الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316الرجوع إلى "الرسالة"

النبوة - الوحى - المعجزة

Share

-2-

معذرة من طول الفترة بين مقالى الأول - في هذا الموضوع - ومقالى هذا ؛ فان أعمال الامتحان في المدارس وشواغل السفر من بغداد إلى القاهرة أمور لا يستقيم معها فكر ولا يسفر نيها خاطرالنبوة - الوحى - المعجزة

كلما فكرت في صمت الطبيعة المطبق تجاه الإنسان ، وثبات السماء والأرض أمام حواسه ، وعدم اكتراث الأشياء له ، وعدم وجود ثغرة ينحدر منها إلى أفق آخر غير هذه المناظر الهائلة الثابتة .. اعترتني رهبة من وضع الإنسان هذا الوضع المغلق عليه فيه كل شي .1 وأقامني الفكر بين العجز والتعب كما يقول المتنبي : ومن تفكر فى الدنيا ومهجته أقامه الفكر بين العجز والتعب ولكني أفرض في بعض الأحيان أن الإنسان استطاع أن يرقى أسباب السماء يعلم ، وأنه طار كالريح ، وانتقل كالبرق ، وصار الكون كله مزويًا بين عينيه . فهل يقيده ذلك شيئاً في حل شيء ؟ كلا ا فيها أتخيل ... لأن الذي ينتقل من متحف أعاجيب صغير إلى متحف أعاجيب كبير ، لا يزيده ذلك إلا دهشة ورغبة في معرفة الأسباب !

وهبوا الإنسان حلل كل شيء في الطبيعة وركبه ... فهل تذهب قدرته تلك من حيرته ودهشته فى إدراك العلاقة بين فكره. و بين الأشياء ، وفى إدراكه نفسه وقدرتها ؟ كلا ! فيما أتخيل ... فهو سوف لا يدرك من نفسه إلا أنه آلة خالقة تفعل الأعاجيب . فنحن مهما أدركنا ومهما فعلنا فستظل حائرين في معرفة كيف تدرك وكيف نفعل ما نفعل ... ويدق وجود كل شيء بعد ذلك لغزاً مغلقاً كما هو !!! ...

ومن هذا المدخل أدخل إلى يحث ( المعجزة الحسية » ، التي هي أعظم عقبة يصطدم بها أكثر الباحثين المتشككين في طريقهم إلى الإيمان بالنبوة . لأنهم يرون في إيجادها خرقاً للناموس العام الذي ينتظم الطبيعة ، وخروجاً على سنن اطرادها؛ ويرون أن الإيمان

بالنبوة لا يكون إلا بالإيمان أيضاً بهذا النوع من الأفعال الخارقة لسنة الطبيعة. فيقفون مترددين محجمين عن الإيمان بالنبوة والوحى، إذ يجدون في منطقة الإيمان بهما عقبة المعجزات الحسية ، فيذهبون إلى تأويل النبوة والوحى بتخريجات لا تتفق مع الإيمان الصحيح ولا مع نصوص القرآن الصريحة ، ولا مع منطق النبي نفسه ؛ ومعنى النبوة التى أدركها هو فى روحه وفكره ، وحدثنا عنها ، ووصفها لنا . فهم يحاولون أن يفهموا الوحى على أنه فيض ذاتي في النفس الإنسانية ، وحالة الحاح من فكرة الصلاح والحق على قلوب بعض محبي الإصلاح من البشر بعد إدراك قام للاتجاه العام فى الطبيعة . فيخيل إليهم حين يدركون ذلك أن إرادة رب الحياة معهم ومنطقه في أفواههم وعقولهم ؛ فيصدعون بالدعوة ، وليس هناك وراء هذا اتصال بينهم وبين الله ولا حديث ولا شيء . وأما الخوارق التي كانوا يجرونها فعى أعمال ناشئة من يقظهم وإدراكهم علماً من الطبيعة لم يدركه غيرهم. فيستخدمون ذلك في إقناع الناس

هذه هي خلاصة مقالة منكرى النبوة في العصر الحديث . وقد ألححت فى مقالى الماضى فى بيان النبوة كقانون من قوانين النشأة العقلية والروحية ، وأنها أشبه بالعلاقة بين الأبوة والبنوة في الترتيب والإرشاد ، وان بيس من المعقول أن تمضى الحياة الإنسانية من أول رجل إلى آخر رجل من غير سماع كلمة غير إنسانية مما وراء الطبيعة ، وإلا لزم أن تهدر قيمة الإنسان أمام نفسه لأنه لم يسمع حديثاً من الحياة يحدد له قيمته ومكانه ...

أما المعجزات الحسية فلو لم يحدثنا عنها القرآن حديثه القاطع بوجودها لكان لنا معها موقف آخر . ولكن القرآن المعجز الدائم يحدثنا عن ناقة خرجت من صخرة، وعصا انقلبت حية، وطير خرج من طين ، وعن كثير من الآيات بحديث صريح لا يقبل تأويلاً ولا تخريجاً غير ما يحتمله لفظه . ولم يشر القرآن بأى إشارة إلى أن الأنبياء الذين جرت على أيديهم هذه الخوارق كانوا على علم بأسرار ما يفعلون ، بل بالعكس يحدثنا أن موسى خان وفر وولى مديراً حين رأى عصاء تنقلب إلى ثعبان مما يدل على أنه ما كان يدرى بسر ما يجرى أمامه

إذا ق فقد حبط قولهم إن تلك الخوارق ناشئة من إدراك النبي

سرا من الطبيعة لم يدركه غيرة

وينبغى أن نتذكر دائماً أن كل شيء في الطبيعة معجز ومير . وأن إضافة شيء إلى الطبيعة من أعمال الإيجاد والخلق فى ظروف استثنائية تغنى الضرورة بإحداث حجة حسية دامغة فيها ، تلك الإضافة لا تزيد عجباً ولا تستحق دهشة أكثر من غيرها من الموجود قبلها

وينبغى أيضاً أن تمنع خيالنا من تصور الله تعالى خاضعاً لطرق صناعتنا ... فهو لا يحتاج إلى تخابير ومعايير ومنافيخ وآلات و معامل حتى يخرج شيئاً وإنما المسألة بالنسبة إليه بسيطة هيئة .. وقد وهم إبراهيم عليه السلام حين قال له : ( رب أرنى كيف تحى الموتى » إذ أنه ظن أن هناك كيفية وأسلوباً محسوساً لإيجاد الله للأشياء فقال له الله : ( أو لم تؤمن ؟ قال : بلى، ولكن ليطمئن قلبي . قال : فخذ أربعة من الطير فصر هن إليك ( أى اذ يجهن ) ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعمن يأتينك سعياً ) فلم ير إبراهيم من كيفية الخلق أكثر من هذا . وهو هو الأساوب الذي تراه كل يوم وكل ساعة في وجود الأشياء من نبات وحيوان ، وفى يجدد المادة والقوة والطاقة

فالأمور والأشياء من أولها إلى آخرها معجزات وآيات محيرات . ولو خلقناها بأيدينا لم يذهب ما بنا من حيرة ودهشة كما قدمت في أول هذا المقال

أقول هذا وأطيل فيه لأبين للذين تصدمهم المعجزات الحسية المنسوبة إلى الرسل السابقين قبل محمد وتصدهم عن الإيمان بالنبوة بمناها عند جمهور الناس أن أمرها أحون في التقدير مما يتصورون وأنها لا تستلزم هذه الحيرة والدهشة لأن الله يفعل مثلها في كل دقيقة ملايين الملايين

ثم إن الله تعالى لم يضع قوانين الخلق ليتقيد بها كالأغلال والأصفاد فلا مانع أن يحطمها في جزئياتها التي يدركها الناس عن قرب في ظروف استثنائية حتى لا نتوهم - كما توهم بعض فلاسفة اليونان - أن الله لا يقدر على مخالفة سنن الطبيعة

ما قدمناه من الحديث يدور حول علاقة المعجزة بالطبيعة وستها المطردة وحول علاقتها بالله موجد الطبيعة . ويبتى حديث

حول علاقتها بالناس وعقولهم وآثارها في الدعوة

هل هناك ضرورة قاهرة على إحداث المعجزة ؟

للجواب على هذا ينبنى أن نستحضر صور المجتمع الإنساني في عصوره الأولى البدائية الجاهلة المحدودة الإدراك الواقفة عند المحسوسات الفارقة في الجهالات الموزعة عقليتها بين السحر والمخرقة. كل أمة في عزلة عن الأخرى لا ترى إلا قطعة محدودة من الأرض وأفقاً ضيقاً من السماء ... ترى ظواهر الطبيعة ولا تستطيع لها تعليلاً، تأكلها الفواجع وتحصدها الأوباء ويستبد بها الكهنة والرؤساء وتسير كقطعان سائمة هائمة في بيداء الحياة ليس لها علوم وآداب إلا ما هو في نطاق ضرورة العيش والارتفاق

ثم يفاجئ" أحد هذه المجتمعات رجل يحاول أن يحطم كل وثن معبود ويذهب كل شر ويحمل على كل خير ويخلع أمته من ماض و تاريخ وسيرة آباء ويقول - وهنا الهول والدهشة - أنا رسول من الله رب السماء والأرض اختصنى الله من بينكم وألقى على روحاً من أمره وكلمنى ! نعم كلمنى ! وهذا الرجل في الغالبية المطلقة من الأحيان يكون فقيراً لا مال ولا جاه له مما يفتن العامة ويدعو إلى احترام الخاصة

فمن ذا عساه أن يؤمن مع هذا الرجل من مثل هذا المجتمع المنحط الخاضع لمنطق الطفولة ، الذى لم يدرك الحق بنفسه ؟

أظن أنه لا جدال في أن من يستجيب سريعاً لهذا الرجل هم العدد الأقل ممن يلبي كلمة الحق لأول سماعه بها ، وهؤلاء حتى في زماننا زمن العلم والحرية والديمقراطية لا يكادون يبلغون عدداً تصلح معه شئون الأرض ويستقر العمران ويتحقق نمو حركة الفكر والخلق . فلا بد لصلاح الأرض من صلاح جماهير المال والزراع وهؤلاء هم القطيع الذى يعملاً بقاع الأرض ولا يستطيع المصلحون أن يحققوا مثلهم العليا إلا إذا تسلطوا عليه وملكوا قياده، وهؤلاء هم موضع عناية الله ووصاياه لأنهم لا يستطيعون أن يتفرغوا لإدراك كماله وجلاله إذ أنهم مشغولون بالسعى إلى الرزق والضرورات المادية ويخيل إلى أن الله تعالى لاحظ في وضع النبوات الأولى منطقهم ووجدانهم أكثر من غيرهم من الخواص لأنهم هم جمهور الإنسانية لا تستقيم أمورها إلا بإرضائهم وإصلاحهم أما الفلاسفة والحK. فقليلون كما قدمنا . ولو راعى الله منطقهم

المعقد وإدراكهم المتشعب فأرسل الرسالات بأسلوبهم وحدهم فجاءت كتب الذين ككتبهم إذا ما استجاب للايمان غيرهم وهم في جسم الإنسانية كنسبة شعرة في جسم فيل

فلا بد أن نفهم هذا لتفهم أنه كان لا بد من وسيلة أخرى غير وسيلة المنطق والعقل لإخضاع جماهير الناس في تلك الأزمان التي كانت أغلب علومها تدور حول البحث في قلب أشياء الطبيعة كقلب الرصاص إلى ذهب وحول علوم التخييل كالسحر والسيميا وكيفية شفاء المرض بالتمائم والتعاويذ وتحضير الجن والاستهواء وراء القوى الخفية والتحايل على تزويق الأصنام وإنطاقها وخلع معاني الحياة وحركاتها عليها إمعاناً من الكهنة في بسط سلطانهم وسعياً من العامة وراء غيبوبة الأحلام وبدوات الأماني والأوهام

ولا تزال بقايا كبيرة من السحر والمثنوية راسية فى أذهان الجماهير في عصرنا هذا فعيادات كثير من الدجالين والمشعوذين أحفل بالزائرين من عيادات كثير من الأطباء الذين يعتمدون على العلم والاختبار ، وقبور كثير من المشايخ تقصد للاستشارة والاستخارة أكثر مما تقصد مجالس المقلاء المجربين الذين يعطون الرأى والمشورة التي لا تخطى . فكيف يهمل الله هذه التزمات الطفلية في نفوس أكثر القطيع الإنساني من غير أن يحملهم على الإيمان به من طريق الحس وإقامة الحجة الدامغة - في رأيهم -حسب ما يقترحون ؟ وإذا علمنا أن الغاية من المعجزة غاية عظيمة بل أعظم فايات الحياة وهى حمل كثير من الناس على الإيمان بالله وإنقاذهم مما يهدر كرامتهم ويسفل بهم إلى أقل من درجة البهائم وهو السجود لصم واللياذ به وبيع الحرية الفكرية والشخصية .. إذا علمنا ذلك تبين لنا أن المعجزة أمر محتم لتكملة السي في سبيل إنقاذ الإنسان

وإذا لم يهتم رب الحياة بأمر الفصل بين أكبر

الحق فى الحياة وهو الإيمان به وأكبر الباطل فيها وهو الكفر به فتی بهتم؟ وما هى غابته من خلقنا إذا ؟ فلقاصرى الإدراك أن يطلبوا ذلك ممن يتحدث باسمه تعالى حتى تقوم الحجة الحسية أمامهم

( البقية في العدد القادم )

اشترك في نشرتنا البريدية