- 2 -
فالفهم الثاني للنسيان الذي لا يعول على ما قيل في الذاكرة ويرجع إلى الشعور يري أنا لا نستطيع فصل عملية النسيان عن الجسم بتاتا ، لأن النسيان الراجع إلي عدم الاسترجاع والتحديد ، ما هو إلا انتقال حالات شعورية من بؤرة الشعور إلي ما هو تحت الشعور إذا كان الانسان يحس بألم مثل ألم الضرس أو الجوع أو العطش فإنه يفقد الإحساس بالألم الخفيف الذي كان بحس به من قبل ، وذلك غير راجع إلي علاقة بين النسيان والجسم ، ولكنه راجع إلى علاقة الشعور
بالجسم والظاهرات البيولوجية عامة . فالإحساس عامة هو شعور يتغيير في الوسط الخارجي ، فهو نتيجة صدمة الإنفعال المفاجيء فلا يمكن لأحد أن يتخلص من هذا الشعور ، وليس الحال كذلك إذا طال هذا الاختلال واستمر فإن الجسم يتعوده شيئا فشيئا ، ويحاول إقامة التوازن ويضعف الشعور بالصدمة خصوصا إذا جاءت حالات شعورية جديدة أقوي من الحالات الشعورية الأولى فانها تغطيها وتضعفها ، وتعبر عن موقفنا إزاء الشعور الأول بالنسيان ، وما هو إلا انتقال من مقدم الشعور إلي مؤخره او من الشعور إلي ما تحت الشعور Subconsciemt وهذا ما يحصل لنا عند ما ننسى أحلامنا . فهذه تختلف في القوة والضعف فالأحلام التي تأتي في آخر النوم نكون في الغالب صدي في الشعور لبعض الحوادث التي أحاطت بنا في الخارج أو
في الداخل ، والتي استطاعت حواسنا أن تلقطها فتكون قوية ، وهناك أحلام أخري قد تأتي أثناء النوم العميق وهذه الأحلام يختلف قوة في شعورنا بها فعندما نصحو من النوم فان شعورنا الكامل في اليقظة يمحي الأحلام التي كان شعورنا بها ضعيفا فننساها . ويبقي شيئا من بعض الأحلام الأخرى ، فالنسيان كما يبدو في هذه الحال هو نتيجة " تدافع " الحالات الشعورية وتزاحمها وسواء كان في الأحلام أو في اليقظة فان الحالات الشعورية التي تنزل إلي ما تحت الشعور ، هي الحالات الشعورية المركبة لا البسيطة
وليس النسيان شرطا للتذكر فقط كما رأي ريمو بل هو شرط للشعور بالحاضر ، والشعور بالحاضر . هو أساس الحياة النفسية . وليس الشعور بالحاضر إلا شعورا قويا يستأثر باهتمام الشعور لحدته وقوته فتتمحي بذلك كل الحالات الشعورية الأخرى وتسقط في عالم النسيان - فالشعور القوي الواضح سميناه شعورا بالحاضر والشعور الأقل وضوحا سميناه شعورا بالماضي وكلما زادت الحالات الشعورية غموضا قلنا إنها زادت " بعدا " في " الزمان " وهذا الإبهام والغموض أو " البعد في الزمان " ناتج عن أثر الحالات الجديدة التي تزاحمها وتشغلنا عنها فتنسينا " أياها - ولهذا إذا رأينا أشياء كثيرة وكانت كلها جديدة بالنسبة إلينا خيل إلينا أن الزمان كان طويلا ، وذلك لأن الحالات الشعورية على كثرتها بليت بسرعة وصارت غامضة ومبهمة لمزاحمة الحالات الشعورية لها التي دفعتها إلي ما تحت الشعور ، فلولا اختفاء بعض الحالات الشعورية المنسية التي تترك شبه فراغ بين الحالات الشعورية الماضية لما كان شعور بالماضي لأنها كانت تبدو متصلة بالحاضر ، وتبدو كأنها جزء منه - ولهذا أري أنه لولا النسيان لما كان الشعور بالزمان ، والعكس مع عدم
تعلق النفس بالشئ المنسي وإهمالها له . ونسيان آخر يحدثه الشعور بالحاضر فيكون النسيان عبارة عن ذكريات في سبيل التلاشي والضياع كلما تزاحمت الذكريات قربت إلي الضياع ، وهو عبارة عن غياب أشياء في أوقات خاصة عن بؤرة الشعور ووجودها في اللاشعور ، وهذا النسيان هو الذي يقول عنه ريبو إنه شرط للذاكرة ) ١ ( . فإذا كان الشعور كما يتصوره " ريبو كشبال صغير ، أو كما يراه برجسون كررأس قمع " فإنه لا يتسع لكل الذكريات فلا يد من أن يخفي بعضها ليظهر البعض الآخر - فإن لا نستطيع تذكر شيء بعد إلا إذا بعدت عن ذهننا كل الأشياء الآخر التي نعرفها ، فالذاكرة السليمة عاجزة عن استعراض كل الصور ، ولهذا يصرح ريبو بأن النسيان ليس عرض ، ولكنه شرط سلامة الذاكرة وحياتها - وليس النسيان شرط الذاكرة فقط ، ولكنه شرط الشعور بالحاضر ، فنحن نلاحظ أنا نفقد شعورنا بالحاضر كلما تغلب علينا ذكريات ماضية فإنها توقعنا في أحلام اليقظة وتجعلنا لا نشعر تماما بما يحدث حولنا ، ولهذا نري أن الذكريات القوية تشغل الإنسان ، فالمصبية التي تنزل به لا تترك له وقتا للعمل ، ولا تسمح له أن يحيي حياة عادية بل تراة غارقا في أحلامه يفكر فيما وقع له ، فماذا كان يحدث للانسانية لو لم تسلحها الطبيعة بالنسيان الذي يبعد عنا آثار الماضي ليدفعنا إلي المستقبل عن طريق الحاضر
- فيكون النسيان راجعا إلي حالات شعورية خاصة وإذا كان الشعور متصلا بالجسم ، فهل نقول إن للنسيان صلة ببعض الحالات الجسمية ؟
) يتبع

