-2- كان لابد لعرب فلسطين ان ينهضوا به نهضة اقتصادية ليواجهوا خطر المال الصهيوني الذي يهدد التجارة وموارد الرزق العربية . وكان لابد نتيجة للظروف التي اوجدهم فيها الاستعمار الصهيوني أن يتجه نشاطهم إلي ناحيتين
الأولى هي تشجيع التجارة والصناعة العربية ، والثانية توفير المال اللازم لصد طغيان حركة شراء الأراضي التي نهض بها الاستعمار الصهيوني .
والسبيل الطبي إلي ذلك هو ضم الجهود الخاصة والأموال الفردية وتجميدها لتواجه زحف الذهب الصهيوني .
ويجب ان يعرف القارئ ان العرب وجهوا نشاطهم
إلي هاتين الناحتين بإخلاص وتكاتف
وليس ادل علي ذلك من ان المؤسستين الكبيرتين اللذين نهضتا لحمل رسالة النشاط الاقتصادي وهما البنك العربي ، وصندوق الامة العربية ، قد اتجهتا إلي هاتين الناجيتين بالذات
فالبنك العربي ، وهو أقدم مؤسسة عربية اقتصادية ، تأسس منذ خمسة عشر عاما لينهض بالمشاريع الاقتصادية وتموين الصناعة والتجارة الفلسطينية على نطاق كان محدودا أول الأمر واتسع في السنوات الأخيرة اتساعا ارتفع برأس ماله من ١٥٠,٠٠ من الجنيهات إلي 1000000 عام ٤٣ ثم إلي 2000000 من الجنيهات هذا العام ، كما اعلن أخيرا ، منها مليون لرأس المال ومليون للاحتياطي
أما صندوق الأمة العربية فهو المؤسسة التى تقوم مهمة استنقاذ الأراضي وإدراك ما يوشك ان يقع منها في ايدى الصهيونية وهو بهذا يقوم بمهمة للقرض لمن يوشك ان
يبيع الأرض ، والذي ينزل في الصفقات العقاربة لكي يحول بين شراء اليهود لها . .
ولست بسبيل الحديث المستفيض عن نظم هاتين المؤسستين ، وإنما اكتفي بأن أقول إنهما تشقان طريقهما بنجاح ، وتلقيان من العرب كل مساهمة وتشجيع ، وأكتفى أيضا بأن أسجل أن العرب لم يكونوا الشعب الستنيم الجاهل المتواكل ، الذي تقبل عليه الصهيونية فتأخذ بيده وتقبل عثاره وتنير له السبيل ، وإنما كانوا الشعب القوي الذي يفهم الكفاح على وجهه الصحيح والذي يسلك له سبله التي تلائم التطور ، يسلك سبيل العلم وسبيل الاقتصاد ولا يقصر في جهد أو يبخل بمال .
ولكن ؟ أتكفي جهود عرب فلسطين لتحرير فلسطين ؟ أتكفي مئات الألوف من الجنيهات لمقاومة ملايين الجنيهات التي ترصدها البيوت المالية الصهيونية لتوطيد أقدام الاستعمار الصهيوني ؟
ذلك هو السؤال الذي أسأله أنا ، وإن كنت لم اسمعه من عربي واحد ممن قابلت في فلسطين
إنهم جميعا أقوياء العزيمة شديدو الثقة بأنفسهم حريصون علي حقهم مؤمنون به اشد الايمان وهم يعلمون إلي انهم سيصلون يوما إلى نصرة قضيتهم . لكنهم مع ذلك وجدهم قد لا يستطيعون صد تيار الوطن القومي اليهودي ومقاومة وسائل أنصاره
تلك هي الحقيقة التي يجب أن ندركها ، والتي يجب أن تتضافر من أجلها جهود العرب جميعا
إن الاستعمار الصهيوني لم يجهر بدعواه إلا وهو يرصد لها عدة ملايين من الجنيهات هي كل حجته وسنده وسلاحه فجاءت دعوته ومؤكداته ، وجاءت سلسلة الاجتماعات التي تطالعنا بها الصحف في أمريكا حينا وإيرلنده حينا آخر والخطوة التي لم تشر إليها الجرائد ابدا هي انه ما من مؤتمر
عقد لنصرة الدعوة الصهيونية إلا وكان قراره الاول مئات الألوف من الجنيهات ينزل عنها اليهود في سكون وتكتم ويبذلونها خالصة لتأييد حق الصهيونية في فلسطين .
لا يوجد عربيان في الشرق يختلفان في حق عرب فلسطين في أرضهم ، وما من عربي لا يحس صلة الروح القوية بينه وبين هذه الأرض التي يجتمع عندها ذكريات العرب جميعا ، والتي تضم اقدس مكان بعد الكعبة المسلمين واقدس مكان لمسيحين العالم اجمع ، فمن حق كل عربي بل من واجبه أن يذود عن هذا التراث . وما الذاد منه الا استنقاذ اراضيه ومعاوية هذا الشعب الباسل الذي يكافح بدراهمه القليلة ضد أكداس الذهب .
ولحسن الحظ أن نتفق في ذلك كلة العرب أجمعين ، وان نسمع في هذه الأيام ان مسألة فلسطين هي المسألة التي لا يلتقي عربيان إلا ويتحدان فيها ، وان تري عاهلي الشرق الكبيرين يتزعمان نهضة العرب في سبيل تحرير فلسطين . فما هي الخطوة التالية ؟
إنها خطوة الشعوب بعد خطوة الساسة والقادة ، خطوة المال العربي في مصر وفي الاقطار العربية جميعا ، خطوة المال العربي هي الخطوة التالية ، أن تخطو الشعوب نحو تحرير فلسطين الخطوة التي خطاها اليهود نحو استعمارها .
تلك دعوة اسوقها إلي من يهمهم الامر من العرب ، ولست اقتصاديا اعرف كيف ترسم السبل وتختلط الوسائل ، وإنما اعرف فقط ان المواطف المجردة تخف في ميزان قيم القرن العشرين عن قطعة من الأصفر الركان .
وحينذا لو فكر القراء في هذا الأمر ، وحينذا لو فتح هذا الباب على مصراعيه ، وحبذا لو ادلي المشتغلون بشئون الاقتصاد من قراء الثقافية الغراء بآرائهم ، ولكن القضية التي يتناولها البحث هي : ما هي الوسائل الاقتصادية التى يمكن بها للعرب جميعا معاونة فلسطين العربية معاونة فعالة ؟
