الشعب المصري شعب قريب العهد بالاستقلال بشئونه ، حديث الاشتغال بأمور السياسة العملية . دخل ميدانها متأخراً بغير خبرة سابقة بأساليبها ، معتمداً في ذلك على ما هدته إليه فطرته ، وما استرشد به من تجارب من سبقه في هذا المضمار من الأمم .
وبهذا يمكن أن نعتبر الدور الذي نجتازه في حياتنا السياسية دور بداية وتكون ، أو دور تجريب ومحاولة لبناء كياننا السياسي وتدعم أركانه . ومن الطبيعي في مثل هذا الدور أن تقع منا أخطاء ، وأن نفاجأ بظروف لم تدخل في حسابنا ولم نعد لها العدة من قبل ، وأن تمر بنا فرص يفوتنا انتهازها ، وأن نتخبط من حيث لا نشعر فى بعض تصرفاتنا . ولا ضرر في هذا كله متى كنا نراجع انفسنا في كل حالة من تلك الحالات ، ونفيد من أخطائنا ما يعصمنا من الوقوع في مثلها بعد ذلك ، ونتعلم من كل
ما يمر بنا دروساً تنفعنا في مستقبل حياتنا . بل إن مثل تلك الأخطاء والمفاجئات من الأمور الضرورية لكي نربي تربية سياسية قوية ، ولكى نتمرس على الظروف والمشاكل التى تعرض لكل شعب في حياته السياسية .
وأحوج ما تحتاجه في مثل هذا الدور ألا تمر بنا هذه الأخطاء دون أن تكشف وينبه إلي تصحيحها ، وألا نقضي عن عيوبنا خوفاً أو مجاملة أو ستراً لعوراتنا . ولا تتم هذه المصارحة إلا في جو يفسح فيه المجال للنقد الحر النزيه .
ولكن النقد المثمر يتطلب شرائط يجب توافرها فيمن يقوم به ، واستعداداً نفسياً خاصاً فيمن يتناولهم النقد من رجال الأمة وكبارها .
فأما الناقد فيجب أن يتحري الأمانة والدقة فيما يتناوله من المسائل ، وأن يتوخي الهدوء والاعتدال في الأسلوب
الذي يعالج به عرضها ، وأن يرمى الإنصاف والعدل فيما يستخلصه من النتائج والأحكام ، وألا يغفل تلمس المعاذير لمن أخطأ متى كان خطؤه من اجتهاد وحسن نية ، وأن يرتفع بنقده عن أن يمس الجوانب الشخصية أو أن يخرج عن دائرة موضوع نقده ، وأن تكون روحه في نقده روح طالب الحقيقة الساعي للإصلاح والتقويم لاروح المتهم المجرح الذي يقصد إلى التشهير والإيذاء
أما من يتناولهم النقد فحريون أن يفسحوا له صدورهم ويتقبلوه تقبل النصيحة الخالصة التي يراد بها وجه الوطن . وألا تأخذهم العزة بالإثم فيصدوا عنه ويسيئوا به الظن ،
ويحملوه على غير محله ، وهم خليقون أن يعترفوا بالحق ويرجموا عن خطئهم منى بدا لهم وجه الصواب . وبعبارة أخرى يجب أن ينظروا للنقد نظراً موضوعياً يخرجون فيه عن ذواتهم وعواطفهم ، ويقدروه بقدر ما فيه من بيانات صحيحة واستنتاجات سليمة . بهذا التعاون بين النقد الحر وبين من يتولون الأمور من رجال الأمة يمكن الاطمئنان إلى أن كل خطأ سيصحح ، وكل خلل سيعالج
وتغلب على تفكيرنا السياسي في الوقت الحاضر نزعات تقتضى درساً وتحليلا لتعرف أسبابها ونتائجها ، وبهذه الدراسة والتحليل يمكن المصلحين أن يرسموا الخطط التى يجب أن نوجه إليها جهودهم .
فأول ما يلاحظ أن المسائل السياسية تشغل من اهتمام الشعب ووقته أكثر مما ينبغي . وإذا كنا نغتبط بإهتمام الشعب بالشئون العامة ، فإننا لا شك نتردد في الاغتباط متى صارت المسائل السياسية الدقيقة الشغل الشاغل لرجل الشارع . إن الطبيعي المألوف إلا يعني الشعب نفسه بتفاصيل الشئون السياسية إلا في ظروف الأزمات القومية الشديدة ، وإلا في الفترات التي تهيئها له الحياة النيابية في ظروف الانتخابات والاستفتاءات العامة ؛ أما فيما عدا ذلك فهو
يكتفي بمتابعة هادئة مجملة لسير الأحوال ، ويدع لرجال السياسة الاشتغال بالتفاصيل . وهو لا يدع هذه الشئون السياسية تتداخله في حياته الخاصة أو في حياته الاجتماعية بحال من الأحوال . وقد يكون مرد هذا الاهتمام الكثير بالسياسة وتفاصيلها بين طبقات الشعب ، التى يجب أن تكون بمنأي عن معممتها ، شيوع البطالة بين كثير من أفراد الشعب ، والسياسة كما يقولون عمل من لا عمل له .
وقد يكون من أسباب ذلك النجاه كثير من رجال السياسة إلي إثارة اهتمامهم بأساليب الدعاوة المختلفة ، استعانة بهم على تقوية مراكزهم في بعض الظروف .
من الخير ألا يقحم الشعب في مسائل خلافات شائكة تقوم بين كبار السياسيين ، فان ذلك من شأنه أن يعقد ويوسع شقة الخلاف ، وتنقل المعركة إلي ميدان غير ملائم يستباح فيه ما قد يضعف وحدة الأمة .
الأمر الثاني الذي يسترعي النظر علية الاعتبارات الشخصية علي حياتنا السياسية .
وليس من الميسور إزالة العامل الشخصي من أية حياة عامة ، ولكن هذا الأمر من الممكن تخفيفه برسم قواعد عامة يلتزمها الجميع ، تتحول بين صاحب السلطان وإساءة استخدام سلطته .
ولم يصل النضح السياسي بعد إلي حد تقدير التصرفات والآراء مجردة عن الأشخاص الذين تصدر عنهم ؛ ولكن الأيام كفيلة بذلك متي حرص قادة الرأي العام على إنكار ذواتهم واحترام آراء مخالفهم ، وتقدير الفكرة الصائبة مهما صغر المصدر التي تصدر عنه ، وتشجيع الأاتباع على النقد الحر . ولعل الصحافة تستطيع المعاونة في ذلك بالإقلال من عبارات الحمد والثناء التي تحيط بها كل ما يصدر عن كبار الزعماء من التصرفات والآراء ، والفض عما يصدر من صغار المواطنين من أفكار قيمة
النزعة الثالثة التي تسترعي البصر هي عنف الخصومة وتطرفها . ومع أننا لسنا بدعا في ذلك ، فمن الأمم الحرة ما سبقتنا لمثل ذلك ، إلا أننا كنا نتمي أن تكون المعركة بين الخصوم السياسيين أعف واكرم ، وأن يخلو من التجريح والتشهير ، وتدع جزاء المجرم للهيئات القضائية .
إن من حق الشعب أن يعلم خدامه الأمناء المخلصين ، ومن يستغله لمصالحه الخاصة ويسئ استعمال ما أولاه من ثقة ؛ ولكن من حقه ألا تؤذي أسماعه بعبارات شديدة قد تكون نابية في كثير من الأحوال .
ونحسب أن الخصومات السياسية بهذا العنف تنقطع مني وفق البرلمان إلي وضع أسس سليمة تجد من سلطات
الحكام وتلزمهم السير على قواعد عادلة ، ومتى قام البرلمان بوظيفته الصحيحة وهي محاسبة الحكومة ومراقبة سيرها . وإنا لنتمي أن نري اليوم الذي يختلف فيه الخصوم السياسيون أشد الاختلاف في الآراء والمذاهب ، ثم يكونون بعد ذلك أصدقاء أحباء يتبادلون الود والمجاملة والاحترام هذه بعض النزعات الغالبة علي تفكيرنا السياسي ،
ومن الإنصاف لأنفسنا أن نقرر أننا في سياستنا الخارجية نتفق جميعاً على سياسة التعقل والاعتدال ، وأننا نتجافى كل ما يحرج ساستنا أو يفسد خطتهم في التفاهم مع الدول العظمى في المحافظة على حقوق البلاد وكرامتها .

