الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 678 الرجوع إلى "الثقافة"

النشاط الثقافي في أسبوع

Share

الحركات الاستقلالية :

من أهم الموضوعات التي تشغل أذهان أغلبية المثقفين في مصر الآن موضوع الحركات الاستقلالية العالمية . والباحثون في هذا الموضوع يهدفون - في الغالب - إلى أمرين : أولهما توضيح الأصول التى قامت عليها هذه الحركات وتبينها في وضوح وجلاء . وثانهما التوجيه الرشيد لحركننا الاستقلالية التي هي في إبان نشاطها .

وقد حاول الدكتور محمد صبري أن يجلو صورة لحركة استقلالية اعتبرها من أهم الحركات الاستقلالية في أوربا ، وهي حركة استقلال إيطاليا ، حاول ذلك في محاضرته التي ألفاها في مؤسسة الثقافة الشعبية في الأسبوع الفائت . وقد اعتمد في تصويرها علي السرد الناريخى أكثر من اعتماده على التحليل الدقيق لمقومات الحركة المختلفة ، ولعل أكثر هذه المقومات ظفرا منه بالتوضيح هي الناحية الدينية ، ولا شك أن الدين عامل أساسي إذا ما أراد المؤرخ أن يصور لنا حقبة معينة من تاريخ أمة ، وانه لاضير عليه إذا أعطي هذه الناحية أهمية خاصة ، لذلك كان للكلام عن هذه الناحية بالنسبة للحركة الإيطالية قيمته إذا ما أردنا تتبع مراحل تطور هذه الحركة ، وتبقى هذه الصورة بعد ذلك تاريخية أيضا وليست اجتماعية ، كما لا نستطيع أن نصفها بأنها صورة دينية ، بمعنى انها تصف لنا العوامل الدينية التي تبعث - أو تخمد - حركة من حركات التحرر والاستقلال .

وقد بين الدكتور صبري كيف كان البابا في أول الأمر عدوا لكل تقدم ، وكيف كانت الرجعية الدينية تبسط سيطرتها التامة ، ومنذ القرن الثالث عشر يبدأ بصيص من الأمل . حاول مارتن لوثر أن يعيد النظر في تلك العقائد التى تحتضنها البابوية وتقر الناس عليها ، فظهرت بذلك روح نقدية لا تؤمن بالمسلمات وإنما تبحث كل شئ . هذه البدع التي ادخلتها البابوية لابد من القضاء عليها ،

والرجوع إلى النصوص ذاتها ، وكل ما هدف إليه لوثر هو التوفيق بين الدين والمدنية ، وأن يخلص الدين مما علق به من بدع وأوهام وأباطيل كان يقترفها البابا نفسه .

هذا التحرر الوجداني الذي هدف إليه لوثر لا أدري إلى أي حد يستطيع - أو استطاع - أن يستغله الدكتور صبري في تصويره لحركة الاستقلال . ومن جانبي فإنني لا أكاد أعدل به مقوما من مقومات الحركات الدولية بوجه عام إلا المقوم الفكري ، وقد يكون للعامل الاقتصادي أهمية ، ولكنني أعتقد أن العامل الاقتصادي أو الوعي الاقتصادي ليس من الأهمية في هذا المكان بحيث نسند إليه إثارة شعب نحو التحرر والاستقلال ، وأرجو هنا أن لا نخلط بين ماهو استقلال وتحرر من الاستعمار وبين ماهو فقر وثورة من أجل البطون الخاوية .

على أن الدكتور صبري لم يعط الجانب الفكري أهميته ، واكتفى بأن يذكر بعض الأسماء التي لمعت بين القرنين ١٣ و ١٥ في عالم الأدب والفن كدانتي وبترارك وميكل أنجلو وروفائيل . ولكن ماذا أفاد دانتي هذه الحركة ؟ ماهو التحرر اللغوي الذي أخذه داتتي على عاتقه ؟ ماقيمة التحرر اللغوي إذا صحب التحرر الديني في إذكاء فكرة التحرر في كل جانب من جوانب الحياة ؟ وهكذا نستطيع أن نضيف مزيدا من الأسئلة التي لم نظفر لها بجواب أو حتى بإشارة من الدكتور المحاضر .

وقد كان الحضور من طبقة المثقفين وانصاف المثقفين ، مما لا يدع مجالا للاعتذار عن عدم الإشارة إلى هذه الأمور .

التطور الديني :

قلت إن حركة الاستقلال التي تقوم أو تضح في مصر الآن تشغل الأذهان في كل مكان . وقد رأت المدرسة الأدبية المصرية التي تربط بين الفن والحياة وهي مدرسة الأمناء ، أن تشارك في الميدان ، وأن تبحث المسائل الحيوية

التي تهم المواطن في وقتنا الحاضر . وقد كانت محاضرة الأحد السابق في الكلام عن التجديد والتطور الديني وليس هذا الموضوع ببعيد عن مجال مدرسة الفن والحياة ، لأن الدين - كما قال المحاضر الأستاذ أمين بك الخولي - يلتقي بالفن في هدفهما البعيد وغايتهما السامية .

وقد حاول الأستاذ المحاضر أن يتتبع بعض مراحل التطور في الدين الإسلامي ، واقفا وقفات سريعة أمام الصدمات التي كان يصطدم بها الدين وتضطره إلي نوع من التلون .

وقد كان لوقوف الدين بجاب السياسة أثره الكبير في تعرضه لهذه الصدمات ، ولعل أهم ما يلفت النظر في هذا العرض هو حركة التجديد والتطور التي قام بها محمد بن عبد الوهاب في نجد والتي ما يزال ابن السعود يسير وفقها - إلى حد ما . وقد فسر ظهور هذه الحركة كأثر من آثار اصطدام الشرق بالغرب في الحروب الصليبية وغير الحروب الصليبية ، مما جعل بين الشرق والغرب هوة سحيقة وشوطا طويلا بين التقدم الغربي والتأخر الشرقي .

حتى إذا كنا في مصر ، وفي العالم الإسلامي بوجه عام ، ظهر جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده . ويمكن ان

تفسر حركتهما التجديدية بوضوح بأنها صدى للواقعية التي سادت في العالم الغربي في أواخر القرن الماضي بخاصة ، تلك الواقعية التي اقترنت بالتجربة ولم تأخذ بالمسلمات . لذلك كانت محاولة الأفعاني و محمد عبده هي تخليص الدين من تلك الغيبيات ، وتلمس كل شئ دقيق أو كبر .

ولعلنا هنا نلمح نوعا من التشابه بين هذه الحركة وحركة مارتن لوثر التي أشرنا إليها في إيطاليا .

وقد وقف المحاضر بعد العرض التاريخي - أي بعد إنتهائه من القطاع الطولي للموضوع - ليعرض في محاضرته القادمة القطاع العرضى الذي ربما كان هو المقصود أولا وأخيرا .

ولكنه عاد في النهاية ليؤكد أن بحث الدين على أنه ظاهرة اجتماعية - كما يرى بعض علماء الاجتماع ، ولعله يقصد دور كيم - لا يتعارض مطلقا مع بحثه على أنه علاقة السماء بالأرض ؛ فهذه وجهة نظر وتلك أخرى ، ولكن المهم هو أن الناحية الدينية عضو حي من أعضاء الجسم البشري ، وتجدده رهن بإحساسه فقط إلى حاجته إلى التجدد .

اشترك في نشرتنا البريدية