من اظهر ما بمخضت عنه حركة التجديد في الأدب ظهور اسلوب جديد فيه موسيقية الشعر ، ولكنه متحرر من القيود والأوزان ، فهو في تحريره هذا بشبه النثر ، ولكن تسيطر عليه موسيقى تنظم سطوره وتتجاوب في ثناياء . وقد اطلق عليه أحيانا النثر الشعري ، وأحيانا الشعر المنثور . وفي تسميته " بالنثر الموسيتي " مطابقة لحقيقته ومجانبة لاضطراب التسمية .
وقد امتاز اسلوب الاستاذ " عنفيف في كتبه وهذا هو الخامس منها - عموسيقية تجعله صاحب طريقة خاصة في الكتابة ، فتشعر وانت تطالعه بجو تشيع فيه تفتحات الشاعرية ، وشذي الزهور ، ويعبق بسحر الحب . والاستاذ عفيف شاعر يحمل على أجنحة خياله الرقيق ، ويطوف بك في دنيا حافلة بألوان الجمال . الجمال الذي يؤمن به ويعيش من أجله ، هذا الإيمان باسر القارئ في دنيا عفيف ، فيحس وهو يطالعه وكأنما يعيش معه في دنياء ، يننقل بين الزهور والورود ، والحقول واغمائل ، يسمع اغاريد الطير ، ويشاهد جمال العذاري . وقد استولى المؤلف على القارئ بسحره وقته ، فيشعر هذا وكاننا ابدمجح مع الشاعر تماما ، حتى ليشاركه إحساسه وبقاسمة السمات والاشجان ، واسمعه بقول في ص ١٦٦ " الليل " :
إنني أنا من درجت على أن أهصر قلبي كلما جلست في الأشواق أكتب فأخضب الصفحات أمامي بدمائه المراقة
وإذا تفوح من دفها رائحة الصدق تقع على القلوب الوقع الحسن واسكب الدموع أنهارا بين السطور تحمل فيها ذوب نفس بشرية يلمس جرحها جرح كل إنسان انقل اليوم إعاني إهاما من نور يطفو فوق الورق كما تطفو الآحلام على المقل المكحولة بالنعاس شري وليست شري . .
هذه النفحات الشعرية العطرة تذكرنا باجواء طالغور شاعر الهند الكبير في دواوينه " البستاني " و " جني ثمار " و " جيتنجالي " ، استمع إلي عفيف يقول ص ١٩٢ :
الأيام ! . . التي قدر لي أن أحياها شارفت النهاية . هذا ارغني تتحشر جثمات فيه ثم ترسب في قاعه وكانها قصة . والا كانيل ، التى نظمها لي ايدى العذاري ، وعقدها فوق مغري في الليالي المقمرة ، ذوت زهرانها وتهاوت .
فإليكم يامن أهديتموني الزهور الحسان ، ولنغمي أصليت كلما جلستم في الخمائل تعاطون نديما ، أو على شواطئ الأنهار تتشاكون الهوي ، أزجي وداعا أنديا . وأسفا ! قضى الأمر وانتهي زمن الترنم بالأغاني . وحان للمنشد أن يعزف لحن الختام . .
ولقد كنت أظن أن "عفيف" متأثر بطاغور حتى إنني في إحدي مقابلاني له ابديت له هذا الرأي بعد مطالعت كتابين من مؤلفانه ؛ وأشد ما كانت دهشتني حينت علم اليقين أنه حتى ذلك الوقت لم يقرأ أي كتاب لطاغور ) وأخيرا انكشف لي السر الذي حيرني . فهذا الإيمان بالجمال وهذه الوداعة المتناهية والرقة المفرطلة التى تتفق في كثير من الوجوه مع طاعور سنها وجود تشابه ( إلى حد ما ) في نظام العيشة . فعفيف ليس ككثير من الشعراء .
شاعر فقط حينما يكتب ، وفيما هذا ذلك فهو إنسان كبقية الناس بعيش مثلهم ويحيا حياتهم ، لا يفترق عنهم إلا في لحظات الكتابة والإلهام . كلا . . بل ه شاعر في ليله ونهاره ، شاعر في صحوه وإهامه ، شاعر حين لم يستطع أن يوفق بين دنياء " دنيا الشعر والجمال " وبين دنيا الناس ؛ فترك المحاماة ليخلص للشعر والآحلام ! وقد بلغ به التفاني في إيمانه برسالته أن ابني لنفسه في حديقة منزله كوخا على حافة بحيرة صغيرة زرع بشاطئها الغاب والحلفاء ، وكل انه في الكوخ رفنيل صنير بضاء بالزيت وكومة من القش ملقاة على الأرض بناء عليها . وهنا في هذا الكوخ المجيب ) الصومعة ( قضي عفيف ثمانية أشهر معتزلا الناس لا تطأ قدماء عتبة المنزل . . والآن بعد أن ترك عزاته ليؤدي رسالته ها هو يقول : " الآن وقد غنيت أغنيتي التي هجرت مليا عزلتي من أجلها . ولبيت طلبا سائله عزيز ، إني إذا لالي الهراب عائد وهكذا يعيش هذا الشاعر حياة للفن خالصة
وأنت تقرأ " لعفيف " في كتبه الكثير عن وصف حياة الكوخ والرعاة وشاطئ البحيرة وحياة الزهر والطير ، والدعوة للرجوع إلى كتف الطبيعة المجردة من بهرج المدنية ، وتعجب لهذا الصدق في التصوير ، والدفة في الوصف وعمق الايمان ؛ وما ذلك إلا لأنه يعبر عن دنيا عاش فيها ليس بخياله فقط ، بل وسمه وجسمه أيضا .
الفكرة :
الفكرة عند عفيف تابعة للاحساس الشعري ، أو هي ظل له وسدي ، فهو بترك نفسه على سجيتها حتى تفيض بها الشاعرية ، فنسجل ما تسجل ، غير خاضمة لفكرة غير فكرتها هي ، او مبدأ غير مبدئها ، وهو يتلخص في " الجمال والشعر والحب " . وانت تستطيع ان تضع هذه الكلمات الثلاث عنوانا لكل كتب عفيف ؛ فهي شعاره الذي لا يحيد عنه . وعفيف كمل شاعر وفنان ، عليه أن بشدو ويدعو إلى المثل الاعلي الذي بتخيله ؛ وللناس ان
يتبعوا طريقة او يقفوا عند ندوق ما في شدوه من سحر ، وما في خياله من جمال !
الحب :
أول ما يلفت النظر في حديث عفيف عن الحب أنه محب متمرد ! ! فهو لا يعرف القناعة في الحب ، وله فيه فلسفة بوهيمية ! ولعل هذا لأنه لم يصادف بعد الروح التي تكافي قوته وجبروته ، فتحتويه في طياتها احتواء ، وتصهره في سميرها ، فيتلاشي عاما ، وبستحيل إلى بخور سماوي ؛ وقد تمس له صديقنا الشاعر " الصيرفي " حين تناول كتاب منأجاة منذ سنين اربع ، ان يوفق إلى هذه " الروح " ، ولكن عنفيف وإن كان يرينا احيانا انه عثر عليها إلا أنه سرعان ما يتعود!!
على أنه يقدم لنا ذلك البخور السماوي حين يقف أمام عروس خياله ، فيبدو كالطفل الصنير بثوسل امام جبار شديد (انظر المناجاة ص ١٢٤ ) .
أما حين يقف أمام حبيبة من بنات حواء ، فهو الهجرب اللبق الذي يعرف رغبات الحس ، ويفهم ما تنطوي عليه نفسية المرأة .
وعقيف أمام الطبيعة صوفي متبتل ، وصلانه للفجر ص ١٥٩ من أيدع ما خيلته راعة فنان ، ولا أريد أن أنقل منها شيئا حتى لا أفقدها جلالها وروعتها . .
إن من يريد أن يدخل دنيا عفيف ، فليدخل إليه بقلبه فقط ، فهو بكتب للحيل التحرر ، الجيل الذي بطلب الفن للفن ، والذي اتسعت أفاق وجدانه وعرف أن في العالم آكارا تمووج بآيات الفن الخالص الرفيع . على أنني آخذ عليه سأمه من الحياة ، وإن كان ما دهاء به القدر من مصائب لاسيما في أخويه الشابين - لما يفوء بثقله جبار ! ولكن لماذا تطلب الموت ؟ كلا امها الليل الغرد ، إن مجال العمر أمامك لا يزال فسيحا ، وإنا لتنتظر منك الشئ الكثير .

