الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 51الرجوع إلى "الثقافة"

النبوغ والعبقرية فى رأى فايننجر

Share

أوتو فايننجر مفكر ممتاز ، فلسفى الرأى ، علمى الأسلوب ، وقد أخرج كتابه الموسوم " بالجنس والأخلاق "  قبل بلوغه الثلاثين ، وهو كتاب يدل دلالة واضحة على  التعمق  الفلسفى ، والنضح العلمى ، وطرافة التفكير , وقد ظفر بتقدير المفكرين ، سواء من وافقه وأقر أكثر أفكاره ، أو من خالفه وخطأه ؛ والنتائج التي انتهى إليها  لا يتفق أكثرها مع مزاعم أنصار الحركة النسائية ؛ وكتابه يعد من الكتب الهامة فى محاولة الكشف عن  سريرة المرأة ، وإظهار خوالجها الخفية ودوافعها المجهولة ،  وقد تناول مسألة المرأة من نواحيها الثلاث : الناحية  الحيوية العضوية ، والناحية النفسية الوصفية ، والناحية  الفلسفية التقديرية ، وهو عمل يستلزم الاضطلاع به إلماماً  واسعاً بالتاريخ الطبيعى ، ومعرفة مستفيضة بعلم النفس ،  وتضاماً من دراسة الفلسفة . وقد ضمن كتابه - علاوة   على الفصول الخاصة بطبائع المرأة ، وتحليل أخلاقها - فصولاً  أخرى عن الذاكرة والنفس والنبوغ والعبقرية ، وما إلى  ذلك من شائق البحوث التى تمت بسبب إلى مسألة المرأة ؛  وتمتاز جميعها باشراق الفكر ، واستقامة الملاحظة ، وسعة  الأفق ؛ وقد مات فايننجر منتحرا سنة ١٩٠٣ . ويرى  أنطونى ليدوفتشى - وهو مفكر انجليزى من تلامذ ة نيتشه ، ومؤلف كتاب " تبرئة المرأة " أن فايننجر  بانتحاره كان أميناً مخلصاً لفكره ، ومنطقياً مع نفسه ،  لأن من كره المرأة  فقد رفض الحياة ؛ وغير فايننجر من أعداء المرأة أكثرهم من فريق المتعصبين ؛ والمتعصبون فى  رأى ليدوفتشى ليسوا أمناء فى تفكيرهم ، ولا منطقيين مع  أنفسهم . والمفكرون الذين يذهب بهم التفكير إلى أن يقفوا  من المرأة موقف العداء أعتقد أنهم أعقل من أن يخدعهم  عن أنفسهم ليدوفتشى هذا بمنطقه المذكر وتحديه الخبيث .

وإلى القارئ خلاصة رأى فايننجر فى النبوغ والعبقرية :

يرى أكثر الناس أن هناك قرابة وشيجة بين العبقرية  والنبوغ ، وأن العبقرية نوع أسمى من النبوغ  أو أنها أرقى  أنواعه ، ويعتقدون أن الملكات السامية المنوعة بمثابة  وسيط بين الاثنين ؛ ولكن هذا الرأى لا يقوم على أساس  مكين ، وحتى إذا افترضنا أن للعبقرية أطواراً  ودرجات فإنه  ليس ثمة من علاقة بينها وبين النبوغ ؛ فمثلاً قد تكون ملكة الرياضة والحساب مركوزة فى الانسان منذ ميلاده ،  فيحل بسهولة كل عقدة حسابية ، ولكنه مع ذلك ليس  فى شىء من العبقرية .

ومن مترادفات العبقرية الشخصية الواضحة ، والقدرة على  الانتاج والابتكار ، واستفتاح أبواب جديدة من التفكير ،  واعتساف طرق مجهولة من المعرفة ؛ ومن ناحية اخرى فإن  هناك جماعة من ذوى العبقريات السامية لم تبرهن حياتهم  على أن الطبيعة قد آتتهم شيئاً من النبوغ . وليست  العبقرية أسمى درجات النبوغ كما يتوهم الكثيرون ، وبين  الاثنين فرق ضخم ، وتختلف طبيعتهما تمام الاختلاف ،  فلا يجوز أن نوازن بينهما ولا أن نقيسهما بمقياس واحد .

ومن خصائص النبوغ أنه يورث ، وقد ينحصر فى  أسرة بعينها ؛ ولكن العبقرية لا تنتقل ولا تنشعب ، وتمتاز بأنها شخصية بحتة ، وليس آكد من العبقرية في إيقاد  الكراهة والبغضاء وإثارة الحقد والشحناوات .

ومن مميزات العبقرى أنه سابر لأغوار النفوس نافذ  النظرة إلى أعماق السرائر ؛ فهو أوسع علماً من غيره بالطبيعة  الإنسانية ، وأكثر إحاطة بحوانبها المتعددة  ؛ انظر مثلا إلى  العدد الكبير من الشخصيات التي صورها شكسبير أو  الشخصيات التى تموج بها صفحات روايات زولا .

ولكى نرسم  شخصية علينا أولاً أن نفهمها ، ومن أجل

أن نفهمها يلزم أن تكون مماثلين لها ؛ ولا يستطيع أحد  تصوير شخصية ما تصويراً صادقاً إلا إذا أمكنه أن يستحضر فى نفسه دوافع تلك الشخصية ونزعاتها المختلفة ؛  ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا كانت فيه طبيعتها ؛ ولابد أن  يكون عقل الانسان يماثل العقل الذى يحاول الوقوف على  دخيلته والخلوص إلى سره ، ولا يفهم اللص إلا اللص ، كما أن البراءة لا يقدرها إلا البرىء  .

وقد يستنتج من ذلك أن الإنسان يستطيع أن يفهم  نفسه فهماً أصدق وأصح من فهمه لغيره ؛ ولكن هذا  الاستنتاج معكوس ، فانه ليس فى طاقة أحد أن يفهم نفسه ،  لأن معنى هذا التجرد من النفس ؛ ولو استطاع الانسان  الوصول إلى أعماق نفسه والكشف عن غامضها ، لأدرك  سر الخليقة ؛ وإنما يمكننا استمداد معلومات عن أنفسنا  بملاحظتنا ودرسنا لمن يشبهنا من الناس .

والعبقرى يعرف الناس معرفة عميقة لا يصل إليها إلا القلائل . ويروى أن حيتى قال عن نفسه : " ليس هناك  رذيلة من الرذائل أو جريمة من الجرائم ، إلا ويمكننى أن  أقتفى أثر الميل إليها في نفسى" . فنفسية العبقرى إذاً  أكثر تعقيداً و أوفر تنوعاً من نفسية الرجل العادى ؛  ويدنو الانسان من العبقرية كلما تكاثرت أنواع الشخصيات  فى نفسه ، وكلما كان وجودها قوياً حقيقياً . وإذا كان  فهم العبقرى لمن حوله شاحب الضوء ، قليل السطوع فى  نواحى نفسه ، فانه لا يستطيع أن يرتفع إلى سماء الشاعرية  العالية ، ولا أن ينفخ حياة جائشة وثابة فى أبطال رواياته ،  ولا أن يطبع مبتكراته بميزات بارزة . والمثل الأعلى للعبقرية  الفنية هو أن يحيا صاحبها فى الناس كلهم ، وأن يتسرب  إلى الشخصيات كافة ، وأن يتلمح نفسه في عباب نفوس   الجماعات ؛ كما أن المثل الأعلى للعبقرية الفلسفية هو أن يستجلى  صاحبها فى نفسه أنواع الشخصيات ومختلف النفوس ، و أن  يخلطها جميعها بوحدة ذاتية ، هي فرديته ووحدته الذاتية .

وتمر بالعبقرى أوقات خصبة مثمرة ، تسخو فيها

عبقريته بروائع المبتكرات ، ثم يجىء فى أثرها أوقات  العقم والكزازة ، وخلالها يفقد ثقته بنفسه ، ويضعف  إيمانه بعبقريته  ، وتتوالى عليه حالات من الميول الفكرية مختلفة ؛ فتارة يميل إلى الفلسفة والعلم ، وطوراً يعكف على  الفن ، ومرة يحول بصره إلى التاريخ ودراسة الحضارات  البائدة ، وأخرى يتصوف ، وتظلل كتاباته سحائب من الغموض والايهام ؛ وفى أوقات أخرى تسلس عبارته ،  ويصفو تفكيره ؛ وهذه الشخصيات المتعددة التى تظهر فى نفوس العبقريين تترك أثرها على صفحات وجوههم ؛  وهذا هو السر فى تغير وجوه العظماء واختلاف صورهم  الشمسية ؛  وأغلب الذين لا تتغير ملامح وجوههم من  ذوى العقول الضئيلة . ولا تزال وجوه العظماء حيرة علماء  الفراسة ، لأن الشخصيات التى تظهر فى نفوسهم من الحين  إلى الحين ، تترك أثراً قليل الدوام على ملامح الوجوه .

وقد يبتدرنى أحد المعترضين بقوله : إن ما ذكرته وقررته يدل على أن شكسبير مثلاً كان فيه ضعة وخسة  وخشونة وقسوة ، لأنه يحمل كاهل العظماء وزر الأشياء  الوضيعة التى تناولوا وصفها جميعاً . ودفعاً لذلك أقول إن  تراجم العبقربين تدل على استهدافهم لكثير من الأهواء  الغريبة والغرائز المنتكسة ؛ على أن هذا الاعتراض  غير متين ، فإن زولا مثلاً الذى وصف بأمانة الدافع على  ارتكاب جريمة القتل لم يعرف عنه أنه ارتكب جريمة القتل ,  وذلك لأن فى نفسه مستودعاً لأنواع شتى من الأخلاق ، وصنوف كثر من الشخصيات ؛ فى حين أن القاتل الحقيقى واقع فى قبضة محرك واحد ؛ والمؤلف الذى يصف القتل  تتحرك فى نفسه طوائف لا تعد من الدوافع والمحرضات ؛ ومثل زولا يفهم الباعث على ارتكاب جريمة القتل أكثر من القاتل نفسه ، لأنه يتبع أثر الجريمة فى نفسه ،  فإذا جشأت إلى سطحها استعد لها ، وفى هذه الحالة  يتغشاها ضوء العقل وأشعة الفن فتتحول إلى غاية فلسفية  عند الفيلسوف ، وتتحول إلى مأرب فنى عند الروائى ،

ولكنها لا تتحول إلى جريمة حقيقية .

ويعرف أصحاب الشخصيات المعقدة الناس أكثر  مما يعرف الناس أنفسهم ، لأن نفوسهم الكبيرة تحتوى على الصفات التى يصفونها ، وعلى نقائضها ، وبأضدادها  تتميز الأشياء .

ويختلف فى الناس نضج الملكات ونمو الحواس ،  فترى بينهم من يعرف أنواع الطيور معرفة محكمة ، ويحاكى  لك أصواتها محاكاة دقيقة ، وآخر يميل إلى دراسة النباتات ويكلف بالزراعة ؛ وترى من يؤثر علم طبقات الأرض ،  ومن يولع بالفلك والنجوم ، ومن يحب مناظر الجبال  ويكره رؤية البحر ؛ وعلى عكسه من يحب البحر ويكره  منظر الجبال ؛ وهكذا لكل إنسان هوى فى جانب خاص  من جوانب الطبيعة تصفو فيه قريحته ؛ والمثل الأعلى  للعبقرية تشتمل نفسه على كل الشخصيات ، بما في ذلك

ما تحبه و ما تكرهه ، ويلتقى بنفسه عدد أكثر من الأضداد ، ولذا تفضى إليه الأشياء بأسرارها ويسهل  عنده اكتناهها .

والعالمية من العلامات المميزة للعبقرية ، لأنه ليس  هناك عبقرية خاصة ، كعبقرية للموسيقى أو الرياضة  أو الشطرنج ؛ والموسيقى العبقرى لا تقتصر معلوماته  على الموسيقى ، بل له نظرة نافدة فى الأشياء ، كنظرة  الشاعر والفيلسوف ؛ وهناك شئ عام مشترك بين  العبقريين ، سواء كان العبقرى شاعراً أو فيلسوفاً  أو موسيقاراً أو مصلحاً دينياً ؛ وليس في المرأة عبقرية ،  وذلك لأن حياة المرأة حياة لا تنبهية ، وحياة الرجل حياة  تنبهية واعية ؛ وقد أصاب توماس كارلايل مفصل الحق  فى كتابه عن الأبطال ، لقرنه العبقرية بأرقى أنواع الرجولة .

اشترك في نشرتنا البريدية