الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 685 الرجوع إلى "الثقافة"

النشاط الثقافي في اسبوع

Share

الأمية

كان الأسبوع الماضى وما قبله مسرحا لحوادث كثيرة عطلت أبواب النشاط فى مختلف نواحيها تقريبا ؛ ومع هذا فقد نظم نادى للمعلمين محاضرة للأستاذ الدكتور عبد العزيز السيد ، تحدث فيها عن الأمية وعن بعض تجارب فى محوها ، وقد ذكر المحاضر أن نصف العالم أميون ، أي ما يقرب من ألف مليون نسمة ، أما النصف الآخر فثلاثة أرباعه ثم يبلغوا درجة كافية من الثقافة ؛ ونظم الحكم التى وضعت لهذا العالم وتطورت حتى صارت إلى ما هى عليه الآن - هذه النظم فى الواقع قد سبقت الناس فى مدارج التقدم إذا نحن قسناها بالمرحلة الفكرية التى تمثلها الغالبية الكبرى من أفراد العالم ؛ فإن هذه الغالبية - فيما يبدو - لم تصل بعد إلى الدرجه التى تتحمل فيها هذه النظم ، ولذلك من الصعب - إن لم يكن من الخطأ - الحكم على نظام من هذه النظم بأنه غير صالح لأنه فسد فى أمة بعينها ، أو أنه صالح لأنه نجح فى أمة بعينها ، إذ أن النظام فى حد ذاته قد يكون صالحا ، ولكن فساده يظهر نظرا لفساد الأفراد الذين يحكمون به وفى حالة كالتى ذكرنا تكون فيها الأغلبية العظمى أميين أو أشياء أميين . فإن أي نظام صالح فى ذاته خليق به أن يتول إلى الفساد

الجهل هو منشأ الكثير من مشاكل العالم . وهو الذى جعل الوضع الصحيح فى بعض نظم الحكم يتخلف ليقوم مكانه الوضع الخاطئ المعكوس . فبدلا من أن تكون الجماهير - مثلا - هى الحاكمة صاحبة الرأي . فإنه - نظرا لجهل هذه الأغلبية - قد صار الحكم فى أيدى الأقلية المستنيرة ، ومن جهة أخرى فقد وقفت الأمية دون أى إصلاح عمرانى وصحى وثقافى . . إلخ ؟ ذلك أن الإصلاح لا يفرض على الناس ، وعندما يفرض ينفرون منه نفورا ولن يقبلوا عليه إلا عندما يشعرون هم أنفسهم بالحاجة إليه

والأمية في مصر عظيمة الانتشار ، والجهل فيها يأتي - بحسب إحصاءات سنة ١٩٣٧ - في المرتبة الثانية بعد

الهند ؛ فقد كانت نسبة الأميين فى الذكور فى ذلك الوقت ٨ ر ٩٠ % . وكانت أكثر من ذلك فى البنات بطبيعة الحال . وقد حدث تقدم ملحوظ فى محو الأمية فى هذه الفترة من ذلك التاريخ حتى يومنا ؛ فإن نسبة الأميين فى الذكور الآن ٦٠% وفى الإناث ٩٠ % . وقد كان هذا التقدم بفضل نشر التعليم الأولى وتنفيذ قانون محو الأمية ، فإذا كان سكان مصر الآن  ٢٠ مليونا فإن ستة ملايين فقط منهم متعلمون . أما الأربعة عشر مليونا فمنهم خمسة ملايين فى سن صفر إلى عشر سنوات ، وثلاثة ملايين فى سن العجز والباقون وهم ستة ملايين فى حاجة ماسة إلى التعليم ، وإلى هؤلاء الأميين وأنصاف الأميين يمكن أن يعزى كل تأخر سياسى واقتصادى واجتماعى ، إذ أن التعليم عامل مشترك ضرورى ولازم لتقدم أى ناحية من هذه النواحى ، وهو شرط أساسي لحل أى مشكلة

وليس هناك إتفاق على تعريف الأمية بين الأمم ، وكذلك يختلف الأمر بالنسبة لاعتبار السن ، على أن مجرد تعليم القراءة والكتابة فحسب لا يمكن أن يعد محوا للأمية ، إذ لابد أن يكون التعليم وظيفيا ، بمعنى أن يكون موجها للمتعلمين إلى إدراك مشاكلهم الخاصة والاتجاه إلى حلها . فقد يحدث أن يحصل الأمى على قدر من القراءة والكتابة يكفيه للحصول على الشهادة ، ثم ينسى بعد ذلك كل شئ . فلابد أن تكون هناك سياسة واضحة فى أذهان الكبار والصغار ، والعلم والتعلم ؛ فيكون واضحا فى الأذهان ، أن محاربة الأمية ليس غاية فى ذاته . وإنما هو وسيلة إلى تناول الأفكار والتجارب بين الأفراد ورفع المستوى العام ، والواجب هو تهيئة الوسائل لهم كى يستفيدوا من تعلمهم لا أن يقفوا عند حد القراءة والكتابة .

وقد تكون هناك وسائل أخرى تساعد على نشر الثقافة كالراديو مثلا ، وفى منظمة اليونسكو حاولوا ترقية الزراعة فى مكان ما فى أفريقيا بالراديو والسينما ، ولكن لم يحدث أى تقدم محسوس ، إذ لم يكن هناك الدافع الداخلى للاستفادة

من المعلومات ، لذلك كان التعليم أبجح من هذه الوسائل ، نظرا لما للكلمة من أثر يدوم أكثر من السماع أو المشاهدة .

وقد بدأنا فى مصر من حيث كان يجب أن ننتهى ، بسن القانون ، فكان الأوجب أن نلجأ إلى الدعاية والترغيب إلى أن يصير الأميون أقلية ، وعندئذ يفرض القانون . على أن مسائل التعليم لا تنجح لأن قانونا قد سنته الدولة ، وإنما هى تحتاج إلي روح ؟ والمكافحة عمل اجتماعي يحتاج إلى الإعلان والدعاية بين الأهالى فى المدن والقرى ، حتى يشعر الناس أن هذا العمل لهم ولقائدتهم ، وأنهم فضلا عن هذا غير مرغمين عليه

معرض أطفال المجر :

يقول الدكتور عبد العزيز القوصى فى كتابه " أسس علم النفس " ص ١٩٣ : " إذا تركز الغرض فى النتيجة وامحى من النشاط نفسه ، أصبح العمل مملا فى ذاته وأصبح جديا بمعنى الكلمة . أما إذا تركز الغرض فى النشاط نفسه وأمحى من الغاية الخارجة عنه . فإن النشاط يصبح لمبا ، والغرض الذى يقصد إليه الفرد أثناء قيامه بالنشاط يرتبط بالحالة النفسية التى تصحب هذا النشاط"

والمعارض الفنية - العالمية بخاصة - لون من ألوان النشاط أولا وقبل كل شئ . فالغرض منها متركز فى هذا النشاط نفسه . أما فيما يختص بمعرض أطفال المجر الذى أقيم بمتحف الفن الحديث ، باعتباره لونا من ألوان النشاط ، فقد كان الغرض منه يتركز فى النتيجة وليس فى النشاط نفسه ؛ ولست أريد من هذا أنه أخذ صورة الجدية بمعنى الكلمة فأصبح مملا فى ذاته ، وإنما كل الذى أريده هو أنه لم يكن معرضا فنيا بمعنى الكلمة ، تركز الغرض منه فى عرض النشاط ذاته وإنما كان عملا موجها لغرض ، لا أقول هو الدعاية ، فإن كل من زار هذا المعرض لا يرتاب فى ذلك ، ولكنه الغرض الذى هدف إليه هؤلاء الأطفال - إذا صح أنهم هدفوا إلى شئ - بحسب التوجيهات التى لا بد أنهم وجهوا بها .

نحن نعرف أن الاستعداد الفنى مشترك بين الناس . والأطفال بصفة خاصة يحبون دائما أن يعبروا عن احساسهم بصورة أو بأخرى ، يعبرون عنه تعبيرا أوليا ساذجا ، وإن كان فى الوقت نفسه موحيا ، ومن النقاد من يرى

الرجوع بالفن إلى صوره الأولية الموحية ، أو علي الأقل يعتبر الفن البدائى تعبيرا صادقا موحيا ، لا يقل عن انتاج العباقرة من كبار الفنانين ، وعندما نتيح للأطفال فرصة التعبير الفنى فإننا نتيح لهم فرصة المران الفنى واكتساب التجربة الفنية ؛ والاتجاه السائد الآن هو ترك الحرية كاملة للطفل ( فى مجال التصوير مثلا ) فى أن يخط ما يشاء وأن يستعمل من الألوان ما يريد ، هذه الحرية فى التعبير وفى اختيار صور التعبير وأدواته هى أهم ما يجب توافره للفنان بصفة عامة ، وللطفل بصفة خاصة .

أقول هذا وأنا آتمثل تلك اللوحات التى غصت بها قاعة المعرض . فإن أول ما تخرج به عن هذا المعرض دون تردد هو أنه لم يحترم للأطفال - كفنانين - حريتهم ، بخاصة فى اختيار الموضوع ، فنرى فى الموضوع الواحد ( وليكن موضوع السلام ) أكثر من عشرين لوحة ؛ ولست أدرى هل نضج السلام فى نفوس هؤلاء الأطفال كفكرة وكتجرية شعورية بحيث أحسوا جميعا بالدافع القوى إلي التعبير عنه بصورهم المختلفة المتقاربة مع ذلك ، أم أنها فكرة أمليت عليهم إملاء ، ورسم خطوطها الأولية أيد غير أيدى الأطفال . حقا أننا لا نعدم اللوحات التى تمثل بيئة الطفل كالمدرسة والبيت وما إلى ذلك ، وحقا أن الخطوط فيها بدائية الأطفال ، وكذلك الأمر فى الاألوان كل هذا حق ، ولكن الذى أرتاب فيه هو أن تكون الفكرة دائما بنت التجربة الخاصة بالطفل . فإذا صح أنها لم تكن له ، فإن دور الطفل يكون فقط فى التنفيذ .

وقد عرفنا فى العبارة التى صدرنا بها هذا الكلام " أن الفرض الذى يقصد إليه الفرد أثناء قيامه بالنشاط يرتبط بالحالة النفسية التى تصحب هذا النشاط" . فإذا صح ما سقناه من أن الفكرة كانت - فى الأغلب - خارجية ولم تكن من صميم تجربة الظفل وإدراكه، عرفنا أن هذه اللوحات التى عرضها الأطفال كنشاط لهم لا ترتبط بالحالة النفسية الخاصة بهم والنابعة عنهم ، وإنما ترتبط فى أساسها بالحالة النفسية الخاصة بموجههم . إن الكبار هم الذين يستطيعون أن يفهموا السلام كمعنى وأن تركب لهم مخيلتهم من الواقع المحسوس ما يصورون به فى لوحاتهم الفنية هذا

( البقية على الصفحة التالية )

المعنى ، ويحسبنا أن نقف هنا عند تسجيل هذه الملاحظة ، وهي ان الارتباط النفسي بين الأطفال ونشاطهم الذي قدموه في هذا المعرض يصعب التماسه .

على أن هناك ملاحظة أخرى جديرة بالتسجيل لا بالنسبة لما عرضه الأطفال فقط ، وإنما بالنسبة أيضا لما عرضه الكبار من أعمال الزخرفة على الخشب والخزف وأعمال النسيج ، فإنها تحمل طابعا شرقيا يعنى المهتمين بالدراسات المقارنة ، وأول ما يمكن أن يلفتهم فى هذا السبيل هو اختيار الألوان الصارخة ( فى التصوير والنسيج على )، وأيضا قيام الزخارف - فى كل الحالات - على تكرار الوحدة البسيطة .

اشترك في نشرتنا البريدية