الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 668 الرجوع إلى "الثقافة"

النسيان

Share

حينا لو وقف كل إنسان من نفسه مرة في العام هذه الوقفة التي وقفتها الكاتبة من نفسها ، " الثقافة "

عشرة شهور تألت فيها الحياة ، متبوعة مسافات طويلة ، ومراحل كثيرة ، مثقلة بالأعباء والتجارب وتصاريف الأيام . واليوم وقد جاء الثمار ليقطع أعناق النخل ويضم لى محصولها السنوي من التمر ، يجب أن أناقش النفس وأن آخذ العتاد لاستقبال الشهور والمواسم الآزفة . ولقد سعيت إلي نفسى منذ ساعة ، وخلوت بها بضع دقائق ، استعرضت في غضونها تلك الشهور العشرة التي أمست الآن في ذمة التاريخ ، فعادت إلي دفعة واحدة ، ثم شهرت للقديس " بولس " عبارة ثاقبة بلغت في الحكمة حد الإعجاز . وذلك حين قال " إذ أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام ، أسعى نحو الغرض " وإننا لنقرأ في هذه الأيام ، كثيرا من الإعلانات المغرية عن وسائل ناجعة لاكتساب ذاكرة قوية ،لقاء مبلغ زهيد من النقود ، ولكن ما أحرانا لأن نسعى إلى اكتساب " ناسية" قوية ، سعينا إلى تقوية ذاكرتنا !! وإنى قد خلوت بنفسي ، أثبت فيما يلى بعض الذكريات التي تعلقها حافظتي وقلبي ، من تلك الشهور ، وأحب أن أنساها . أجل . ففي مثل هذا اليوم فرغت من الإشراف على تنظيف حديقتي الصغيرة . التى تطل عليها حجرة نومي ، ثم عمد بعض الصغار إلى شحنها بحجارة حادة قذفوا بها النخيل الباسق ، فكسروا لوحة من زجاج نافذتي ، فأبطر عبثهم حلمي واستفز طيشهم غضبى ، فلم أتمالك سخطى ، ولم أقو علي حبس لساني . . والصبية جهلة صغار ، وقد حبيت سن الحنكة والرصانة ، ومفروض أني مثقفة . . ترى ماذا ظنوا بثقافتى ووقار سنى في ذلك اليوم ! !

وأريد أن أنسى تلك الساعة التي نبهتني فيها صاحبتى ، إلى واجب لازب توانيت في أدائه . فرجوتها أن تشغل بالها بأحوالها ، وأن لا تعنى ذاتها بالدخول في شئون غيرها . . وكم أريد أن أعرف أن العجرفة التي بدرت مني في تلك الساعة ، قد تسربت من وعاء ذاكرتها ، فما من مرة ألقاها

فيها ، إلا تمثلت أمامي حماقتي بوضوح .

وذلك الصباح الذي يعود إلي ، والأسف يعتصر قلبي - ذلك الصباح الذي فقدت فيه إحدي الرفيقات والدها فاستغرقت معها في رثائه وأحجمت عن لفت أفكارها إلي الله ذي الجلال والرحمة والحنان . ورقيقتي شابة ، ليست متدينة ، وقد استحييت من التحدث إليها بحديث الدين ، حتى في ساعة افتقارها إلى ما يوحيه الدين من عزاء وسلوى وتفريج للكرب ، وتفضية من الهم ، وإطفاء لحر الأ كباد . وإني لأتوق إلى نسيان ذلك الجبن الذي ملكني يومذاك . .

والمساء الذى زارني فيه طائفة من الأخوات ، أعضاء جمعية منع المسكرات التي كنت أرأسها ، فترامي الحديث إلى ذكر صديقة غائبة بارزة ، فأمسكت بعض الإمساك عن إظهار محامدها ، وتفسير مناقبها والتنويه بصنائعها ، واتخذ الأخريات من سكوني الضنين ما شجعهن على بسط ألسنتهن فيها ، وتناول تكثرها بمجهوداتها ونشاطها ، والتشتير عليها واتهامها بالزهو والطرمذة والتنفخ . . وقد اتصل إليها ما جري في تلك الزيارة فباعدتنا جميعا ، وانفصلت عن جماعتنا ، وعن الرسالة الكريمة التى نزعم أننا نذيعها لرفع شأن الأسرة والوطن .

وهذه التي سردتها قطرة ، من بحر الذكريات التي أود أن أنساها ، والتي يجب ألا أعود إلى مثلها ، إذ أواجه عهدا جديدا وموسما جديدا ، يفسح المجال " للفرصة " ويسنح بها جديدة طنية . وقد قال القديس بولس : " فإذ حسستما ، لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع " . ترى ما الذي يعنيه بالفرصة ؛ لقد رأى في بعض المدن الإغريقية التي زارها تمثالا اسمه " الفرصة " . وللإغريق أسطورة يتناقلونها عنه . ومؤداها أن نزيلا قصد يوما إلى ذلك التمثال ، وسأله قائلا :

- ما اسمك ؟ . - اسمي " الفرصة " . - ومن الذي صنعك ؟ . - ليسبيوس . - ولماذا تقف على أصابع قدميك ؟ . - لكي أريك أنى لا أبقى غير لحظة واحدة . - ولماذا جعلوا أجنحة على قدميك ؟ . - لكي أريك كيف أمر مرا سريعا منكرا . - ولكن لماذا يطول شعرك وينسدل على جبهتك ؟ .

- لكي يمسك الناس بتلابيبي فور التقائهم بي . - ولماذا أصبح قفا رأسك أصلع ؟ . - لكي ترى أنه لا يمكن إدراكي بعد مروري .

في أنى أرغب إلى الله الكريم أن يعينني على الإفادة من تقصيراتي ونقائصى ويقوينى على نسيان الأخطاء التي توهن العزم مني ، لكي أتمكن في الشهور المقبلة من انتهاز كل فرصة - مهما تكن خاطفة - كي أعمل الخير للجميع .

اشترك في نشرتنا البريدية