-2- عرضت في مقالي السابق للشركات التى تقوم باستعمار الأراضي في فلسطين ومهمة كل منها .
وأمام هذه المؤسسات المنظمة المدعمة بسلاح المال وسلاح من لا منطق له ولا سند ، وقف عرب فلسطين عزلا من كل سلاح إلا سلاح الإيمان بحقهم يقاومون في جلد ، ويدافعون عن كل شبر من ارضهم وهي التراث المقدس للعرب جميعا....
ولسنا نرسل القول على عواهنه إن قلنا إن دفاع عرب فلسطين كان مجيدا ولم يكن دفاع اليائس في يوم من الأيام ، فقد مضوا وفق ما تقتضيه الظروف ، وكان وعيهم من القوة بحيث ادركوا مواطن ضعفهم ومصادر قوة خصمهم فأخذوا بسبيل تقوية أنفسهم واستفادوا مما القته الظروف من دروس .
لكن الاستعمار الصهيوني ليس كله قصة الأرض ، فهناك قصة الصناعات والانتاج الصهيونى الذي يبالغ بعضهم فيتخيله انتقالا لميدان الصناعة من الغرب إلي الشرق . فقد نشطت فعلا صناعات كثيرة في فلسطين ، واستطاع اليهود ان يجعلوا من تل اقيف مركزا صناعيا هاما في الشرق خلال سنوات الحرب . ويري انصار الوطن القومي لليهود ان تنظيم الإنتاج الزراعي والنشاط الصناعي في فلسطين ، يدل على أن إنشاء الوطن القومي لليهود ضرورة لازمة لنهوضه . وتتردد على السنتهم دائما أمثال هذه الجمل : الا تري كيف تقدمت الزراعة ؟ أكان يمكن أن تنتج فلسطين مثل هذه المصنوعات لولا الاستعمار الصهيوني ؟ لقد حملنا معنا حضارة أوربا إلي الشرق ! . .
وللرد علي هذه الآراء لابد من الصراحة أيضا.
فقد كان من الطبيعى أن يحدث هذا التحسين في وسائل الزراعة بطبيعة التطور دون حاجة إلى هجرة صهيونية فقد تحسنت وسائل الزراعة في مصر مثلا دون ان يغزوها الاستعمار الصهيوني لحسن الحظ . كما انه قد قامت بها ( بمصر)صناعات لا تقل عن الصناعات اليهودية ، لا لشئ إلا لأن ذلك سنة التطور الطبيعي ، مادام الشرق قد اتصل بالغرب ، ومادامت مصر قد حذت حذو الغرب ، وإن كان تاريخ الحضارة لهذا النهوض قد يتأخر في فلسطين عنه في مصر ، فإنه في مصر يتأخر عنه في البلدان الأوربية ، تلك سنة تأخر وصول الحضارة أو الأخذ بأسبابها . فإذا كان اليهود قد نهضوا بالصناعة في فلسطين فإنها كانت ستنهض حتما بيد العرب .
ويجب الا يغيب عن البال أن الهجرة الصهيونية الملحة التى انهضت الصناعات إنما هي هجرة العلماء، وهذه الهجرة ليست من صنع اليهود ، فهؤلاء العلماء الذين غادروا المانيا وبلدان اوربا إنا غادروها تحت ضغط الاضطهاد النازي ، ولا احسب انهم جاءوا تلبية لدعوة الوطن القوي . بل إنهم ليتحرقون شوقا لزوال ظروف هذه الحرب وفناء النازية لكي يعودوا إلي بلادهم ( ١ )
وقد كانت فلسطين العربية حرية ان يحذو حذو غيرها من الأمم التي تقدمت في الصناعة والزراعة . كان من الممكن
ان تستقدم العلماء والخبراء في الصناعات ، فتخطو إلي الإمام دون حاجة إلى الاستعمار الصهيوني ، ودون حاجة إلي دفع هذا الثمن الباهظ مقابل نقل بضع عينات من النشاط الصناعي .
ومن الواضح الجلي أن ما حملته الصهيونية إلي فلسطين من ألوان التقدم الصناعي لا يمكن بحال من الأحوال ان ينسب إليها . فليس هناك علم صهيوني ولا فن صهيوني يطبع طابع هذا التقدم ، وإنما هي الوان من التقدم الأوربي حملها المهاجرون من شتى الدول الأوربية.
وثمة حقيقة أخرى يجب أن تذكر بصدد هذا التقدم الصناعي . فالصهيونية لم تكن في فلسطين رسول تقدم كما يظن لأول وهلة . لم تكن من السخاء والطيبة بحيث تدني قطاف العلم الأوربي من العرب . ولم تكن حاملة المشعل يثير الطريق . أبدا .لم تكن شيئا من ذلك . . فإنها لتخفي بيديها نور المصباح حتى لايهتدي ضال . وإنها لتحرص على علمها حرصا يتقاصر دونه حرص الشحيح على ماله ، ولم تألفه الإنسانية عند الهداة والمرشدين وعند رواد التقدم وطلائع المدنية . ولقد قدمت للقارئ كيف تحرص الشركات الصهيونية على أن تبعد العرب عن الأرض التي تشتريها منهم ، والحال كذلك في النشاط الصناعي ، فما يسمح اليهود للعرب بالعمل في مصانعهم ولا في متاجرهم ، ودوائر الصناعة عبارة عن مستعمرات مقفلة لحمها وسداها من اليهود ، وكل ما يسمح للعرب به هو أن يشتروا ما يشاءون من الإنتاج الصهيوني
وإذا فلا تقدم ولا نشر المدنية ، ولا أثر بالمرة للصورة البراقة التي يظنها الكثيرون ، صورة النجمة الصهيونية يشع سها نور العلم والتقدم في ارض فلسطين . ولقد زرت عاصمة المجد الصهيوني تل أقيف ، وراعني نشاطها في النهار وفي الليل . واخذ بمشاعري التكاتف بين ابناء هذا الشعب . لمست في الإنتاج الصهيوني روح
الصناعة الأوربية على صورة مصغرة لا تخلو من جودة وإتقان ، ولكنني مع ذلك كله لم املك ان اسأل نفس هذا السؤال : هل ما اراه تحول في فلسطين من حال إلى حال ؟
ولقد جاءني الجواب سريعا . جاءني إذ خطرت لي أيام الحرب الأولى في مصر . حين اضطرت بعض الدور الصناعية أن تبتعد عن خطر الغارات فأنشأت في الجهات الغائبة نماذج مصغرة لمصانعها لمواجهة ظروف الحرب ، وقد كانت هذه النماذج تنتج كما تنتج المصانع الأصلية ، نفس المنتجات . . وبنفس الأيدي . ولو قد طال الأمر لتكاثر عددها ، حتى ليوشك أن ينخدع من يراها فيظنها مدينة صناعية عريقة التقاليد ، وهي لا تعدو أن تكون مدينة مهاجرين . .
وذلك هي تل أقيف حين تتبلور مشاعرك وتتركز أحاسيسك . إنها مدينة مهاجرين ، فيها نشاطهم وفيها مزاياهم ، وفيها القلق الذي تشمه من الهواء وتستشعره خلف موجة الإعجاب والانبهار..
وأخيرا كان من الممكن أن يبدو رأي أنصار الصهيونية الذي سقناه وجيها لو أنه ثبت ان العرب لم ينهضوا من ناحيتهم ولم يتجهوا نحو التطور ولم يأخذوا بأسباب المدنية . وكان من الممكن ايضا ان يبدو وجيها لو أن عرب فلسطين أبدوا ما أبدته بعض قبائل أفريقيا أو الهنود الحمر مثلا من انطواء وانزواء وإيثار للحياة في ظلال الظلام . . عندئذ كانت نظرية البقاء للأصلح - مع بعض التجاوز - تبيح أخذ مابيد العرب لكي يعطي لهؤلاء ، الصالحين للحياة .
لكن ذلك لم يحدث ، فان فلسطين العربية كانت - قبل التمدين الصهيوني . قد بدأت تسير في سبيل النهوض بخطوات صحيحة . خطوات كانت ستصل بها مع اجتناب الضرر إلي ما وصلت إليه الصهيونية من مجد صناعي ، ولسوف أتحدث عن هذه الخطوات في عدد قادم.
