الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 42الرجوع إلى "الثقافة"

النرفانا

Share

تواعدنا على اللقاء بجوار كنيسة " سان سرفان " بالحي اللاتيني ، ونفسي لا تزال تدوي بنغمات " بتهوفن " وإن لم أجد في نغماته - ذلك اليوم - ما الفت من بسط لحسي . وهالك الأمر إذ استعصت نفسي عن الرجوع إلى عناصر الطبيعة التى يستأنسها ذلك الفنان لقوة ما يأخذها به من ثورة واستسلام .

أذكر أنني لم استطع لساعتي أن أصور لك ما كنت فيه ، فلو أني فعلت لما أصبت منك اذنا مصغية ، إذ إدراكك الباطني كان قد سبق إلي شق الحجب عن وجداني . وسرنا إلي زقاق " القطة الصائدة " - وما أظنك إلا ذاكرة إياه - وهنالك وسط الظلام الذي لم يتخلله من ضوء إلا المختلس ، انفض فمي عن " الترفانا "

أخبرتك عن كيفية دخولي إليها ، ومن عجب أن الجها على يد شاعر :

الترفانا هي جنة بوذا ، يدخلها الناس وهم أحياء بعد طريق طويل يؤدى إليها ، على طول هذا الطريق يتعين على السالك أن يخلف عند كل مرحلة بعضا من نفسه ، وهو يثري بقدر ما ينفق ، وما ذلك البعض إلا اهواء وأمال تثقل تلك النفس فتقعدها عن الجلد على مشقة السبيل

وانتفضت كالطير الصغير يسقط عن زغبه الندي عند انبعاث الضوء من جوف المياه ، ورنا إلى منك طرف افصح دلالة من رنين البلور يصيبه شق خفيف .

نعم ، ولجتها على يد شاعر ، وشاعر ممن يحملون قلوبهم بأيديهم وإن نضحت دما . ولجتها على يد " موريس مباحر " .

ارجو منك المعذرة ، فما اختلست منك شيئا ، والعهد

لا يزال قاعما بيننا على قسم ما نصيب بالعدل ، وإنما ساقتني إليه قدماي في ذات مساء ، وفي النفس فراغ تعصف به رياح العدم ، وقد التمستك في كل سبيل ، كالثمل يتحسس مأواه في ظلام الليل .

والقاري لا شك سائلي : ولماذا انتظرت زقاق " القطة الصائدة " ؟

هنالك على ضفاف السين بالحى اللاتيني زقاق صغير لا يكاد يمر به رجلان جنبا إلي جنب ، حسبه الناس ماوي لقطة تغادره التماسا للصيد بالنهر ، فأسموه " القطة الصائدة " .

إلي هذا الزقاق وما جاوره أوت نفوس كبيرة نازحة عن بلادها عندما تقلب لها الدهر ، والناس يذكرون بلدة على حدود فرنسا ، تلك البلدة التى ردت عنها جيوش الثورة الفرنسية صدمات أشراف فرنسا ، وقد جمعوا جموعهم إلي أعداء بلدهم ليعودوا إلي بسط طغيانهم بالبلاد من جديد . في تلك البلدة وقف ذات يوم " جوته " وأشار بيمينه إلي فرنسا قائلا : " هنا تبدا بلاد الحرية " .

زقاق " القطة الصائدة " هو عمل اللاجئين السياسيين وعنهم كتبت كاتبة مجرية رواية تحمل اسم الزقاق ، كان لها في العالم المتمدن دوي الجيوش الفاتحة

لست أكذبك أبي ما مررت بالزقاق إلا وتسرب إلي الشك فيما قاله شيشرون من أنه يفضل أن يكون الأول ببلدته عن أن يكون الأخير بروما

ذلك أن أولية بريق لها الانسان ماء وجهه ، لأحق أن يفضل عليها الموت ، لا هجران الوطن فحسب .

وتساءلت عن هذا الحدث الجديد في حياتي ، وأحداثها متلاحقة تلاحق ذرات اليم ، وأبي حسك الصادق إلا أن

بري في تلهفي إلي الترقانا ضربا جديدا من نفسية بوفاري

" مدام بوفاري " رواية لفلوبير Floubert

هنالك على ضفاف السين بقرب مدينة روان حججت إلي بيت صغير اوى إليه فلوبير ربع قرن ، ولا تزال ممشاته خلف البيت قائمة يظللها صفصافه . في تلك الممشاة كان يسير فلوبير جيئة وذهابا يصبح بجمله التماسا لوقع قوافيها في نفسه ؛ وظل ينقض ما ينسج خمس سنوات إلي ان انتهي من بوفاري ، وأما ما فعله بتلك السيدة البائسة ، فيستطيع القارئ ان يجده في الصفحة الأولى لكثير من طبعات الرواية

على تلك الصفحة سيري القارئ فلوبير وقد شعر جسمه حتى لم يعد إلا رأسا ، ولقد كان للرجل هيكل العمالقة ، وإلى جانب هذا الرأس الضخم سيجد يدا صغيرة ممسكة بمشرط وبالمشرط قلب يقطر منه الدم نقطة نقطة

هذا ما فعله فلوبير : شرح قلب مدام بوفاري . اتذكرين يوم التمسنا معني لتلك الرواية فأغرقتنا المعاني .

في ذات يوم كنت أقلب صفحات أدبية لبول بورجيه فعثرت بمقال عن نفسية بوفاري ، وقد وضع له عنوانا " طلب المطلق مع الإيمان بالعدم " .

نشأت مدام بوفاري بالريف ، وساقتها الصدف إلي لمح حياة ناعمة لا عهد لها بها فتلهفت إليها ؛ وكان زوجها رجلا ساذجا ممن لا تحمل لهم النساء إلا مودة ورحمة ؛ والتمست سيدتنا ما يرضى تلهفها . عثرت أول الأمر بشاب اغواها منه عبثه بملامس البيانو ، فوهمت ان السماء ستفتح لها أبوابها ، وأمسكت بها عفة الطبع عن الهوي ، واستخذى الشاب عن أن يمد إليها من الغواية سببا ، حتى انتهى بها الامر إلى السقوط بين مخالب " اودلف " سيد الناحية ، وعند غروب شمس امتطي كل جوادا إلي جوف غاية مجاورة . هنالك نزلا إلي الحشائش المنبسطة وقد تآمرت الطبيعة مع أودلف ، والرجل واع لما

يفعل ، فما كان عند الاولى من فريساته . هنا يبدأ فلوبير وصف تامر الطبيعة بالقطعة الخالدة " وامتدت الطبيعة حولهما ساكنة ناعمة " سقطت بوفاري وتمادت في سقوطها إلي ان ذابت في أوداف كما يقولون ، وساقتها سذاجتها إلي طلب المطلق ، فرغبت إلي حبيبها ان ينفرد بها وتنفرد به في بلاد نائية . خدعها الرجل ، فرسخ في وجدانها إيمان قوي بالعدم لو أنطقه فلوبير لما وجد خيرا من قول " كوهبلت " بالكتاب المقدس " الكل باطل وقبض الريح " . واستمرت بوفاري في المرور من رجل إلي رجل إلي أن أسلمها الجميع إلي الموت فلجأت إليه طائعة مكرهة .

" طلب المطلق مع الإيمان بالعدم " نوع من فلسفة النفوس يسمونه هنالك " النفسية البوفارية .

اقسم لك أن هذا الشعور لم يكن شعوري يوم عقدت العزم على التماس " النرفانا " .

وكيف يتعقد القياس وكنت إلي جوارك . تعالى اليوم ضعي يدك المقدسة على قلبي الجريح لست ادري اي سبيل اسلك وما انت بجواري تهديني سواء السبيل

أأرمي عن نفسى بعض أثقالها ، كالريان عصفت به ريح عاتية ؟ أم اسوق الجراة إلي مداها فأبسط يدي من جديد إلي شاعرنا يهديني إلي نرفانته المقدسة ؟

ولكني عاهدتك - وقلب لا يعرف الحنث - أن اشق سبيلي . سأفى بعهدي ، ولتوضيح منهجى سأقص عليك اسطورة قديمة لم أجسر على ذكرها من قبل حتي لا أبدد ما كنا فيه من حجب الشعر

يحكى - أيها الملاك الطاهر - أنه في قديم الزمان كان ببلاد اليونان عملاق شديد البطش اسمه " انتيه " . امه كانت " ديمتير " إلاهة الأرض او بالأصح ام الأرض ، إذ معنى اللفظ تركيبيا هو هذا ؛ من امه كان يستمد قوته

ما استوثقت قدمه منها . واشتد فتك العملاق بالناس ، فسعوا إلي " هرقل " البطل المعروف لينقذهم من شره بعد أن قضي علي كل من استهدف له .

" هرقل " ابن الاله " زيس " كبير الالهة ، وإن لكن أمه امرأة كسائر النساء . هرع " هرقل " إلي أبيه يلتمس نصحه فنصحه والده بأن يبدأ هجومه على " انتيه " يرفعه له عن الأرض حتي لا تستطيع أمه أن تمده بقوتها ، وفعلا انطلق البطل إلي خصمه ورفعه وقضي عليه

من هذه الأسطورة ساتخذ لي درسا . سأستوثق دائما من الأرض حتي لا يقصمني احد . وما ذلك بمانعي إن خلوت إليك أن أعود فأبسط جناحي .

وعندي بعد ذلك ذخيرة أخري منحني إياها أستاذ لي ، لا يستطيع إلا أن يحبني ولو غضب مني يقول فيها : " إن الضرب في الأساس خير من الخبط على الرأس " .

وأنت بعد ذلك لاشك سائلني . وعهدي بك مفتوحة النفس كيف ولد " هرقل " إلي زيس " و " زيس " إله وأمه بشر .

والأمر هين باعزيزتي فاليوناني غير المسيحي . عند المسيحي أن الله خلق الإنسان على صورته ، وأما عند اليوناني فالإنسان هو الذي خلق إلهه على صورته ، فللإله اليوناني كل صفات البشر ضعفا وقوة ؛ وإذا فأي غرابة في أن يهوي " زيس " الكمن " وان تلد له هذه نصف إله ؟

أتذكرين يوم ذهبنا سويا نستمع إلي الأستاذ " بندا " يحاضر الناس عن ضرورة خلق " ابطال واساطير " لتستقيم لهم الحياة

هذا ما أنا فاعل فسأستوثق بادي ذمي بدء من الأرض ، فإذا خلوت إلي نفسي خلقت حولي اساطير انجو إليها من خسائس تلك الحياة .

هكذا كان يفعل اليونان ، وهم عندي أحكم من الهنود

الذين يلتمسون الترفانا وهم أحياء كجد أموات .

وبعد فقد قرأنا عن برجسون مقالا يحاول فيه شرح إمكان اتصال الارواح على بعد النوي ، ورفضنا يومئذ الايمان بما قال ، واما اليوم وفي النفس ضعف المضني اود ان يكون قوله صحيحا - وإن لم يكن كذلك - لتلامس نفسي نفسك اقتباسا لقليل من الضوء انير به مصباحي قبل ان تأتي عليه غياهب الغلام .

ثم لتذكري معي كلمة " نلسن " إن العقل في مكانه يستطيع أن يجعل من الجحيم جنة ومن الجنة جحيما " وسبيله إلى ذلك الا يقتط فيلتمس النرفانا والا يخف فيطير إلي عالم المثل ، وإنما أن يفصل بين خسائس تلك الحياة التي لابد من مواجهتها بعزم وحزم ، وبين حياتنا الداخلية التي نستطيع أن نقنها يخيل من عرائس الجمال .

اشترك في نشرتنا البريدية