الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337الرجوع إلى "الثقافة"

النتائج الطبيعية، لحوادث سوريا

Share

لا نريد أن نعيد القول فى حوادث سوريا ومبلغ ما أصابها به العدوان الفرنسى من الخسارة فى الأنفس والأموال . ولا أن نناقش ما أورده الجنرال ديجول تبريرا لملكه الغريب فى تلك الحوادث وما ألقاه من الاتهام لعمال إنجلترا فى الشرق وما رد به المستر تشرشل علي دعواه ، ولكنا إنما نحاول أن نستعرض ما كان لتلك الحوادث من صدى فى العالم ، وما قد يكون لها من أثر فى الاتجاهات السياسية الدولية فى المستقبل ، وما ينبغى أن يكون لها من نتائج فى تحديد السياسة الإيجابية لكتلة الأمم العربية .

فأول ما يسترعى الأنظار أن الرأى العام العالمى قد اضطرب لتلك الحوادث الأئيمة ، وأن سوريا ولبنان قد كسبتا عطف أمم الأرض جميعا فى هذه النازلة التى نزلت بهما وأن ملك فرنسا كان محل استنكار عام .

وأنها على الرغم من كل ما ادعته فى بياناتها لم تستطع أن تقدم لنفسها عذرا مقبولا فى الاعتداء على شعب أعزل مجرد من كل وسائل المقاومة واستعمال المدافع الثقيلة والمدافع الرشاشة وقنابل الطائرات وأسلحة الدبابات فى الفتك بالمدنيين الآمنين وتخريب الفنادق والمساجد والمستشفيات والاعتداء على المنازل ونهب ما فيها من مقتنيات وتحريق مخازن التموين وتقتيل الاسرى وترك جثث الموتى ملقاة فى الطرق . فمثل هذه الإجراءات لن تجد رجلا به ذرة من الشعور الإنسانى يبررها فى مثل تلك الظروف مهما كانت الأسباب . وهى أشبه بالفزعات الانتقامية التى كان يلجأ إليها المتبربرون فى العصور القديمة ، وكنا نحسبها قد انقضى عهدها بانقضاء الحرب مع الطغاة وأنها لم يعد لها وجود فى عالمنا الحديث .

وقيام فرنسا بهذه الحملة الطائشة فى الوقت الذى ينعقد فيه المؤتمر الدولى بسان فرنسيسكو لضمان الأمن ، ومنع الاعتداء وإقامة علاقات الأمم على العدل والمحبة وفى الوقت الذى يجلس فيه مندوبو فرنسا مع مندوبى سوريا ولبنان فى ذلك المؤتمر على قدم المساواة لابد أن يكون قد آثار فى نفوس مندوبى الأمم جميعا شكا عميقا فى جدوى مثل ذلك المؤتمر ، فها هى دولة مشتركه فيه توليه ظهرها ولا تبالى ما يبحثه وما يسعى إليه وتقوم بعمل انفرادى من جانبها دون الرجوع إلى أحد وتضع تحت أنفه مثلا من أمثلة العدوان تتحدى به مهمته وأهدافه وما قد يتخذه من قرارات ، وهذه الدولة إحدى الدول الخمس التى سيكون لها مركز دائم فى مجلس الأمن والتى ستكون لها كلمة عليا فى تسيير دقة السياسية المالية وسيوكل إليها مع بقية الدول العظمى أمر حماية أمم الأرض من العدوان .

لقد كان عمل فرنسا منبها للأمم الصغيرة بما ينتظرها من أخطار ومتاعب باعتمادها على تلك الأمم الكبيرة وترك أمر حمايتها من العدوان وكفالة استقلالها لها . وأكبر الظن أن فكرة الوصاية التى ستكون لبعض الأمم الكبيرة على الأمم الصغيرة قد أصيبت فى الصميم . فها هى إحدى الدول التى قد ترشح للوصاية على أمم صغيرة قد  قدمت الدليل على عدم أهليتها لتلك الوصاية وأثبتت أنها لا تؤتمن على كفالة غيرها من الشعوب وتهيئتها للنهوض والارتقاء ، فهى لا تصدر فى تصرفاتها إلا عن أنانية سافرة ، تتكلم عن مصالحها الخاصة ونفوذها الخاص ، وهى أحرص على إظهار سلطنها وسيادتها على الشعوب التى يوكل لها أمرها منها على رعاية أمورهم والأخذ بيدهم . وهى لا تتورع عن الفتك بهم وتخريب ديارهم وتعطيل أسباب الحياة عندهم إذا مست مصالحها ومكانتها من قريب أو بعيد .

هذا هو الأثر العالمى لملك فرنسا . وإذا كان هناك شىء قد أعاد الثقة للناس وأزال ما ساور النفوس من شك

فى السياسة العالمية الجديدة فهو الموقف الحازم الذى وفقته انجلترا وأمريكا وأبدته روسيا ، هذا الموقف الحازم الذى ألزم فرنسا الكف عن العدوان ورد جنودها إلى ثكناتهم وأعلن بلسان رجال انجلترا الرسميين استنكار عملهم وحملهم تبعة هذه الحوادث التى تنافى روح السياسة العالمية الجديدة .

أما أثر تلك الحوادث فى الأمم العربية فقد فتح أعينها على ما تستهدف له من أخطار ببقائها مجردة من أسباب القوة معتمدة على المعونة الخارجية ، وأقنعها بضرورة العمل السريع المتحدد على تهيئة أسباب دفع العدوان عن كيانها والاعتماد على جهودها الذاتية قبل الالتجاء للعون الخارجى .

ولقد زادت تلك المحنة جامعة الأمم العربية قوة وأقنعت المترددين بضرورتها وزادتهم يقينا بأن كل أمة من الآمم العربية منفردة تكون فريسة سهلة لكل باغ معتد وأنه لا نجاة لها إلا بتضامنها واجتماع كلمتها على أن تكون صفا واحدا فى الذب عن كيان كل أمة منها . ولقد حفرت فرنسا بيدها هوة سخيفة بينها وبين الأمم العربية بما اتخذته من خطة عداء صريح وما ارتضته من مسلك انتقامى شنيع ، فخسرت نفوذها الأدنى وفقدت ما كان البعض بشعر به من عطف عليها لما أصابها فى الحرب الأخيرة من ذل وهوان ، وصرفت قلوب الناس عنها وعن كل ما يمت لها بصلة ، ولن تلتئم الجراح التى أسالتها وتعود العلاقات الأدبية التى كانت بينها وبين الشرق العربى إلى سابق عهدها حتى تخلع عنها تلك الرجعية العسكرية الذميمة وتتجرد من روح الأثرة الغالية على سياستها وتكفر عن الأخطاء التى ارتكبتها .

ونعود فنكرر أن الوضع الحالى الحاضر لا يطمئن النفوس ، وأن الناس لا يزالون ينتظرون تطورا أبلغ أثرا فى العلاقات الدولية وأنهم لن تهدأ نفوسهم حتى يزول الرق فى الأمم كما زال الرق فى الأفراد وتتحقق العدالة والمساواة بين شعوب الأمم كبيرها وصغيرها .   ( . . . )

اشترك في نشرتنا البريدية