الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 215الرجوع إلى "الثقافة"

النسيان وأهميته، في الحياة النفسية

Share

إذا طلبنا من شخص أن يذكر لنا عشرة أسماء بعد بضع دقائق من سماعها فإنه يذكر البعض من هذه الأسماء ويضيع منه البعض الآخر - ولكنه من النادر أن يأتي بما يذكره في الترتيب الأصلي - وبعد ساعة نشاهد أن عدداً من الأسماء ينقص ، وأن الترتيب المتذكر يبعد شيئا فشيئاً عن الترتيب الأصلي ، وفي هذه الحال نشاهد أن التردد بطول ، ويبدأ المجرب عليه يبذل مجهودا للتذكر ؛ وإذا سألناه بعد بضعة أيام فإنا نصل إلي النسيان العميق لمعظم الكلمات ، ولن يذكر إلا القليل . فنستخرج من هذه التجربة أولا أن للزمان دخلا كبيرا في إحداث النسيان ، ونشاهد أيضا أنه الكلمات المنسية أو المتأخرة في التذكر هي التي لا توحي للشخص بأي عاطفة ، ولا أي فكرة مهمة ، وأن الكلمات التي تلفت نظره هي التي ترسخ وتثبت وتقاوم الزمان . ولا بد من أن نراعي أيضاً حالة الشخص وقت التجربة ، فنشاهد غالبا أنه لا يذكر شيئا إذا أجريت عليه التجربة في وقت انفعال أو أثناء شرود الذهن وضعف الانتباه ، ولكن هذا لا يحدث النسيان ، وإنما يمنع الاحتفاظ والتسجيل - ومن العبث أن نطالب الذاكرة بما لم تسجله ، فلا نستطيع بعد ذلك أن نتكلم عن النسيان ، كما أنا لا ترانا فقدنا شيئا لم نملكه من قبل .

غير أنا لا ننكر أن الإنسان يتذكر أشياء بسهولة وأخري بصعوبة ، مع أنا عرفناها في نفس الوقت ، فذلك راجع بدون شك إلي أن ما يتصل بالإنسان ويثير فيه عاطفة ، أو أنه يصادف قبولا في ذهنه ، فإنه يثبت . فأغلب الأشعار والحكم التي تحفظ لأول مرة هي التي

تكون في الغالب معبرة عن عواطف أو أفكار تلائم الشخص ، لأنها عبرت عما كان يشغل ذهنه أو قلبه من أفكار وعواطف ، وهذا مما يجعلنا نشك في رأي " دولا كروا " De La croix القائل : " إن الفكر يفقد الذكريات علي الطريقة التي اتبعها في الحصول عليها " (1)

فلا بأس من أن فقدان الذاكرة يتبع طريقة معينة ، وذلك لأنه مصحوب بتغير في المراكز ، لكن النسيان الذي يرجع إلى عامل الزمان وتابع للحالات النفسية خاصة ، ولا يرجع إلي شئ من الجسم والمراكز حسب هذا الفهم للنسيان ، فهو في الغالب لا يخضع إلي أي نظام معين ؛ فكل الذي نقوله هو أنه يسير من الخفة إلي العمق ماراً بالتردد . ويخيل إلينا حسب هذا الفهم أن الزمان عامل  كبير في النسيان ، وكذلك التعلق بالكلمات وما تثيره مدلولاتـها في النفس .

وهكذا يمكننا أن نشرح النسيان مستقلا عن الشعور ، ولكنا في هذه الحال نعطي أهمية كبري للعامل الزماني الذي يعوق الذاكرة عن الاسترجاع والتحديد . وهذه الطريقة في فهم النسيان لا تعطي للجسم أي دخل في عملية النسيان ، بل لا يدخل إلا فهمنا السابق للذاكرة وتأثير الزمان على وظائفها ، خصوصا الاسترجاع والتجديد . وهذا الفهم للنسيان لا يحاول أن يبين لنا أهمية النسيان في الحياة النفسية ، كما حاول ذلك المذهب الثاني الذي أقام فهم النسيان علي أساس حياة الشعور .

وبهذا نستطيع أن نفرق مبدئيا بين نوعين من النسيان : نسيان كما فهمناه إلي الآن ، وهو الذي أحدثه الزمان غير صحيح كما اعتقد De La croix في كلامه عن النسيان : " يجب أن نعتبر الزمن " وأما التجارب التي تؤكد تعمق النسيان مع مرور الزمان ، فإنها تغفل عن نقطة مهمة وهي الحالات الشعورية الجديدة التي تمر

بالشخص ، والتي لا يمكن التخلي عنها ولا إيقافها ، لأن الإنسان يشعر دائما ؛ وعبر عن ذلك ديكارت بقوله : " الإنسان يفكر دائما " وإذا استطعنا أن نمنع عن شخص تجدد الحالات الشعورية الجديدة ، فلا شك أنه ، لا ينسي ما عرفه ، ولكن يفقد الشعور بالزمان والشعور بالوجود معا ، وهذا ما لا يمكن الحصول عليه حتى في حالة النوم ، فالحالات الشعورية تمر بدون انقطاع ، والإنسان ينسي دائما ...

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية