الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316الرجوع إلى "الثقافة"

النجاح

Share

( بعض محاولات لتحديد معناه ) ( إن الفشل الذى لا فشل سواه ، والذى يجب على المرء أن يخشاه ، وهو قتله فى شق طريقه إلى هدفه الأسمى )                                     " جورج البوت "

كان من عادة سقراط إذا سمع الأتينيين يتكلمون عن العدالة والفضيلة أن يسألهم ماذا يعنون بهذه الكلمات وقلما كان يظفر بالجواب المقنع .

وكان يستنزل الفلسفة من السماء بوسيلة لا عسر فيها ولا تعقيد ، وهى ان يطلب إلى محاوره ان يأتى بتعريف للفلسفة من التعريفات التى تحى عرضا أثناء المحاورة .

وبينما كان سقراط يستغزل الفلسفة من السماء بتلك الوسيلة كان يستغرق على نفسه سخط الجماهير التي تكره بطبيعتها تلك الأسئلة التي تبعث الضيق والضجر .

وفى الحق أن موت سقراط راجع إلى تلك الجريمة اللاصقة به وهى سؤاله دائما - ماذا تعنى بهذا ؟ وما تعريف هذا ؟ . وإن كانت تلك الجريمة - فيما يبدو لنا - ليست سببا كافيا لتجرعه كأسا من السم ولكن الذى لاشك فيه أن سقراط كان رجلا يضيق به محاوره .

ومع هذا فإن علينا أن نضع لكل ما يعرض لنا من المسائل تعريفا ، إذ أن المطلب الأول لكل تفاهم ثقافى أن يكون للكلمات - وبقدر الإمكان - معنى واحد مقبول لدى جميع الناطقين بتلك الكلمات وإلا تبلبات الأفكار وضل المتكلمون سواء السبيل .

وإليك كلمة النجاح " وهى كلمة يشرحها القاموس بقوله : - " الخاتمة المرغوبة والنتيجة المحبوبة لكل ما يحاول

المرء عمله وهذا تعريف بسيط شامل كما ترى لأنه ينطبق على كل عمل ، مبتدئا من تلميع الحذاء ، ومنتهيا بانشاء مصرف مالي رأس ماله بقدر مثات الآلوف " .

ولكن ليس هذا هو ما يعنيه الناس إذا تكلموا عن النجاح . وهم بصفة عامة يعنون النجاح فى مسائل المال . فمثلا أول النابغين من خريجى كمبردج لا ينظر إليه كأنه رجل ناجح . فمن الجائز أن يسمى رجلا ذ كيا ممتازا ، ولكنه فيما يتعلق بالنجاح لا يمكن أن يصل إلى مرتبة تاجر البيض والزبد الذى جمع مالا فعدده ، فابتنى الدور والقصور ثم آوى إلى كهف أمين من الراحة والدعة .

نعم ... والنجاح إن دل على شىء فانما يدل على شىء محسوس ملموس حسبما تدل عليه المعانى السائرة ، أو بعبارة أخرى شىء واقعى .

فإذا أخذنا بقول القائلين ان النجاح هو النهاية الحسنة لكل محاولة يحاولها المرء فان لزاما علينا أن نسلك فى عدار الناجحين سقال الأخشاب ، وأن نقفس بالسقاء متى قام هذا وذاك بالواجب المفروض ، وان كنا لا نستطيع أن نسعى أمثالهما أشخاصا ممتازين .

ومهما تباينت العناصر المكونة للنجاح فى العصر الحديث فان العنصر التجارى هو أبعدها دويا وأكثرها طنينا .

ولنفرض أننا أمام رجلين - صيدلانى صنع دواء جديدا ، وشاعر صنع شعرا مقصدا ،أيهما أنفع للجماعة الإنسانية ؟ مسألة بالطبع فيها نظر ، ان كلا من الدواء والشعر نافع فى محيطه . هذا نافع للعقل وذاك نافع للجسم ولكن لننزل بهما إلى السوق ولتعلن عن كليهما بسخاء . ولتصحب الدواء بالشهادات الناطفة بفضله ونفعه ، ولتصحب الشعر بمقتطفات من أحسن المجلات وأكثرها ذيوعا .

إذا تحملنا هذا نال الشاعر قسطا عادلا من الذيوع والشهرة ، ونال من الجزاء المادى مالا يكاد يذكر

أما الصيدلانى فسوف يجزيه الدواء أكواما من النقد يجمعها فى سرعة ثم سواء عنده بعد ذلك أكان من النابهين أم كان نكرة فى عداد المغمورين .

ومن عجب ان طبائع الجماهير تأبى إلا أن تقنع ببضع آلاف من ديوان الشاعر ، بينما لا تكف عن شراء الدواء مادام صاحبه يحسن الإعلان عنه .

ومن جهة أخرى فان الجماهير لا تعبأ بالصيدلانى كرجل إلا بقدر ما يوحى به الفضول العابر .

والشاعر بقى اسمه فى المكان الأسمى من النجلة والاحترام ، وإذا مات فإنه واحد من يشترى ممسحة القلم الذى كان يكتب به بأكثر مما كان يشترى به نسخة من ديوانه .

( وبعد ) فان كلا الرجلين قد نجح ، هذا فى محيط المثل العليا ، وذاك فى محيط الآمر الواقع . والفرق بينهما ان نصيب أصحاب المثل العليا من ثروة الدنيا فلما يقفز إلى نصيب أصحاب الصناعات المادية .

إن ما أفاده ملتون من كتابه " النعيم المفقود " ثمن بخس دراهم معدودة ، ولكن مقام ملتون ظل فى الصدارة من موكب الشعراء .

واليك مثلا آخر . - طبيب فى احدى القرى ، ورجل من رجال المال فى احدى المدن .

الطبيب مغرم بأربعة أشياء ، الطبيعة والأدب والإنسانية والطب . فالغابات والجبال والمروج الخضر هى نزهة خاطره ومراح خياله

وهو مأخوذ بسحر الكتب يمسها برفق كأنما يمسك بكف صديق حميم .

وهو محبوب عند الناس لتضحيته براحته فى سبيل راحتهم ولعطفه وحنانه .

وهو لا يدخر جهدا أو مالا ليجعل من نفسه إماما فى

المعارف الطبية ، ولكن يظفر مرضاه بخبر علاج اخرج للناس حتى إذا عم القضاء ووافته منبته ترك ثروة محدودة واسما لا يتخطى محيط القرية التى عاش فيها .

ثم انظر إلى رجل المال تجمد أن شغله الشاعل هو المال ، فهو لايجهل شيئا من خصائصه ، وهو باحث من الطراز الأول فى مسائل السندات والأسهم ، وفى أسعار هذا العام وأسعار العام الماضى ، والأسمار لعشرة أعوام مضت ، وهو يعرف كل هذا كما يعرف كل منا جدول الضرب ....

ولكن حب المال هذا له عيوبه . فهو يحيل كل شىء ذهبا في نظر صاحبنا . وهل مصير أسوأ من هذا المصير . وليس لجمال الفكرة عند صاحبنا هذا وزن ولا قيمة . إلا فكرة واحدة لها بريقعا ولمعانها ، فهو لذلك يختصها بحبه . وتلك الفكرة الجميلة هي الحسية المالية ...

فإذا جاء أجله لم يعقب غير أكوام من الذهب .... ؟ قال مرة رجل من رجال المال : - لقد كونت ثروتى بمجهودى . وأنى بعمل هذا إنما عملت على خراب آلاف من خلق الله ....

وفى هذه الكلمة من معالى الندم ما تتعلق به حروفها .. ونحن إذا قارنا بين طبيب القرية ورجل المال امكننا ان نقرر - فى غير تردد - ان الأول كان انسانا وان الآخر كان آلة من آلات النقود الحساسبة . وأمكننا أن تقرر ان رجل الطب حقق وجوده الانساني ، وان رجل المال حقق ثروة ...

وإنى لأسارع فأقرر أن جميع أطباء القرى ليسوا ملائكة وقديسين ، كما أن رجال المال ليسوا كلهم قساة خاطئين .

وان كان فى جمع المال جريمة فهى فى نظر الباحث سواء كان الجمع عن طريق توظيف المال فى الشئون المالية

ام كان عن طريق شفاء المرضى أو جبر عظام المصابين .

ويمكن القول بأن حياة الاول كانت وسيلة لاحياء النفوس وجبر الخواطر ، وان حياة الثاني كانت وسيلة لاهلاك النفوس وكسر الخواطر . وقصة ذلك المالى الذي أسلفنا الكلام عنه لا تخلو من عناصر طيبة ، وهى عناصر الجرأة والجلد . ولكن نهايتها إلى فشل ذريع .

( وبعد ) فأى الرجلين كان نصيبه من النجاح أرجح ؟ أما بلغة التجارة والتجار فرجل المال ... وأما بلغة المثل العليا فالطبيب ...

ومن المسلم به أن هناك رجالا ينجحون فى حياتهم بالطرق التجارية كما ينجحون بالطرق الآخر . كما أن هناك رجالا ينجحون فى أعمالهم بكل الطريق ما عدا الطريقة التجارية ، كما أن هناك أيضا رجالا لا ينجحون مطلقا مهما كانت الوسيلة وكانت الطريقة

( عن الإنجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية