الأمية
كان الأسبوع الماضى وما قبله مسرحا لحوادث كثيرة عطلت أبواب النشاط فى مختلف نواحيها تقريبا ؛ ومع هذا فقد نظم نادى للمعلمين محاضرة للأستاذ الدكتور عبد العزيز السيد ، تحدث فيها عن الأمية وعن بعض تجارب فى محوها ، وقد ذكر المحاضر أن نصف العالم أميون ، أي ما يقرب من ألف مليون نسمة ، أما النصف الآخر فثلاثة أرباعه ثم يبلغوا درجة كافية من الثقافة ؛ ونظم الحكم التى وضعت لهذا العالم وتطورت حتى صارت إلى ما هى عليه الآن - هذه النظم فى الواقع قد سبقت الناس فى مدارج التقدم إذا نحن قسناها بالمرحلة الفكرية التى تمثلها الغالبية الكبرى من أفراد العالم ؛ فإن هذه الغالبية - فيما يبدو - لم تصل بعد إلى الدرجه التى تتحمل فيها هذه النظم ، ولذلك من الصعب - إن لم يكن من الخطأ - الحكم على نظام من هذه النظم بأنه غير صالح لأنه فسد فى أمة بعينها ، أو أنه صالح لأنه نجح فى أمة بعينها ، إذ أن النظام فى حد ذاته قد يكون صالحا ، ولكن فساده يظهر نظرا لفساد الأفراد الذين يحكمون به وفى حالة كالتى ذكرنا تكون فيها الأغلبية العظمى أميين أو أشياء أميين . فإن أي نظام صالح فى ذاته خليق به أن يتول إلى الفساد
الجهل هو منشأ الكثير من مشاكل العالم . وهو الذى جعل الوضع الصحيح فى بعض نظم الحكم يتخلف ليقوم مكانه الوضع الخاطئ المعكوس . فبدلا من أن تكون الجماهير - مثلا - هى الحاكمة صاحبة الرأي . فإنه - نظرا لجهل هذه الأغلبية - قد صار الحكم فى أيدى الأقلية المستنيرة ، ومن جهة أخرى فقد وقفت الأمية دون أى إصلاح عمرانى وصحى وثقافى . . إلخ ؟ ذلك أن الإصلاح لا يفرض على الناس ، وعندما يفرض ينفرون منه نفورا ولن يقبلوا عليه إلا عندما يشعرون هم أنفسهم بالحاجة إليه
والأمية في مصر عظيمة الانتشار ، والجهل فيها يأتي - بحسب إحصاءات سنة ١٩٣٧ - في المرتبة الثانية بعد
الهند ؛ فقد كانت نسبة الأميين فى الذكور فى ذلك الوقت ٨ ر ٩٠ % . وكانت أكثر من ذلك فى البنات بطبيعة الحال . وقد حدث تقدم ملحوظ فى محو الأمية فى هذه الفترة من ذلك التاريخ حتى يومنا ؛ فإن نسبة الأميين فى الذكور الآن ٦٠% وفى الإناث ٩٠ % . وقد كان هذا التقدم بفضل نشر التعليم الأولى وتنفيذ قانون محو الأمية ، فإذا كان سكان مصر الآن ٢٠ مليونا فإن ستة ملايين فقط منهم متعلمون . أما الأربعة عشر مليونا فمنهم خمسة ملايين فى سن صفر إلى عشر سنوات ، وثلاثة ملايين فى سن العجز والباقون وهم ستة ملايين فى حاجة ماسة إلى التعليم ، وإلى هؤلاء الأميين وأنصاف الأميين يمكن أن يعزى كل تأخر سياسى واقتصادى واجتماعى ، إذ أن التعليم عامل مشترك ضرورى ولازم لتقدم أى ناحية من هذه النواحى ، وهو شرط أساسي لحل أى مشكلة
وليس هناك إتفاق على تعريف الأمية بين الأمم ، وكذلك يختلف الأمر بالنسبة لاعتبار السن ، على أن مجرد تعليم القراءة والكتابة فحسب لا يمكن أن يعد محوا للأمية ، إذ لابد أن يكون التعليم وظيفيا ، بمعنى أن يكون موجها للمتعلمين إلى إدراك مشاكلهم الخاصة والاتجاه إلى حلها . فقد يحدث أن يحصل الأمى على قدر من القراءة والكتابة يكفيه للحصول على الشهادة ، ثم ينسى بعد ذلك كل شئ . فلابد أن تكون هناك سياسة واضحة فى أذهان الكبار والصغار ، والعلم والتعلم ؛ فيكون واضحا فى الأذهان ، أن محاربة الأمية ليس غاية فى ذاته . وإنما هو وسيلة إلى تناول الأفكار والتجارب بين الأفراد ورفع المستوى العام ، والواجب هو تهيئة الوسائل لهم كى يستفيدوا من تعلمهم لا أن يقفوا عند حد القراءة والكتابة .
وقد تكون هناك وسائل أخرى تساعد على نشر الثقافة كالراديو مثلا ، وفى منظمة اليونسكو حاولوا ترقية الزراعة فى مكان ما فى أفريقيا بالراديو والسينما ، ولكن لم يحدث أى تقدم محسوس ، إذ لم يكن هناك الدافع الداخلى للاستفادة
من المعلومات ، لذلك كان التعليم أبجح من هذه الوسائل ، نظرا لما للكلمة من أثر يدوم أكثر من السماع أو المشاهدة .
وقد بدأنا فى مصر من حيث كان يجب أن ننتهى ، بسن القانون ، فكان الأوجب أن نلجأ إلى الدعاية والترغيب إلى أن يصير الأميون أقلية ، وعندئذ يفرض القانون . على أن مسائل التعليم لا تنجح لأن قانونا قد سنته الدولة ، وإنما هى تحتاج إلي روح ؟ والمكافحة عمل اجتماعي يحتاج إلى الإعلان والدعاية بين الأهالى فى المدن والقرى ، حتى يشعر الناس أن هذا العمل لهم ولقائدتهم ، وأنهم فضلا عن هذا غير مرغمين عليه
معرض أطفال المجر :
يقول الدكتور عبد العزيز القوصى فى كتابه " أسس علم النفس " ص ١٩٣ : " إذا تركز الغرض فى النتيجة وامحى من النشاط نفسه ، أصبح العمل مملا فى ذاته وأصبح جديا بمعنى الكلمة . أما إذا تركز الغرض فى النشاط نفسه وأمحى من الغاية الخارجة عنه . فإن النشاط يصبح لمبا ، والغرض الذى يقصد إليه الفرد أثناء قيامه بالنشاط يرتبط بالحالة النفسية التى تصحب هذا النشاط"
والمعارض الفنية - العالمية بخاصة - لون من ألوان النشاط أولا وقبل كل شئ . فالغرض منها متركز فى هذا النشاط نفسه . أما فيما يختص بمعرض أطفال المجر الذى أقيم بمتحف الفن الحديث ، باعتباره لونا من ألوان النشاط ، فقد كان الغرض منه يتركز فى النتيجة وليس فى النشاط نفسه ؛ ولست أريد من هذا أنه أخذ صورة الجدية بمعنى الكلمة فأصبح مملا فى ذاته ، وإنما كل الذى أريده هو أنه لم يكن معرضا فنيا بمعنى الكلمة ، تركز الغرض منه فى عرض النشاط ذاته وإنما كان عملا موجها لغرض ، لا أقول هو الدعاية ، فإن كل من زار هذا المعرض لا يرتاب فى ذلك ، ولكنه الغرض الذى هدف إليه هؤلاء الأطفال - إذا صح أنهم هدفوا إلى شئ - بحسب التوجيهات التى لا بد أنهم وجهوا بها .
نحن نعرف أن الاستعداد الفنى مشترك بين الناس . والأطفال بصفة خاصة يحبون دائما أن يعبروا عن احساسهم بصورة أو بأخرى ، يعبرون عنه تعبيرا أوليا ساذجا ، وإن كان فى الوقت نفسه موحيا ، ومن النقاد من يرى
الرجوع بالفن إلى صوره الأولية الموحية ، أو علي الأقل يعتبر الفن البدائى تعبيرا صادقا موحيا ، لا يقل عن انتاج العباقرة من كبار الفنانين ، وعندما نتيح للأطفال فرصة التعبير الفنى فإننا نتيح لهم فرصة المران الفنى واكتساب التجربة الفنية ؛ والاتجاه السائد الآن هو ترك الحرية كاملة للطفل ( فى مجال التصوير مثلا ) فى أن يخط ما يشاء وأن يستعمل من الألوان ما يريد ، هذه الحرية فى التعبير وفى اختيار صور التعبير وأدواته هى أهم ما يجب توافره للفنان بصفة عامة ، وللطفل بصفة خاصة .
أقول هذا وأنا آتمثل تلك اللوحات التى غصت بها قاعة المعرض . فإن أول ما تخرج به عن هذا المعرض دون تردد هو أنه لم يحترم للأطفال - كفنانين - حريتهم ، بخاصة فى اختيار الموضوع ، فنرى فى الموضوع الواحد ( وليكن موضوع السلام ) أكثر من عشرين لوحة ؛ ولست أدرى هل نضج السلام فى نفوس هؤلاء الأطفال كفكرة وكتجرية شعورية بحيث أحسوا جميعا بالدافع القوى إلي التعبير عنه بصورهم المختلفة المتقاربة مع ذلك ، أم أنها فكرة أمليت عليهم إملاء ، ورسم خطوطها الأولية أيد غير أيدى الأطفال . حقا أننا لا نعدم اللوحات التى تمثل بيئة الطفل كالمدرسة والبيت وما إلى ذلك ، وحقا أن الخطوط فيها بدائية الأطفال ، وكذلك الأمر فى الاألوان كل هذا حق ، ولكن الذى أرتاب فيه هو أن تكون الفكرة دائما بنت التجربة الخاصة بالطفل . فإذا صح أنها لم تكن له ، فإن دور الطفل يكون فقط فى التنفيذ .
وقد عرفنا فى العبارة التى صدرنا بها هذا الكلام " أن الفرض الذى يقصد إليه الفرد أثناء قيامه بالنشاط يرتبط بالحالة النفسية التى تصحب هذا النشاط" . فإذا صح ما سقناه من أن الفكرة كانت - فى الأغلب - خارجية ولم تكن من صميم تجربة الظفل وإدراكه، عرفنا أن هذه اللوحات التى عرضها الأطفال كنشاط لهم لا ترتبط بالحالة النفسية الخاصة بهم والنابعة عنهم ، وإنما ترتبط فى أساسها بالحالة النفسية الخاصة بموجههم . إن الكبار هم الذين يستطيعون أن يفهموا السلام كمعنى وأن تركب لهم مخيلتهم من الواقع المحسوس ما يصورون به فى لوحاتهم الفنية هذا
( البقية على الصفحة التالية )
المعنى ، ويحسبنا أن نقف هنا عند تسجيل هذه الملاحظة ، وهي ان الارتباط النفسي بين الأطفال ونشاطهم الذي قدموه في هذا المعرض يصعب التماسه .
على أن هناك ملاحظة أخرى جديرة بالتسجيل لا بالنسبة لما عرضه الأطفال فقط ، وإنما بالنسبة أيضا لما عرضه الكبار من أعمال الزخرفة على الخشب والخزف وأعمال النسيج ، فإنها تحمل طابعا شرقيا يعنى المهتمين بالدراسات المقارنة ، وأول ما يمكن أن يلفتهم فى هذا السبيل هو اختيار الألوان الصارخة ( فى التصوير والنسيج على )، وأيضا قيام الزخارف - فى كل الحالات - على تكرار الوحدة البسيطة .
