العالي وتقلد تلك الخطة الشريفة ، وكان الاعتقاد السائد أنه لا ينبغي أن يتقدم للقضاء إلا من وثق بنفسه أو تعين له وأجبره الإمام العدل عليه ، وللإمام العدل إجبار من يصلح للقضاء على قبوله . وله أن يمتنع عنه إلا إذا تحقق أنه لا يصلح في تلك الناحية للقضاء سواء ، فلا يحل له الامتناع ؛ ويفرض عليه في هذه الحالة قبول القضاء فرضا ، ومن أقوال عمر بن الحسين : ما أدركت قاضيا استقضي بالمدينة إلا رأيت كآبة القضاء

وكراهيته في وجهه . ويروي في الصحيح عن أبي ذر " قلت يارسول الله ألا استعملتني ! فضرب بيده على منكبى ثم قال :  "يا ابا ذر إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها "

فخطورة القضاء كانت تجعل الكثيرين من الفضلاء الأنقياء ذوي الضمائر الحيه يفرون من بلائه ويزورون عنه ، وقد سجن بعض الأئمة بسبب امتناعهم عن قبول القضاء ، منهم الامام أبو حنيفة ، فقد دعاه ابن هبيرة للقضاء فأبي فحبسه وضربه أياما كل يوم عشرة أسواط وهو متماد على تأبيه حتى تركه . ونقل عن عثمان بن عفان أنه قال لعبد الله بن عمر بن الخطاب " إقض بين الناس " فقال لا أقضى بين رجلين ما بقيت " وقال له عثمان "لتفعلن" فقال " لا أفعل" قال "فإن أباك كان يقضى " فقال " كان أبي أعلم منى وأتقي " .

وممن عرض عليه القضاء من فقهاء الأندلس فأبي من قبوله " إبراهيم بن محمد بن بار " فقد دعاه إليه الأمير محمد بن عبد الرحمن لقصة رفعت من قدره عنده فأباه ، فارسل إليه بذلك أحد رجاله المقربين منه فامتنع عليه ولم يجد فيه حيلة ، فأعاد إليه رسوله يقول : " إذا لم تقبل قضاءنا فاحضر مجلسنا وكن أحد الداخلين علينا الذين نشاورهم في أمورنا ونسمع منهم في رعيتنا ؟ ، فلما استمع إلى رسالته قال له : " إن ألح على الأمير في هذا ومثله هربت والله بنفسي من بلده ، فمالي وله ! " فأعرض عنه الأمير عند ذلك .

وقد كان أمير الأندلس عبد الرحمن الأول الملقب بالداخل من أشد أمراء الأندلس هيبة وأعظمهم صولة ، فلما استشار أصحابه في قاض يوليه على قرطبة ذكر له ولده هشام المصعب بن عمران . فأمر بالإرسال إليه ، فلما قدم المصعب أدخله على نفسه يحضرة ولده هشام وخاصة أصحابه . وعرض عليه القضاء فأبي من قبوله ، وذكر أعذارا تعوقه عنه . فرده الأمير وحمله على العزبة ، وأصر مصعب على الإبابة البتة ، فغضب الأمير وأطال الإطراق ، ولكنه استطاع أن يكبح جماح غضبه ونقمته وقال لمصعب : " اذهب عليك العفاء وعلى الذين اشاروا بك "

وممن عرض عليه القضاء فأباه محمد بن عبد السلام

الخشني فقد نفر منه نفورا شديدا ، فحاول الأمير الأندلسي محمد بن عبد الرحمن أن يرغمه على قبوله بالتهديد والوعيد فكتب إليه : " إن من عاصانا فقد أحل بنفسه ودمه " فلما قرئت له هذه الرسالة نزع قلنسوته عن رأسه ومد عنقه وجعل يقول : " أبيت كما أبت السموات والأرض إبابة إشفاق لا إبابة نفاق " .

ولا نزاع في أن هذا الزهد في تولي القضاء من أصدق الأدلة على يقظة الضمير والتشدد في محاسبة النفس عند أمثال هؤلاء العلماء الأماثل ، ولكنه قد يكون من بعض الوجوه نوعا من الفضائل السلبية ، وربما كان أدخل في الزهد وأدل على الإحساس بالعدالة وتقديرها ، وأقرب إلي الفضائل الإيجابية قبول الاضطلاع بمهمة القضاء ثم مواجهة القاضي للأمراء الأقوياء والحكام ذوي السطوة والمكانة العالية والجاه العريض ، وإشعارهم بقوة القانون وإخضاعهم لسلطان العدالة ؛ ومن أمثال ذلك موقف القاضي نصر بن ظريف البحصي من الأمير عبد الرحمن الأول في قضية حبيب القرشي ؛ وذلك أن حبيبا هذا دخل على الأمير عبدالرحمن فشكا إليه القاضي ، وذكر له أنه يريد أن يسجل عليه في ضيعة فيم فيها وادعي عليه الاغتصاب لها ، ولاذ بالأمير من إسراع القاضي إلي الحكم عليه من غير تثبت ، فأرسل الأمير إليه ، وكلمه في حبيب ونهاه عن العجلة عليه ، فخرج ابن ظريف من يومه وعمل بضد ما أراد الأمير ، وأنفذ الحكم ، وبلغ الخبر حبيبا فدخل إلي الأمير متغيظا متغيرا ، فذكر له ما عمله القاضي ، ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقض له وأغراء به . فغضب الأمير على القاضي واستحضره فقال له : " من أمرك على أن تنفذ حكما ، وقد أمرتك بتأخيره والإناءة فيه ؟ " فقال له القاضي : " قدمني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما بعثه الله بالحق ليقضي به على القريب والبعيد ، والشريف والدنئ ، وأنت أيها الأمير ما الذي حملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض ، وأنت تجد مندوحة بأن ترضي من مالك من تعنى به وتمد الحق لأجله ؟ " فقال له الأمير : " جزاك الله يابن ظريف خيرا ! " ويقول النباهي عن هذا القاضي الفاضل : " كان من زهده وورعه إذا شغل عن القضاء يوما واحدا لم يأخذ لذلك اليوم أجرا " .

ومن هذه الواقف الرائعة موقف القاضي محمد بن بشير مع الأمير الحكم حين رفض شهادة الحكم ، فذهب إلى الحكم أحد رجاله وقال له : " ذهب سلطاننا وأزيل بهاؤنا ، أيجترىء هذا القاضي على رد شهادتك ، والله تعالى قد استخلفك على خلقه وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم إليك ؛ هذا ما لا ينبغي أن تحتمله وجعل يقربه بالقاضى ويحرضه على الإيقاع به ، ولكن الأمير كان رجلا عاقلا حازما مقدرا لتبعاته ، فأجاب وكيله : " القاضي رجل صالح لا تأخذه في الله لومة لائم ، وقد فعل الذي يجب عليه ، ولست أعارض القاضي فيما احتاط به نفسه ، ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله " . ولما عوتب القاضي قال لمن عاتبه : " يا عاجز ! ألا تعلم أنه لابد من الإعذار في الشهادات ؟ فمن كان يجترىء على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ؟ وإن لم أعذر بخست المشهود عليه بعض حقه ! "

والشئ الجميل هو أن هؤلاء الأمراء الكبار الأعلام أنفسهم كانوا يؤمنون بالعدالة ، وفكان الأسم الحكم يقول : " إنا معشر بني مروان لا تأخذنا في الله لومة لائم ، وما نري الله رفع ملكنا ، وجمع بهذه الجزيرة فلنا ، وأعلى فيها ذكرنا ، إلا بإقامة حدوده ، وإعزاز دينه ، مع مجانبة الأهواء المضلة ".

والواقع أن احترام العدالة ، وإ كبار شأن القانون ، والتزام الحدود ، هي مساك الدول ، وأساس الحضارة الحقة ، وأعز مطالب الإنسانية . وفي كتاب تأريخ القضاة للنباهي الكثير من أمثال هذه الأخبار الحسان والمواقف المشرفة .

ماشينه : - اطلعت في ملاحظة الأديب " مصطفى إسماعيل الجداوي " على الفقرة السابق ورودها في مقالى " خواطر عن الحياة والموت والخلود ، وتفاؤل ويقين وعقيدة معطوفة على إرادة ، وهي جملة مكتفية بذاتها كما يقول الاقتصاديون ، فليست في حاجة إلى جواب كما يحتم الأديب الفاضل ، وقواعد النحو والمنطق لا تفرض عليها هذا الجواب ، وأعيذ الأديب أن يكون ممن يعيبون صحيح القول ، أو من الذين يغتنمون الفرص للتفهق والتعاليم ، وهو مع ذلك له مطلق الحرية في أن يفهم الجملة على الوجه الذي يرضيه ، ويقرأها على الصورة التى تلائمه .

اشترك في نشرتنا البريدية