إذا طلبنا من شخص أن يذكر لنا عشرة أسماء بعد بضع دقائق من سماعها فإنه يذكر البعض من هذه الأسماء ويضيع منه البعض الآخر - ولكنه من النادر أن يأتي بما يذكره في الترتيب الأصلي - وبعد ساعة نشاهد أن عدداً من الأسماء ينقص ، وأن الترتيب المتذكر يبعد شيئا فشيئاً عن الترتيب الأصلي ، وفي هذه الحال نشاهد أن التردد بطول ، ويبدأ المجرب عليه يبذل مجهودا للتذكر ؛ وإذا سألناه بعد بضعة أيام فإنا نصل إلي النسيان العميق لمعظم الكلمات ، ولن يذكر إلا القليل . فنستخرج من هذه التجربة أولا أن للزمان دخلا كبيرا في إحداث النسيان ، ونشاهد أيضا أنه الكلمات المنسية أو المتأخرة في التذكر هي التي لا توحي للشخص بأي عاطفة ، ولا أي فكرة مهمة ، وأن الكلمات التي تلفت نظره هي التي ترسخ وتثبت وتقاوم الزمان . ولا بد من أن نراعي أيضاً حالة الشخص وقت التجربة ، فنشاهد غالبا أنه لا يذكر شيئا إذا أجريت عليه التجربة في وقت انفعال أو أثناء شرود الذهن وضعف الانتباه ، ولكن هذا لا يحدث النسيان ، وإنما يمنع الاحتفاظ والتسجيل - ومن العبث أن نطالب الذاكرة بما لم تسجله ، فلا نستطيع بعد ذلك أن نتكلم عن النسيان ، كما أنا لا ترانا فقدنا شيئا لم نملكه من قبل .
غير أنا لا ننكر أن الإنسان يتذكر أشياء بسهولة وأخري بصعوبة ، مع أنا عرفناها في نفس الوقت ، فذلك راجع بدون شك إلي أن ما يتصل بالإنسان ويثير فيه عاطفة ، أو أنه يصادف قبولا في ذهنه ، فإنه يثبت . فأغلب الأشعار والحكم التي تحفظ لأول مرة هي التي
تكون في الغالب معبرة عن عواطف أو أفكار تلائم الشخص ، لأنها عبرت عما كان يشغل ذهنه أو قلبه من أفكار وعواطف ، وهذا مما يجعلنا نشك في رأي " دولا كروا " De La croix القائل : " إن الفكر يفقد الذكريات علي الطريقة التي اتبعها في الحصول عليها " (1)
فلا بأس من أن فقدان الذاكرة يتبع طريقة معينة ، وذلك لأنه مصحوب بتغير في المراكز ، لكن النسيان الذي يرجع إلى عامل الزمان وتابع للحالات النفسية خاصة ، ولا يرجع إلي شئ من الجسم والمراكز حسب هذا الفهم للنسيان ، فهو في الغالب لا يخضع إلي أي نظام معين ؛ فكل الذي نقوله هو أنه يسير من الخفة إلي العمق ماراً بالتردد . ويخيل إلينا حسب هذا الفهم أن الزمان عامل كبير في النسيان ، وكذلك التعلق بالكلمات وما تثيره مدلولاتـها في النفس .
وهكذا يمكننا أن نشرح النسيان مستقلا عن الشعور ، ولكنا في هذه الحال نعطي أهمية كبري للعامل الزماني الذي يعوق الذاكرة عن الاسترجاع والتحديد . وهذه الطريقة في فهم النسيان لا تعطي للجسم أي دخل في عملية النسيان ، بل لا يدخل إلا فهمنا السابق للذاكرة وتأثير الزمان على وظائفها ، خصوصا الاسترجاع والتجديد . وهذا الفهم للنسيان لا يحاول أن يبين لنا أهمية النسيان في الحياة النفسية ، كما حاول ذلك المذهب الثاني الذي أقام فهم النسيان علي أساس حياة الشعور .
وبهذا نستطيع أن نفرق مبدئيا بين نوعين من النسيان : نسيان كما فهمناه إلي الآن ، وهو الذي أحدثه الزمان غير صحيح كما اعتقد De La croix في كلامه عن النسيان : " يجب أن نعتبر الزمن " وأما التجارب التي تؤكد تعمق النسيان مع مرور الزمان ، فإنها تغفل عن نقطة مهمة وهي الحالات الشعورية الجديدة التي تمر
بالشخص ، والتي لا يمكن التخلي عنها ولا إيقافها ، لأن الإنسان يشعر دائما ؛ وعبر عن ذلك ديكارت بقوله : " الإنسان يفكر دائما " وإذا استطعنا أن نمنع عن شخص تجدد الحالات الشعورية الجديدة ، فلا شك أنه ، لا ينسي ما عرفه ، ولكن يفقد الشعور بالزمان والشعور بالوجود معا ، وهذا ما لا يمكن الحصول عليه حتى في حالة النوم ، فالحالات الشعورية تمر بدون انقطاع ، والإنسان ينسي دائما ...
( يتبع )

