ويبدو الزمان كعامل للنسيان في مسألة الترتيب علي الخصوص - وندرك بتجارب بسيطة أن الذاكرة لا يمكنها أن تحتفظ بالترتيب الأصلى مهما يكن " الزمان " قصيرا - ويزيد " نسيان " الترتيب كلما زاد الزمان ، وبذلك نسبنا للذاكرة قوة تركيز الحالات الشعورية في الزمان - ولكنا لا نفهم كيف يمكن للذاكرة أن تحدد أي أن توافق بين حالة شعورية والزمان الذي وقعت فيه أو الذي يلائمها ، فكنا نفهم أهمية هذه الوظيفة لو كان الزمان مستقلا عن الحالات الشعورية ، ولكنا نلاحظ أن هذا غير ممكن أو هو على الأقل على غير ما تصوره بعض علماء النفس ، وذلك لأن التحديد نفسه عبارة عن استرجاع حالة شعورية مع الحالات الشعورية المتصلة بها ، أو بالنسبة إلي حالة شعورية قوية اتخذناها مقياسا " للقبل " و " البعد " إن صح هذا التعبير - فالتحديد تمييز بين الحالات الشعورية الماضية ، وتعبر عن ضعف التمييز بالنسيان الزماني - وهناك نوعان من التمييز : تمييز بين الماضي
والحاضر ، أي بين الذكريات والواقعيات ، وهذا التمييز يتوقف على قوة الشعور بالحاضر ، وهناك تمييز آخر بين الحالات الشعورية نفسها فيميز بعضها عن بعض حسب ترتيبها الأصلي ، وهذا ما سموه تحديدا ، وهو عبارة عن إدراك مكان كل حالة شعورية بالنسبة إلي غيرها ، ومن هنا جاءت فكرة القبل والبعد في الماضي وعني بذلك بعض اللغات وجعل لكل زمان صيغة خاصة في التعبير وتجد نوعين من الماضي : الماضي البسيط Passe simple والماضى المركب Passe compose , بل إنا نجد نوعا ثالثا في بعض الأحيان هو الماضي السابق Passe asterieur فالعجز في التحديد ناشئ عن عجز في استرجاع بعض الحالات الشعورية التي تقارن بينها ، فالنسيان الناتج عن الزمان غير موجود ، وإنما هو نسيان للحالات الشعورية هو عجز عن الاسترجاع أو على الأقل الضعف في التمييز بين بعض الحالات الشعورية ، فالذاكرة لا تعرف الزمان ، ويكون من الخطأ أن نقول مع " رببو " الذاكرة هي التحديد في الماضي .
وإذا اعتبرنا نوعين من النسيان وأرجعنا النوع الأول إلي ضعف الاسترجاع والتحديد والثاني إلي تزاحم الحالات الشعورية - فيبدو أنه لا يوجد إلا نوع واحد وهو الثاني وان النوع الأول ما هو إلا - مظهر من مظاهر النوع الثاني - لقد ذكرنا في تفصيل النوع الأول أن النسيان قد يكون عميقا وقد يكون خفيفا ، ولاحظنا أن هذا التفاوت موجود ايضا في النوع الثاني وهو النسيان ، بمعنى ما تحت الشعور وعوضا من ان نقول مع بعض البحاث إن العامل هو الزمان أو تأثر النفس بالشئ نقول إن ذلك راجع إلي قوة الحالة الشعورية ، فإن كانت قوية فإنها تقاوم الحالات الشعورية فلا تقضي عليها وتظل بارزة قريبة من بؤرة الشعور وإن كانت ضعيفة فإنها تندثر ويتكون ما سميناه النسيان العميق . وأهم نقطة اختلف فيها الفهمان للنسيان
هي مسألة الزمان ، وإذا ذكرنا أن فكرة الزمان تعود إلي مرور الحالات الشعورية أبعدنا كل خلاف في هذه النقطة . فيكون النسيان عبارة عن انحدار الحالات الشعورية إلي ما تحت الشعور مدفوعة بالحالات الشعورية الجديدة كثيرة وقوية ، فنعبر عن ذلك بالنسيان العميق ، فإذا كانت الحالة الشعورية المدفوعة إلى ما تحت الشعور قوية ، فإنها تقاوم النسيان ، وإذا تكاثرت عليها الحالات الشعورية الجديدة فإنها تقاوم النسيان ، وإذا تكاثرت عليها الحالات الشعورية الجديدة فإنها تختفي قليلا ، ويكون بذلك النسيان الخفيف وبعد الحالات الشعورية عن بؤرة الشعور أو النسيان يجعلنا نتصور الحالات الشعورية بعيدة ، ونطلق على هذا البعد لفظة زمان - فكلما كان الزمان طويلا ، أو كما كانت الحالات الشعورية التي تفصل البؤرة عن حالة شعورية معينة طويلة كان النسيان عميقا وكان التمييز بينها وبين غيرها متعذرا ، ونعبر عن ذلك بضعف التحديد
ولو لم نعتبر النسيان قائما على تزاحم الحالات اللاشعورية لما ظهرت لنا اهميته الكبرى في الحياة النفسية . فالنسيان أو بعد الحالات الشعورية عن بؤرة الشعور مؤقتا شرط ضروري للشعور بالحاضر - فالنسيان عبارة عن استمرار الشعور ، ولولا هذا الاستمرار لما كانت الحياة - ولا ندرك بواسطة الشعور إلا جزءا يسيرا من نشاط النفس ، وأما الجزء الأكبر فانه يتم فيما نسميه اللاشعور الذي هو حقيقة تفرضها اعمال تقوم بها النفس الإنسانية دون ان يكون للانسان اي علم بها ولا اي دخل إرادي . وهكذا يبدو الشعور كعدسة آلة سينمائية تلتقط دائما شريط الذاكرة ، وتستعرض أحيانا صورا منه ، بينما يظل الباقي من الصور في عالم النسيان ، أو في عالم اللاشعور . . .
