أميل بربيه :
علمان من أعلام الفكر الفرنسى فى العصر الحديث هما برجسون وإميل بربيه . عاش كل منهما للآخر وعرف كل منهما فضل الآخر ، ومنذ عهد أشاد برجسون بصاحبه لا باعتباره فيلسوفا ، ولا باعتباره علما من أعلام الفكر الفرنسى الحديث فربما كان ذلك الأمر مقرراً لا يحتاج منه إلى الإشادة أو التنويه ، وإنما أشاد به بطلا فى ميدان الحرب ، التى فقد فيها ذراعه اليسرى ، كما أشاد - إلى جانب ذلك - بحزمه ووضاءة أفكاره وإخلاصه .
ونحن نذكر هذا وقد نقلت إلينا الأخبار نبأ وفاة هذا الفيلسوف المحارب المجاهد بفكره وقلمه فى ميدان البحث والعلم ، وبمدفعه فى ميدان القتال - إميل بربيه . وهو يذكرنا بالعالم الفرنسى الآخر ألكس كارل الذى اشترك فى الحربين العالميتين الأولى والثانية ، والدى كان يؤدى عمله العلمى بكراح فى ميدان القتال . وهو عمل يففق ودراسته التى تخصص فيها . أما فيلسوفنا إميل بربيه فلم يتخصص فى الجراحة ، وإنما كان تخصصه فى الفلسفة اليونانية . ولكن هذا التخصص فى الفلسفة القديمة لم يمنعه من مسايرة التيارات الفكرية المعاصرة . ففى كتابه " تاريخ الفلسفة العام " نجده - إلى جانب أنه يدرس كل فكرة مستقلة عن غيرها وفى ميدانها الخاص - لا يستطيع أن ينفصل تماما فى بحثها ومناقشتها عن التيارات الكبرى للفكر الفلسفى المعاصر .
وفى الميدان الفسيح للنشاط الإنسانى ظل إميل بربيه دائباً على دراسة الفلسفة ووضع الحدود المشخصة لها . وكتابه (L,attilude Spiculative) يقدم لنا صورة واضحة لبحث الحقيقة فى بساطة ووضوح . وقد قرر له ذلك هنرى جوبيه Henri Goubiee فى الجزء الثالث من Etudes bergio) ( nienme الذى سيظهر قريباً ، والذى يحوى نصوصاً غاية فى الأهمية عن فلسفة التطور الإبداعى . ومن ذلك يظهر
لنا صلة إميل برييه بالفكر المعاصر من جهة بصفة عامة ، وبرجسون من جهة اخرى بصفة خاصة . على أنه من المعروف تماما أن إميل برييه فى الحقيقة كان أحسن مفسر للفلسفة البرجسونية .
مات هذا الرجل بعد أن قضى فى هذه الحياة خمساً وسبعين سنة ، لم يكن فيها أكبر مؤرخ فرنسى للفلسفة فحسب ، بل كان أيضا أستاذاً لا يضاهى ، سكب كل روحه فى البحث الفلسفى ، وكانت له لمحاته الصادقة وفكره الثاقب وعطفه الروحى على تلاميذه الذين استمعوا إليه وأفادوا من محاضراته بالسربون .
معرض اتحاد الدراسات الحرة :
هذا هو المعرض الثالث الذى يقيمه اتحاد الدراسات الحرة بالكلية الملكية للفنون الجميلة ، تحت اشراف مدير عام الفنون الجميلة محمد حسن بك . وطلبة الدراسات الحرة فى الفنون كلهم من الهواة سواء للتصوير أو النحت ، فهم غير الطلبة النظاميين الذين يكرسون كل حياتهم ومجهوداتهم فى تلقى أصول الفن والتدرب على الإنتاج الفنى الذى سيعيشون عليه فى مستقبل حياتهم . أو بعبارة أخرى فإن هؤلاء ، الطلبة من القسم الحر لن يتخذوا من الفن حرفة ، لأنهم فى الغالب يصرفون القدر الأوفر من مجهوداتهم إلى جوانب أخرى من الحياة تكفيهم مئونة الحياة . وهواية الفن أو احترافه مسألة من الصعب فى الحقيقة الفصل فيها ، بخاصة إذا نظرنا إلى مسألة الكفاءة أو المهارة الفنية . فلسنا نستطيع أن نجرد كل محترف من عنصر الهواية أو كل هاو من عنصر الاحتراف ، كما أن الهواة لا يقدمون دائما ما هو أكثر قيمة من الوجهة الفنية مما يقدمه المحترفون .
على أن تنظيم دراسة خاصة للهواة وإقبال الكثيرين عليها يدل دلالة قاطعة على أن كثيراً من الكفاءات الفنية تضيع فى غمار الحياة ، لأنها لم تتوجه منذ البداية إلى الطريق
التى تلائمها والتى تستطيع أن تسير فيها بخطى ثابتة ، وإنها أيضاً لا تجد - بعد فوات الأوان - درباً من الدروب المؤدية إلى الطريق القديم فتتنفس فيه فى حرية وانطلاق ويقولون إن قسم الدراسات الحرة قد نجح فى إقامة عدة معارض . كما نجح ، وهو الأهم ، فى تقديم عدد من الفنانين الشبان المتطلعين إلى الثقافة الفنية والفكر الحر . وإنهم فى سعيهم وبحثهم وإنتاجهم يعملون على الوقوف بالحركة الفنية فى مصر والارتقاء بها حتى تسير جنباً إلى جنب مع الحركة الفنية العالمية ، ولكن ليس المهم هو النجاح فى إقامة المعارض أو فى تقديم عدد قل أو كثر من الفنانين الشبان ؛ وإنما المهم هو نجاح هذه المعارض ونجاح اللوحات أو الأعمال بوجه عام ، التى يقدمها هؤلاء الفنانون من الشبان
وقد قالوا أيضاً إنها رسالة كبيرة وشاقة تدعو جميع المهتمين بالحركة الفنية إلى ضرورة تشجيعها وتأييدها ؛ فأما التشجيع فإنه حق لكل من يحاول مخلصاً أن ينجر عملا - وإن كان جزئياً - ينهض بجانب من جوانب الحياة النابضة ، وللقائمين على هذه الحركة هذا الحق . أما التأييد فلا يمكن أن يكون التأييد الكلى وإلا فأين يكون النقد .
وكل من شاهد هذا العرض يدرك تماما أن بين معروضاته - وتبلغ اثنين وأربعين قطعة - عدداً ضئيلاً جداً يستحق الوقوف أمامه والإعجاب به . وأما ما دون ذلك ففيه مجال كبير للنقد ، وسأذكر هنا شيئاً على سبيل المثال .
فأنت تستطيع أن تعجب بلوحة " بورتريت " أبى رمضان التى أبدعتها ريشة ميلاد فهيم ، وستعجب بها لا لفكرتها وإنما لأن ميلاد فهيم درس تشريح وجه أبى رمضان كما درس الألوان دراسة كافية ، فكان ذلك كافياً لإخراج صورة يمكن أن يقال عنها متقنة ، وبالتالى ناجحة . وقد تعترض على قولنا بخلوها من الفكرة بأنه أطلق على اللوحة اسم أبى رمضان ولم يطلق عليها اسم أبى إبراهيم مثلا ، ولكن ذلك لن يقدم أو يؤخر ، بل سيدعونا إلى أن نذكر أن كثيراً من إنتاج هذا المعرض قد فشل فى أن يأخذ الاسم المناسب ؛ وعلى سبيل المثال نذكر تمثال نظمى ناثان الذى أطلق
عليه اسم التشاؤم ، ولو أطلق عليه اسم " ألم " لكان اكثر توفيقاً .
وستعجب أيضاً لوديع المهدى بلقمة العيش ، ستعجب من حيث الموضوع كما ستعجب من حيث التنفيذ ، ولكنك ان تتركه إلا وقد خطرت لك ملاحظة ، هى كيف يجتمع لذلك الشخص الذى يعود إلى بيته بعد كد ونصب طول يومه ليجلس إلى كسرة من رغيف ، كيف يجتمع له هذا مع تلك الملاءة القطيفة التى تبدو جديدة ، والتى فرشت على سريره " المودرن " .
وأخيرا فإنك ستقف طويلا - كما وقفت أنا - أمام الطبيعة الصامتة التى صورها رشيد خفاجى . ستقف طويلا تتأمل أولاً ، ثم سيثير فى نفسك هذا التأمل شيئا لعله صور قديمة وذكريات سابقة ، تفح من بينها صورة هى طبق الأصل من الطبيعة الصامتة التى قدمها الخفاجى . اتفاق فى الفكرة design ، واتفاق فى العناصر واتفاق فى الألوان . قلت إن التأييد الكلى لهذه الأعمال غير مستطاع إلا عند ما يجد ناشئة الفن يثبتون على أقدامهم غير مقلدين لمذهب أجنبى أو ناقلين عن علم من أعلام هذا الفن الأجانب نقلا حرفياً ، بل مستقلين أحراراً ، ودارسين فاهمين .

