الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322الرجوع إلى "الثقافة"

النشاط الصهيونى، في فلسطين

Share

- ١ - عرضت في مقالي السابق وجهة النظر في قضية فلسطين ، وأبنت كيف يناقض المنطق حجج الصهيونية فينقضها .

لكن من ذا الذي قال إن المنطق وحده يسوس الحياة ؟ ومن ذا الذي يقول إن العالم في عصر المدنية يرضي بقواعد الأخلاق دستورا ينظم كفاحه ؟

إننا وحدنا في الشرق الذين نقول ذلك . وحدنا مازلنا نطمع في بعث جديد للمثل العليا ومبادئ الأخلاق

أما غيرنا فقد أصبح يؤمن بمنطق واحد هو منطق القوة . القوة في صورها المختلفة : قوة السيف وقوة المال وقوة الحيلة . .

وعلي سنة العصر وإيمانه نهض النشاط الصهيوني في فلسطين . فليظل الجدل في وجهات النظر يدار علي صفحات الجرائد والمجلات والكتب ويملأ الأذهان ولتمض الصهيونية بسلاح القرن العشرين في سبيل آخر ! أجل . ليقل أهل الكلام بالمبادئ والمثل والأخلاق . وليرد عليهم الصهيونيون بالمبادئ والمثل والاخلاق ايضا . ولا بأس أن تضعف حجج المنطق حينا وتقوي حينا آخر .

ليكن كل ذلك الجدال الطويل العريض ستارا عاليا من الدخان ، يحجب بارجة المال الصهيوني وهي توغل في أرض فلسطين غزوا . . وهذا هو منطق المال .

ففي خلال بضعة أعوام ، وفي الوقت الذي كانت فيه حرب الأفكار بين دعاة الوطن القومي لليهود وبين منكري حق اليهود في الأرض العربية . في ذلك الوقت استطاع المال الصهيوني أن يشتري من أرض فلسطين مساحات واسعة . ولم يكن المال وحده هو ما تحمله بارجة الاستعمار الصهيوني ، كان إلي جانب المال سلاح آخر لا يقل عن المال قوة واثرا ، سلاح يستعمله دائما من لا منطق له ، ولا حجة ، ولا دليل

كيف استطاع اليهود أن يملأوا هذه البارجة التي تسير تحت ستار من الدخان ذهبا ؟ كيف امكن لهذا الذهب ان يشتري أرض الوطن من العرب ؟ كيف اشتريت هذه الأرض ؟

هذه أسئلة ثلاثة تجيب عليها الحقائق الأتية : أما بارجة الذهب الصهيوني فليست أموالا متفرقة ، وإنما هي رؤوس اموال ضخمة جمعت - دون عقد مؤتمر واحد - لهذا السبيل ، ولعل أهم البيوت المالية التي أرصدت مالها من أجل المشروع الصهيوني بيت روتشلد المعروف وقد وظفت هذه الأموال في ثلاث شركات تتولى كل منها ناحية من النواحي وهي :

١ - شركة كارين كايمت . إسرائيل . واختصاصها شراء الاراضى من العرب ، وهي تؤجر ما تشتريه لليهود ولا تبيعه لهم خوفا من أن يتسرب عن طريق الأفراد للعرب مرة ثانية . وما تجبيه من إيراد تأجير  اراضها تشتري به أرضا جديدة

ويحتم قانون هذه الشركة على مستأجري أراضيها ألا يسمحوا لعربي بالعمل في هذه الأرض ، بل تنص في عقود

الإيجار على فسخ التعاقد إذا خالف المستأجر اليهودى هذا الشرط وسمح لعربي بأن يطأ الأرض المشتراة  من العرب

٢ - شركة تحسين الأراضي ولا يدخل اسم هذه الشركة في غاياتها وأغراضها ، فهي لا تقوم بإصلاح الأراضى وتمهيدها كما يبدو من الاسم ، وإنما تنحصر اغراضها في تهيئة الصفقات للشركات الآخر . ويدخل في نطاق التهيئة المساومة والإغراء والدخول في المزايدات التي تطرح فيها أراض عربية . ولا يجوز للأفراد أن يزيدوا على الأسعار التي تعرضها هذه الشركة . .

ويرأس هذه الشركة " خاسكين " الزعيم اليهودي الكبير ، وهو رجل مثالي كرس حياته لاستخلاص الأرض من العرب بأي سبيل ، في سن الثمانين ، يعيش عيشة بسيطة ، لا يأخذ مرتبا عن عمله إلا ما يكفيه لحياته البسيطة ، ويعيش في شقة متواضعة في احد شوارع تل اقيف . .

ومجال نشاط هذه الشركة غير محدود . . ولها مطلق الحرية في الشراء لحساب الشركتين اللذين تقومان إلي جانبها . .

- شركة اليبكا )  ( - المدع - أي الشركة اليهودية لاستعمار أراضي فلسطين . ومهمة هذه الشركة أن تتملك الأراضي ومن ثم تقدمها للمؤسسات اليهودية بأثمان بخسة قد تقل عن ثمن الشراء

وقد تأسست هذه الشركة بأموال بارون روتشلد أول من ساعد علي إنشاء مستعمرات يهودية مستقلة بإقطاع الأراضي للجماعات دون الأفراد . . هذه هي الشركات التي تباشر شراء الأراضي من

العرب وتثبت أقدام الاستعمار اليهودي في فلسطين رغم أنف المنطق ورغم أنف المبادئ . .

أما كيف تشتري الأراضي ؟ أو على الأصح كيف أمكن لليهود شراء مساحات واسعة من الأراضي إذا كان العرب حريصين على وطنهم . فذلك سؤال يحتاج الجواب عليه إلى شيء من الصراحة .

فأولا - لم يكن العرب من أهل فلسطين هم الذين باعوا غالبية الأراضي لليهود ، وإنما كانت هذه الأراضي مملوكة لغير الفلسطينيين ، وعندما نشطت حملة الشراء تطوع فريق من سماسرة السوء - لغير وجه الله طبعا - في تذليل العقبات أمام ملاك هذه الأراضي الأعراب الذين لم يفطنوا إلى الخطة الصهيونية المرسومة .

وثانيا - أن الخلق التجاري الذي أشارت اليه الكتب السماوية حين نهت عن بخس الأشياء أثمانها وحين أنذرت المطففين . هذا الخلق لم يكن مع الأسف الشديد ، هو الذي يسود صفقات الاراضي . فتمكن المال الصهيوني أن يشتري بأبخس الأثمان أجود الأراضى في فلسطين ، فقد بيعت مثلا اراضي وادي الحوارث بسعر يتراوح بين ثمانية جنيهات واثني عشر جنيها للفدان الواحد ، وهي أرض زراعية لا تحتاج لإصلاح . ولقد يحسن أن نتجنب الحديث عن صفقات الأراضي التي اشتراها اليهود في فلسطين بأسعار بخسة ، والتي بلغ من تفاهة أثمانها أحيانا ان خاسكين رئيس شركة محسين الأراضي التي اشرنا إليها قال وهو يدفع ثمن إحدي هذه الصققات : " إنني لا ادفع عن أرض بني إسرائيل ، وإنما أدفع آجر حراستها لنا طوال القرون الماضية " .

ولست بسبيل مناقشة حق اليهود في فلسطين ، وإنما يكفي أن يدرك القارئ مدى تفاهة الثمن من ذلك التبرير العجيب الذي يسوقه الزعيم الصهيوني . .

اشترك في نشرتنا البريدية