الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

النثر والقومية العربية

Share

نحن المخضرمين الذين عشنا في جيلين ، سابق ولاحق ، لا يفوتنا أن فكرة القومية العربية وهي دعوة الساعة ، كان لها بالأمس صوت جهير .

بيد أن هذه القومية العربية لم تكن لها دلالة مختمرة في اذهان الكتاب ، ولم تمكن مستبينة المعالم فيما تجري به الاقلام .

كنا مضطربين في أمرها اشد الاضطراب ، مختلفين فيها كل اختلاف ، يتعصب لها منا فريق ويثور عليها فريق آخرون ، وكان المتعصبون لها والثائرون عليها سواء في التطرف او في الشطط والاعتساف ، وفقا لمقتضيات وملابسات حافة بالامة العربية في تلك الايام .

المعتصبون للقومية العربية كانوا يتمثلونها لياذا بالماضي ، واعتزازا بالسلف ، فهم مُنشدون للكتاب أن يرجعوا الى العصور الاولى ، ويؤثرون للادباء أن يحيوا في أجواء العهود الخوالي ويأبون على المفكرين أن يسلس قيادهم لاتجاهات حديثة أسفرت عنها الحضارة العصرية في ميدانها الثقافي .

والثائرون على القومية العربية كانوا يشنونها حملة على كل قديم في التفكير والتعبير ويَعْتَدُّونَهُ عقبة في طريق التطور والتقدم ، ولم يسلم من حملتهم تراث العروبة في فنون أدبها وفي ألوان ثقافتها بل في كثير من دعواتها الروحية الموصولة بالعقيدة والدين وتنابز الفريقان بالالقاب : فريق المحافظين ، وفريق المجددين ، لكل منهما زاوية ينظر منها لا يعدوها ، ولكل منهما وجهة هو موليها ، فان قلنا انهما كانا كلاهما على خطأ فلسنا على خطأء , وان قلنا انهما كانا كلاهما علم صواب فلسنا نجانب الصواب .

اولئك المحافظون آمنوا بالقومية العربية ، فأقاموا من انفسهم سدنة لها ، متعلقين بأستارها يتمثل ايمانهم في الاستمساك بالتراث العربي القديم ، وفي الاستحياء لاساليبه

ومشخصاته ، فلا معدى للادب عن أن يستجيب لهذا البعث كل استجابة . وان يواكبه فيما يهدف اليه من اغراض جسام .

تلك هي الاقلام تصابحنا وتماسينا بانتاج ادبي ترتسم فيه وثبة التحرر ، فقد أمسكت هذه الاقلام عن التعلق باذيال الموضوعات التجريدية ، والوجدانيات الحالمة , وأقبلت على تصوير الروح الجديدة التي تتمثل فيها اليقظة والعمل والكفاح . وانما انصرف حملة الاقلام الى هذا الجد في التصوير الواقعي لانهم وجدوا انفسهم امام واقع اجتماعي قوي يرج النفوس ويملأ الاذهان ، لا كما كان أسلافهم بالامس يعيشون في واقع هزيل لا يحدوهم الى التعبير والتصوير .

ومهما يكن من جدال النقاد في ان يكون الادب هادفا أو غير هادف ، ملتزما أو غير ملتزم ، مجندا أو غير مجند ، فما أحسب الكاتب العربي في هذه الفترة من زمنه بمستطيع أن يغفل الاحداث التي تتخذ لها اليوم شعار القومية العربية ، فان هذه الاحداث تهز كيان كل عربي ، وتتغلغل في صميم كل بيئة عربية ، وان الكاتب ليستهين بأمانة القلم في يده اذا هو لم يتسمع لمختلف الهتافات والمناجبات التي تضطرم في ذلك المجتمع العربي ، واذا هو لم يلتقطها ويبث فيها من ذوب نفسه ومن فيض روحه ما يجعلها مددا للفكر الجديد ، وكف يكون الكاتب مخلصا فى استيحاء الحياة من حوله ان صمت اذنه دون انبعاث قومي في مجتمع كبير يعيش بين ظهرانيه .

ما أهون أن يكون الاديب معدودا من أهل عصره ، بتاريخ ميلاده ، لا بما يحمل أدبه من معالم تضعه حيث وضعته الايام من احداث وطنه في ذلك التاريخ .

لسنا نبغي ان يفرض الكاتب على نفسه شيئا ، ولسنا نعني أن يتخذ الكاتب من قلمه بوقا يعلو به صوتٌ مسوق اليه محمول عليه ، فذاك هو التكلف الذي لا جدوى فيه , وذلك هو الافتعال الذي نأباه . وانما الذي نبغيه ونعنيه ان يرهف الكاتب حسه ، ويفسح من نفسه مجالا تتجاوب فيه أصداء الحركة القومية ، فانه خليق أن ينتفض وأن يستشعر وأن يتوافر له الانفعال القوي فلا تلبث نفثات فكره وروحه ان تذكي الحمرات التي تومض تحت الرماد .

ربما آثر الاديب الا يربط بين فنه وبين تيارات تتناوح من حوله , اذ يؤمن

بأن العمل الادبي اذا ارتبط بهذه التيارات نقص حظه من الفن ، وقصر عمره في حساب الزمن ، وفاته الخلود الذي يتاح للاعمال الفنية الخالصة غير المقترنة بملابسات عابرة في حياة الامم وكفاح الشعوب .

ولكن الحق ان الاديب اذا عمق حسه ، وصدق استلهامه ، وآمن بما يجري به قلمه لم يستعص عليه أن يكون فنه قويا خالدا وان تناول احداث العصور ، وعبر عن ملابسات الجيل ، وانصاع للتيارات العارمة التي تمر بالمجتمع .

ومن الحق ايضا ان المجد الادبي إذا عُقِدَ بناصية الاديب الخالص في فنه للحياة الانسانية المجردة فانه يُعْقَدُ كذلك بناصية اديب يجند ادبه لهدف قومي ، ليكسبه له جهارة وقوة وحيوية ، فقد لمع في الآداب العالمية ادب الكفاح الشعبي ، وبقي على الزمن ما فيه من روائع وعيون ، وكتب الخلود لاصحابه بين الادباء , كما كتب الخلود لهم بين قادة النهضات .

واني لاذكر هنا اديبا مصريا عاش في عصر الثورة العرابية وجند أدبه في معسكر الوطنية المصرية لذلك العصر ، هو السيد عبد الله نديم ! فقد أجاد قلمه لونا من ادب الكفاح أدى مهمته فى حينه أحسن أداء ، ولربما عز علينا أن نتلمس فيما انتهى الينا من آثار " النديم " في ادبه الكفاحي ما يَصْعَدُ به الى قمة الفن ، ولكنه استحق التمجدد والخلود .

وإذا طاب لنا أن نهتف بحرية الاديب العربى فيما يجري به قلمه ، وفيما تضطرم به نفسه وأن ننشد طلاقة الطائر في الافق ، فعلينا أن نهتف كذلك بالرسالة الانسانية الملقاة على عاتق الاديب الحر ، رسالة الاحساس بالحياة التي يحياها ، والتعمق فيها . وتزكية ما يلتمع في مجتمعه من مثل رفيعة تدعو الى حرية وحق وخير وسلام ، والقومية العربية التى تعمر جوانح المجتمع العربي اليوم ليست الا مثلا انسانيا رفيعا ، فهي موجة من موجات التقدم البشري ، تدعو الى الايمان بالنفس والى حرية العمل للخير والحق والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية