الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الرسالة"

النحو

Share

النحو علم لا أعرف منه إلا اسمه . وما أكثر ما أجهل وأضأل ما أعرف ! ولو كنت وجدت من يعلنيه لتعلت وما قصرت . وكيف بالله تنتظر من أعرفه بالفطرة والالهام . كان أول من قيل لنا إنه معلم نحو رجلا قاسيا سي الطباع سريع البادرة , وكانت له عصا قصيرة من الخيزران يدسها فى كله ، حتى إذا أمن أن يراه الناظر أخرجها وسلطها على أجسامنا الصغيرة وأهوى بها على أيدينا وجنوبنا ورؤوسنا فلا يتركنا إلا بعد أن ينقطع نشيجنا وتخفت أصواتنا وتذهب عنا القدرة على الصراخ والاستنجاد ، ولم يكن أبغض إلينا من درسه . ومن المضحك أن ذلك لم يكن يخيفنا منه ولا يزيدنا إلا إلحاحا فى معائته . وكنت أنا أثقل التلاميذ عليه وأبغضهم إليه , لأنني كنت - وأحسب أني مازلت . شيئا صغيرا جدا وخفيفا مستدقا لا أستقر فى مكان ، ولا أزال انط من هنا إلى هنا ولا يكف لسانى عن الدوران . فكان نصيبى من هذه العلاقات النصيب الأوفر وحظى هو الأجزل . وكان الناظر فيه سذاجة عجيبة لم تفتنا نحن الأطفال . وكيف كان يمكن أن يفوتنا التفطن إلى سذاجته ونحن مئات من الأطفال لنا مئات من العيون نفحصه بها , ومئات أخرى من الآذان والرؤوس تسمعه وتتدبر أمره وتجسه وتختبره .. فكنت أذهب إليه وأقول له على سبيل الملق والدهان " يا سعادة البك , فيلتفت بوجهه الكبير إلى ويقبل على بابتسامةه البلها ، فقد كانت الرتبة جديدة وفرحه بها عظيما . ويسألني " مالك يا امن ( بالميم فقد كان أخن ) عبدالقادر , فأقول له ": ياسعادة البك , الشيخ فلان ياسعادة اليك معه عصا يخفيها فى كم القفطان ويضربنا بها يا سيادة البك , وكنت صادقا ولكنه لم يكن يعرف أنى صادق غير أنه كان يسمع " سعادة البك , تصافح أذنه مرات عديدة فى نصف دقيقة فيطرب , ويصرفه الطرب عن التثبت فيقول لي - متآمرا معى " طيب . رح انت إلى الفصل وعكسه " اى والله كان يحرضنى

علي معاكسة الشيخ المسكين ليضبطه - كما يقال - متلبسا بالجريمة ، أو كان يكتفى بأن يأمرنى بالعودة إلى الفصل ثم يدخل هو ويفاجى " الشيخ بانتزاع العصا من كمه ويوبخه امامنا وينصرف . فتصيح أربعون حنجرة جديدة " هيه " فيكاد الشيخ يحن وينهال علينا ضربا بالدين والرجلين فتنكشف سراويلاته فيعلو الصياح من جديد ، ولكنه يكون قد تعب وأضناه الجهد وبهر أنفاسه العدو وراءنا فيقف و هو ينهج ويخرج المنديل من جيب القفطان ويمسح به العرق المنصب ونحن جميعا نتكلم وليس بيننا واحد يصغى إلى ما يقال

لكان الناظر وحده كفيلا بافساد الأمر عليه . فقد كان يتظاهر بالعلم بكل شىء وهو لا يعرف شيئا .فاذا تورط ولم يسعه إلا الاعتراف يجهله قال ": جاهل جاهل . لكن إدارى تمام , ومن ظريف ما ذكره من نوادره أنه دخل علينا فى درس ترجمة وكان المعلم غائبا . ولم يكن هو يعرف ذلك وان كان فيما يزعم إداريا حاذقا , ولكنه سمع ضجتنا العالية فسأل فقيل له إن هذه الفرقة ليس فيها معلم , فلم يندب غير بل جاء هو إلينا بنفسه وبطولة وعرضه وسألنا ": مالكم يا أولادكم , قلنا , يا سعادة البك المعلم غائب , قال " الدرس إيه , قلنا " ترجمة يا سعادة البك " فانشرح صدره واغتبط وآيقن أنه سيظل يسمع منا مايسره فقال ": طيب وايه يعني "؟ فقلنا " ياسعادة البك لم نفهم الدرس السابق ياسعادة البك , فسأل عن هذا الدرس السابق الذى استعصى علينا فقلنا له انه كان يحاول أن يعلنا النقص فى باللغتين العربية والإنجليزية ولكنا لم نفهم عنه . فاعزب لنا بعبارات صريحة عن دهشته وتعجبه لوزارة المعارف التى تعين مدرسين لا يحسنون تفهيم التلاميذ , وأكد لنا أنه يعطف علينا لأننا نؤدى للوزارة أجور التعليم كاملة ولا تتعلم مع ذلك شيئا . تم قال ان المسالة بسيطة وان النفى سهل جدا وأن أدواته فى اللغة العربية معروفة وهى " لا ولم ولن الخ " والأمثلة سهلة ومعروفة , وشرع يسوق الأمثلة . فلما بلغ " لم " قال "مثلا .. لم كتب . لم ضرب . لم ذهب , فانفجرنا ضاحكين وكان لنا العذر . وكيف لا نضحك من " لم كتب ولم ضرب "

فلما سكنت العاصفة بعض السكون قال يوبخنا ويزجرنا ويعظنا : " تضحكون ..؟ ابكون .. ابكون ".. فلم يبق منا طفل على مقعده من شدة الضحك , ولم يسكتنا الخوف منه وإنما أسكتني الألم الذي صرنا نحسه فى بطوننا من الضحك الطويل

هذا فى التعليم الابتدائي . أما فى التعليم الثانوى فقد كان أول معلم لي فيه مصابا بالربو , فكان لا ينفك يسعل ويتفل حتى توجعنا بطوننا . ولهذا كنا ننام فى درسه اونهرب منه اتقاء . لوجع البطن .

ثم صار . لنا معلم آخر وكان سياسيا ولكنه كان فى هذا نسيج وحده ، فكان يغلق النوافذ ليأمن أن يسمع أحد ما ينوى يقول - اعنى ما ينوى أن يفضى إلينا به من الأسرار . ثم يشرع فى الحديث فيصف لنا كيف كان الحكم المصرى على عهد الخديو اسماعيل ظالما , فنجادله وينقضى الدرس كله فى هذا الجدل العجب . ولست أدري لماذا كان بحشم نفسه إغلاق النوافذ . ولو ان الناظر الانجليزى سمعه لكان حقيقا ان يسرلا ان يغضب ,ولو ان أحسبه كان يفعل ذلك ليكون تأثير كلامه في نفوسنا أبلغ والعجب بعد ذلك ان تلاميذه كلهم صاروا وطنيين متطرفين فى وطنيتهم لا خونة لبلادهم كما كان يشتهى هو أن يكونوا

فممن كنت أتعلم النحو بالله .؟ وما الذى كان يمكن أن يغرينى اناتعله وحدى .؟ ثم ما فائدة هذا النحو الذى لم اتعلمه ولم احتج اليه .. وعسى من يسأل وكيف كنت تصنع فى الامتحانات ؟ فأقول إني كنت أقرأ ورقة الأسئلة وأترك النحو إلى آخر الوقت ثم أتناوله وأروح أجمع طائفة من الأمثلة أستخلص منها القاعدة فاجعل هذا جوابي . ولا شك أنه اكان لا يخلو من نقص ولكنه لم يكن خطا كله . هذه كانت طريقتى وقد استعنيت بها عن حفظ ما فى كتب النحو . وأرانى الآن أصبحت كاتبا - وقد كنت فى زمانى شاعرا كذلك - وقد وسعنى هذا وذاك بغير معونة من النحو . بل من غير أن اتعلم العروض . واذكرانى وأنا فى مدرسة المعلمين العليا كان الشيخ حمزة فتح الله هو الذى يتولى امتحاننا فى اللغة العربية - على الأقل فى احدى السنين - وكان من أعضاء اللجنة التى هو رئيسها الشيخ عبد العزيز شاويش وفتح الله بركات بك واستاذنا فى المدرسة وكنا ندخل على اللجنة واحدا واحدا

كما هي العادة فأخبرني الذين سبقونى إلى أداء الامتحان أن الشيخ حمزة عليه رحمة الله يفتح كتاب النحو والصرف ويامر الطالب أن نسمعه الباب الفلاني , وكانت هذه مبالغة ولكننا صدقناها ، فأيقت أني مخفق ووطنت نفسى على معركة . وجاء دورى فدخلت , فناولنى مقدمة ابن خلدون وقال افتحها فى أى موضع واقرأ , ففعلت , فامرنى ان أضع الكتاب وشرع يسالني عن كلمة , العدوان " ما فعلها الثلاثى ولماذا يقال " اعتديا -" بفتح الدال للماضى - واعتديا , بكسرها للامر . فلم اعرف لهذا جوابا , فقلت : " هكذا نطق العرب وعنهم أخذنا ." فالح فى طلب الجواب المرضى فقلت " إن اللغة نشات قبل القواعد , وانا انطق وا كتب وأقرا كما كان العرب يفعلون من غير ان يعرفوا قاعدة او حكما ، فساءه جوابى ونهرني وخشى الشيخ شاويش العاقبة فقال له " يا مولانا . العصر وجب , فتهض الشيخ حمزة لصلاة العصر وتركنى لزملائه فاسرعوا فى امتحانى قبل أن يفرغ الشيخ ويعود

وأحسب أن ماوسع العرب الأولين من معرفة العربية بلا نحو لا يعجز عنه أبناء هذا الزمان . ومن الميسور فيما أعتقد أن تحل قراءة الأدب العربي تحل النحو . وليس يعجز رجال العربية عن وضع مختارات صالحة لكل .سن . وإذا كان لابد من النحو فليكن ذلك عرضا واثناء القراءة وعلى سبيل الشرح وللاستعانة به على الفهم , وعلى الا يكون ذلك درسا مستقلا يؤدى فيه امتحان .

أما الطريقة التى يتعلم بها أبناؤنا العربية فانى أراها مقلوبه لانها تبدأ بما يجب الانتهاء اليه . ومن ذا الذي يتصور أن صبيا صغيرا يستطيع أن يفهم ما الفعل وما الاسم وما الحرف , وأن هذا يكون حكمه كيت وكيت وذاك يجري عليه كذا وكذا من .. وان هذه الفتحات والضمات والكسرات علامات إعراب أو لا ادري ماذا هى , وان لفظا يكون مسنداولفظا آخر يكون مسمدا اله إلى اخر هذه الالغاز التي لا يعقل أن يدركها طفل صغير. بل إنى انا الكبير اردت منذ بضعة ايام ان اراجع شيئا فى النحو ففتحت وقرات فيه شيئا ثم وضعته يائا من الفهم ولجأت إلى وسيلة اخرى كانت اجدى على من هذا الكلام الدى أراه يفهم , وذلك اني كتبت الوجهين اللذين حرت بينهما واختلط على الامر فيهما

فلم أعد أدرى أيهما الصواب وأيهما الخطأ ، ثم ذهبت أنظر اليهما فالذى سكنت اليه نفسي أخذت به وتبينت بعد ذلك أن ما أخذت به كان هو الصحيح وأن عينى لم تخدعنى وأن نفسي إنما اطمأنت إلى ما طال عهدها به من الصواب .أما ما لم تألفه أثناء مطالعاتى فقد رفضته . والطريقة التي أشير بها تجعل العربية سليقة على خلاف ما هو حاصل الآن فان أبناءنا يتعلمون العربية كما يتعلمون الانجليزية أو أية لغة أجنبية أخرى لا يشعرون بصلة بينها وبين نفوسهم . وكثيرا ما يتفق أن يخرج التلميذ وهو أعرف باللغة الأجنبية منه بالعربية . وليس بعد هذا فشل والعياذ بالله . واسأل من شئت فلن تجد أحدا لايقول لك إن اللغة العربية انحطت - أعني ضعف العلم بها - فى هذا الجيل , ولست أعرف لهذا سيبا إلا أن التلاميذ لايتعلمون اللغة وإنما يحفظون نحو او صرفا وبلايا كثيرة أخرى مثل البلاغة الخ لا تعليهم اللغة وإنما تبغضها اليهم , واذا كان التبغيض هو الغاية المنشودة فلا شك أن المعلمين قد وفقوا إلى مالا مزيد عليه . أما إذا كان الغرض هو تعليم اللغة فخير الأساليب هو الأسلوب الطبيعى الذى يتعلم به الطفل الكلام

اشترك في نشرتنا البريدية